الخميس، 28 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : يا فتى.. احمل معك وطنك أينما هاجرت!

ربما تعودنا بحكايات «أسعد طه» عندما كان يحدثنا عن ملاحم شعب البوسنة أيام الحرب في «يحكى أن» وكنا نظنها ضربا من ضروب الأسطورة التي لا تكون إلا مرة واحدة في التاريخ، ربما لم نتح الفرصة لأنفسنا وذواتنا كي تفكر يوما ما في معايشة حدث ملحمي واقعي بعيدا عن خيالات هوليود وذلك اعتقادا منا بأن زمن الأسطورة انتهى وولى، لكن..

 

جاء يوم الجمعة 15 يوليو 2016 مخالفا لأيام السنة أو ربما أيام التاريخ، فرغم نقاوة طقسه يومها وشمسه الساطعة إلا وكانت رائحة السماء تلوح لي على الأقل بشيء ما.

كنت يومها في «شارع الاستقلال» بتقسيم، حيث يمر من هناك حوالي مليونا شخص يوميا، وهو الشارع الأكثر شهرة في إسطنبول، كنت أنا والأصدقاء نرتشف قهوة الجمعة المعتادة مع حكايات عن الوطن والحياة والغربة، كانت الأجواء عادية كما نعهد المكان، صخب الشارع وازدحامه بالمارة، صوت الموسيقى الذي يميزه عن غيره، هذا الشارع الذي تسمع فيه كل لغات العالم، فكل الأجناس والأعراق والأديان تجتمع بين أرجائه.

كان صوت الأذان قد أطرب مسامعنا ككل أذان، الصوت التركي الحنفي الجميل، التفت للأصدقاء وقلت إن الليل بدأ في نزوله فلنتحضر للرحيل، وفجأة بدأت الأخبار تتوافد علينا كالصواعق، كان أول خبر جاءني عبر الهاتف أن الجيش استولى على الحكم في البلاد، في الحقيقة لم أصدق هذه المزحة حتى خرجت مع الصحب، حين وجدنا الناس تهرول والجميع يجري ويصيح، كان الجيش قد طوق الميدان بدباباته، المواصلات العامة مقطوعة، التاكسي ممنوع الركوب فيه وأقرب بيت نأوي إليه بعيد كيلومترات، في منطقة تسمى «شيشلي»، التفت لي صديقي وقال ليس لنا إلا المضي مشيا إلى البيت.

الطريق من الميدان إلى البيت كان كابوسا مؤلما، رحلة من الحكايا والتخمينات، لم أشعر بطولها بقدر ما شعرت بالخوف مما أفكر فيه، شبكة الإنترنت لا تعمل وآخر خبر لدينا أن الجيش استولى والرئيس سقط والتلفزيون أعلن ذلك، كنت أفكر في نفسي وأنا أستعد للرحيل إلى ذلك الوطن الذي هُجّرنا منه، أفكر في ملايين اللاجئين السوريين، آلاف الهاربين المصريين، الفلسطينين، اليمنيين، الجميع سيعود لدياره، والجميع سيتذوق الموت هناك بدرجات، إما حقيقة أو مجازا، إما اعداما أو سجنا، إما جسديا أو نفسانيا، في بلادنا العربية تختلف أشكال الموت وتختلف أسبابه ولكنه يبقى واحدا.

وصلنا إلى البيت بعد كل هذا العناء في التفكير، فتحنا الأخبار، لنجد بصيص أمل ونفس جديد، تكذيبات بدأت تصدر من الجهات الرسمية في البلاد ولكن تضمنت اعترافًا بقوة محاولة الانقلاب، وفي ظل هذه الساعات الرئيس مفقود ولا يسمع له ركزا، الجميع يبحث عنه ويتحدث عنه، الكل تحدث عن هروبه وموته وسجنه، ولا أحد منا ومن الناس صدق ذلك، حتى جاء الخبر اليقين.

«أردوغان» يطل على شاشة التلفاز بكلمة للشعب التركي عبر السكايب، والتي تبين بعدها أنها «فايس تايم»، هكذا جاءنا الخبر، بدأت الكلمة مقتضبة، دعانا أو دعاهم فيها للخروج والدفاع عن وطنهم أمام من يريد عسكرتها، لم تكتمل الكلمة بعد وأصوات المساجد بدأت في الآذان بالخروج وتقول حرفيا «الوطن يناديكم» وسط التكبير والتسبيح والدعاء، الجميع لم ينتظر اكتمال كلمة الرئيس ليهبوا إلى جميع الميادين والشوارع، الكل نزل بتركهم وكردهم وتركمانهم وعربهم، صوت واحد «يا الله.. بسم الله.. الله أكبر»، شعرت حينها بشيء يدفعني للنزول، ذلك الشعور نفسه الذي دعاني للنزول ذات الشتاء في ثورة بلدي تونس، الصور كانت لا توصف من الميدان، المرأة العجوز التي تحمل أدوات طبخها لتدافع عن وطنها، الرجل ذا الشيب الذي يبكي بحرقة وهو يعدد انقلابات السنين السوداء، الشباب إناثا وذكورا أمام الدبابات، انقضاض الأسود على فريستهم هكذا كان فعلهم أو أكثر، الطريق صار مكانًا للنوم والإرتماء أمام العساكر، بل هناك من مد الشرطة بسلاحه المرخص عندما نفذت ذخيرتهم أمام الجيش.

نعم ليس مجازا أو سيناريو لفيلم جديد لم يكتمل بعد أرويه لكم، بل هذا قليل من مشاهد أخرى لا يمكن تعدادها في سرد واحد.

الشعب يسقط الانقلاب، هو هكذا أو أكثر، اقتحموا المطار وافتكوا الدبابات وانتظروا رئيسهم ليخرج إليهم ويحملونه على أعناقهم، كلمته من المطار كانت إعلان نصر ومجد جديد لتركيا،

إنجاز ربما نظلمه كثيرا ولو نكتب عليه مرة واحدة ولكن ها هي الاحتفالات مستمرة ونداء الرئيس ساري المفعول، ونحن العرب وجدنا أنفسنا فيه، التساؤل وحده ربما لا يفيد عندما نتحدث شعورنا تجاه ما يحصل في تركيا، نخرج معهم ونصيح بشعاراتهم ولغتهم التي لا نفهمها، بكينا معهم حزنا وفرحا ومع ذلك لا يربطنا بهم سوى ورقة تنتهي صلاحيتها في كل سنة، لكننا نحن الذين نبحث عن أوطاننا التي زرعنا في قلوبنا وأرواحنا، كانت لنا هذه فرصة لاسترجاعها عندنا، المصري الذي تذكر التحرير، والسوري الذي يبكي دمشق، والتونسي الذي تعود بشارع الثورة، والفلسطيني الذي لا وطن له إلا في قلبه، كلهم تجمعوا بنفس الروح في هذه الملحمة، ليجدوا أنفسهم وأوطانهم التي ربما نصطدم بها مرة أخرى في هجرتنا إليها.

فاحمل وطنك معك أينما رحلت يا فتى، فهو الذي يحرك كل ما فيك.

The post يا فتى.. احمل معك وطنك أينما هاجرت! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست