يَعتَبِر الكثيرُ من المراقبين أن أحداث 11 سبتمبر كانت حدًّا فاصلًا في تاريخ الشرق الأوسط والمنطقة، لكن الأحداث تؤكد بكل وضوح أن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 كان هو الحدث الأبرز، فلم تعد المنطقة بعده كما كانت من قبل، فقد سقطت بسقوط النظام العراقي أنظمة لم يكن يدور في خلد أحد سقوطها، وتوالت الأحداث وتطورت إلى ثورات عفوية ثم ثورات مضادة ثم انقلابات فحروب ومعارك حتى وصلنا إلى مرحلة الحديث عن تقسيم دول المنطقة باعتباره حلًّا يتم طرحه لوقف نزيف الدم وتفادي استمرار الصراع.
ولم يعد خافيًا على أحد الآثار التي خلفها الاحتلال الأمريكي للعراق من قتل ودمار، لكن الذي يهمنا في هذا المقام هي محاولات الاحتلال المستمرة لتفتيت النسيج العراقي وإذكاء روح الفرقة بين مكوناته والتي بقيت متماسكة خلال فترة ما قبل الاحتلال، وبالأخص بين أكبر مكونين وهما السنة والشيعة.
لقد برزت المشكلة الطائفية منذ الأيام الأولى التي دخلت فيها القوات الأمريكية إلى العراق، واتضح الأمر أكثر من خلال تشكيل مجلس الحكم الانتقالي والذي حرصت أمريكا فيه على تكريس مبدأ أن الشيعة هم الأكثرية، فكانت المحاصصة الأمريكية تقوم على أساس أن الشيعة 60% والسنة 20% والأكراد 17% والباقي أقليات، ويمكن اعتبار هذه النقطة هي النقطة التي انطلق منها الخلاف بين القيادات السنية حول المشاركة في العملية السياسية من عدمها، فالذين يرفضون المشاركة ينظرون إلى أن السنة ليسوا أقلية وأن هذه المشاركة سترسخ لتلك الكذبة وتجعلها واقعًا يصعب تغييره، بينما يرى من اختار المشاركة ضرورة التواجد داخل الحكومة لصنع القرار وصياغة الدستور، وعدم ترك الساحة للمكونات الأخرى.
لكن رغم ذلك فإن الشيعة لم يكن بمقدورهم تشكيل حكومة بمفردهم، لأن تلك النسبة لم تؤهلهم للحصول على أغلبية مطلقة داخل الحكومة إلا بالتحالف مع إحدى القوائم، فاتجهت بوصلتهم نحو الأكراد الذين قبلوا ولكن بشروط وضمانات، خاصة أنهم لم يكونوا راغبين بذلك التحالف أصلًا، فقد كانت أعين الكرد تتطلع نحو السنة كونهم الأقرب إليهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عدم وثوق الأكراد بوعود الشيعة، وهم الذين خبروهم جيدًا من خلال التعامل المسبق، لكن رفض السنة للمشاركة في العملية السياسية جعل الأكراد مضطرين للتحالف مع الشيعة، لكن سرعان ما انفرط عقد ذلك التحالف، إذ اتضح صدق توقعات الأكراد وما كانوا يخشونه من الشيعة.
لكن السؤال الذي نريد طرحه هنا هو لماذا سعى الأمريكان إلى إثارة مبدأ الحكم على أساس طائفي، وهي تعلم أن ذلك سيؤدي إلى اقتتال لا يمكن التنبؤ بحجمه، وسيشعل فتيل نار ربما تحرق المنطقة بأسرها؟ ولماذا تم انتزاع الحكم من السنة بعد أن كانوا عماد بناء الدولة العراقية الحديثة؟ ولماذا سكتت أمريكا ودول العالم عن انتهاكات وجرائم المليشيات الشيعية الطائفية المدعومة من إيران بحق أبناء السنة في العراق؟ وكيف تحولت الخلافات بين التيارات السنية من خلاف على طريقة التعاطي مع الاحتلال والعملية السياسية إلى خلاف شخصي تطور فيما بعد إلى مصالح ونفوذ؟
ليس خافيًا على أحد أن العراق يصنف من البلدان التي كانت ولا تزال محطًا للصراعات المستمرة وبؤرة للتوتر، ما جعله غير مستقر على أكثر من صعيد، ويرجع ذلك إلى عدة أمور منها على سبيل المثال مجاورته للدولة الصفوية (الشيعية) من جهة، والدولة العثمانية (السنية) من جهة أخرى، لكن مع انهيار الدولتين بقي تأثير الأولى إيران وريثةً للدولة الصفوية، مقابل غياب شبه تام لتأثير تركيا وريثًا للدولة العثمانية حتى مع عودة الإسلاميين إلى الحكم.
ويمكن القول إن الأوقات التي استقرت فيها أوضاع العراق هي أقل بكثير من تلك التي شهدت حروبًا وصراعات، وتعتبر فترة حكم صدام حسين هي من أفضل فترات ذلك الاستقرار القائم على التعايش الاجتماعي على أساس المواطنة بغض النظر عن الطائفة أو القومية.
لكن أطماع إيران التوسعية المرسومة وفق منهجية تصدير الثورة فتحت الباب لذلك الصراع الطائفي الذي يعد من أنجح الوسائل لتحقيق مشروعها في المنطقة العربية، فأخذت تدعم الشيعة وتقنعهم بأنها حامية الحمى ورافعة راية المقاومة، وأنه لا خلاص للشيعة من مظلوميتهم إلا بالانضواء تحت مظلة الولي الفقيه.
والحقيقة التاريخية الموجودة في العراق أن المجتمع استطاع التعايش في ظل وجود هذا الانقسام الطائفي ولم تراوده فكرة الإقصاء على هذا الأساس، فالقبائل العربية ينقسم بعضها إلى شيعية وسنية، كما أن هناك كثيرًا من المصاهرة بينهم، إضافة إلى الصداقات وزمالة العمل والدراسة.
لكن من حق البعض أن يتساءل هل كانت تلك النظرة الطائفية موجودة وتتناقلها الألسن في المجالس الخاصة سرًا، أم إنها وليدة الاحتلال وصنيعته؟
وللتاريخ أقول إن هذه النظرة كانت موجودة ويتهامس بها أفراد المجتمع من الفريقين سرًّا فيما بينهم، لكنها لم تصل إلى حد الاقتتال يومًا من الأيام كما هو حاصل بعد الإحلال.
The post أهل السنة في العراق.. وبذور الصراع الطائفي appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست