الأحد، 3 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : النهضة.. قرار سياسي أم حراك مجتمعي؟

لست متفقًا مع المذهب القائل بفشل «الربيع العربي»، وضياع فرصة إصلاح الأوضاع؛ فبمجرد قراءتك العابرة لتاريخ مختَلَف الأمم في تجاربها مع الثورات وحركات الإصلاح، ستنعدم في نظرك المبررات للسرعة التي انهزم بها العرب معنويًا فور بداية ظهور المشاكل، والأعراض المصاحبة للثورات، ومبادرات التغيير.

بغض النظر عن دواعي التفاؤل، والتي قد تناولتها بالتفصيل في مقال سابق، تتملكني رغبة قوية في الشكوى مما آل إليه العقل الجمعي من تخبط؛ جراء ما يعانيه من تشاؤم شديد، ورغبة في الهروب من الحلم، سواء بهرب صفوة الشباب إلى بلاد أخرى، أو بترك هموم الحياة اليومية تغشى الطموحات، أو بالتوافه، من ضروب للتسلية تسكر العقول.

فالسؤال الذي يلح علي الآن هو: لماذا توقفنا عن الحديث عن «النهضة»؟

أليست النهضة هي أسمى هدف يمكن اتخاذه لأية حركة ثورية أو إصلاحية؟ هل إذا فكرنا قليلًا في السبب الباطن الذي دفع بالعرب للتحرك، وقلب أنظمة حكمهم، سواء أسموه «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» أو «الشعب يريد إسقاط النظام»، ألا نلاحظ أنه في الأصل «نهضة»؟ وما العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، إلا ما تصوّرته الجموع، كأهداف مبتغاة من عملية النهضة، وما إسقاط النظام، إلا ما رأوا أنه الوسيلة المثلى لانطلاق النهضة؛ من أجل تحقيق ذات الأهداف. أليس الفساد والفقر والظلم والجهل هو ما يبدو على وجه مجتمع ما، إذا كان في حالة ذبول حضاري وانحطاط؟ أليست إذن الشكوى من مظاهر الانحطاط هي دعوة لتخطيه؟ أو بمعنى أصح: دعوة إلى النهضة؟

لماذا إذن كان الحديث عن النهضة في سياقات الربيع العربي لمامًا، سرعان ما اختفى مع تصاعد وتيرة الأحداث؟ إن السبب أعمق من تصاعد وتيرة الأحداث؛ فالسبب على الأرجح يعود إلى حال المجتمع قبل، وأثناء، وبعد، الربيع العربي؛ غذ استيقظ الثوار على واقع افتقار الثورات للتنظيم؛ بسبب خلو صميم المجتمع من الأفكار النهضوية ذات المناهج المدروسة الجاهزة للتطبيق والعمل، الضامنة لتلقف أية مبادرة قوية للتغيير، وتفضيلهم الحديث عن القضاء على الفساد تارة، والقضاء على الفقر تارة، والتثقيف تارة – كل على حدة – بينما كان الأولى بهم النظر للمشكلة برمتها على أنها مأزق حضاري يتطلب مشروعًا متكاملًا للنهضة. وقد لخص الدكتور «جاسم سلطان» أسباب ذلك في كتابه «الفكر الاستراتيجي في فهم التاريخ»، عن طريق ذكره للشروط التي يجب توافرها في المجتمع، من أجل ما أسماه «الإقلاع الآمن»، والذي سيلاحظ القارئ ـ فيما بعد ـ مدى تخلفنا عن توفيرها:

  • شرط تغيّر منهج النظر إلى الدين والاجتماع والعلم.
  • شرط إيجاد الكتلة الحرجة المناسبة للتحوّل.
  • شرط إيجاد نقطة الانطلاق الكبرى.
  • شرط إيجاد التوافق المؤسِّس.
  • شرط إنتاج التوازن الأكبر.
  • شرط إيجاد الرؤية والمسار الاقتصادي السليم.
  • شرط القدرة على المراجعة والتعديل.*

غير أن ذلك كله ليس هو ما أردت الحديث عنه بقدر ما هو آت؛ فالسؤال الذي أود محاولة الإجابة عليه الآن هو: هل النهضة تبدأ من الحكام، وتأتي على شكل قرار سياسي، أم تبدأ من القاعدة الشعبية (أو سمها المجتمع المدني إن شئت)، وتأتي على شكل حراك ومقاومة؟

إن لهذا السؤال إجابة يمكن التوصل إليها، وهي أنها قرار سياسي في أحيان، وحراك مجتمعي في أحيان أخرى. إليكم الأمر بشيء من التفصيل:

أولًا، علينا أن نسأل: ما هي النهضة؟

إن النهضة (بحسب رؤية الدكتور جاسم سلطان) هي طور حضاري تمر به حضارة معينة في طريق صعودها. تسبقه إرهاصات «الصحوة» الفزعة المتخبطة من عميق السبات، والتي تتسم بالعشوائية، والوقوع في العديد من الأفخاخ والأخطاء، تليها «اليقظة» التي تتسم باستعادة التوازن وإدراك الموقع من التاريخ، ثم الشروع في التصرف على أساس المعطيات الموجودة، والتفكير في خلق الجديد منها. أما ما يتبع طور النهضة فهو طور نهائي يسمى «الحضارة»، والحضارة تطلق على المكان الذي نصل إليه فنجد «نماذج فكرية متقدمة»* من بعد التضلل بالخرافات والأوهام، و«عالم علاقات وسلوك متقدم»* بعد الاطمئنان إلى الظلم والقهر واللاقانون، و«عالم متقدم من الإنتاج المادي الصناعي والفني»* والعلمي بعد الركون إلى الشراء والتقليد والاستهلاك.

أما طور «النهضة»، وقد تكلمنا عن الطورين السابقين عليه، والطور اللاحق به، فهي عملية كبرى سماتها الأساسية: إطلاق حرية الفكر، والعمل، والإبداع، عن طريق نزع القيود عليها. وتتسم أيضًا بانشغال المجتمع، أفراد، وجماعات، وسلطات، بالعمل المنتظم المخطط له جيدًا، و «تتبلور (النهضة) في شكلها الخارجي في الإصلاح الاجتماعي السياسي والاقتصادي والمادي إلخ… وعندها يمكن أن يقال إن هذا المجتمع قد انتقل إلى مرحلة جديدة، وهي الحضارة».*

إذن، فصميم عملية الإصلاح يتم في طور (النهضة)، ذلك إذن هو تعريف النهضة، ومعنى ذلك أنه يتم فيها فعليًا التغلب على مشكلاتنا الأساسية التي نعاني منها، والتي من أجلها قامت ثورات الربيع العربي: الفقر، الظلم الاجتماعي، والفساد السياسي.

وإجابةً على سؤال المقال، أقول الآتي:

إن الدخول في صميم عملية الإصلاح (والتي يغلب عليها التقدم المادي والعملي الفعلي)، أي (النهضة)، يتطلب مدة من التحضير لها، متمثلةً في طور «الصحوة» وطور «اليقظة». و يمكننا القول ـ بثقة ـ أن التحولات الكبرى الباعثة لطور «الصحوة» يغلب عليها طابع الجبرية والقهرية.

بكلمات أخرى، فالتحولات «الجيوسياسية» كظهور قوة حضارية كبرى متاخمة، مثل الذي حدث أثناء صدمة الحملة الفرنسية، و«الديمغرافية» كهجرة علماء القسطنطينية إلى فلورنسة، بعد سقوطها عام 1453، والاقتصادية مثل اكتشاف طريق «رأس الرجاء الصالح» والكشوف الجغرافية، والعقائدية كنزول الوحي على نبي من الأنبياء يتبعه تغير فكري حاد عند شريحة كبيرة من البشر، هي التحولات التي بإمكانها إيقاظ حضارة غارقة في النوم من سباتها وإدخالها في طور «الصحوة»، أو حتى المساهمة في ولادة حضارة جديدة. وهي كلها ظروف خارجة عن دائرة التخطيط والترتيب البشري، ناهيك عن قدرة حكومة من الحكومات على المبادرة بها، عن طريق قرار أو توجه سياسي.

فدخول حضارة ما في طور الصحوة، هو حدث أكبر بكثير من قدرة شخص أو حكومة أو حزب على إحداثه في سياقهم الزمني والسياسي والجغرافي.

أما طور «اليقظة» الذي يسبق النهضة مباشرة، فهو الطور الذي يتم فيه استعادة التوازن والتهيؤ للإقلاع الحضاري المنتظم. يقوم فيه المجتمع بإعادة تعريف المفاهيم الأساسية، وإفقاد الأفكار الظلامية المثبطة قدرتها على التأثير على الأفراد، واستحداث أفكار ثورية تقدمية لها القدرة على إزكاء الحماس وتنظيم الصفوف وتوحيد الأهداف. تكمن أهمية طور اليقظة في كل ذلك، بالإضافة إلى معرفة الموقع من التاريخ والتنظير لصناعة علاقة متوازنة مع القوى الإقليمية؛ من أجل التأقلم مع الواقع الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، والتغلب على الاستعمار أو التبعية.

إن التحول الجالب لطور «اليقظة» هو في الأساس تطور معرفي ذو طبيعة ثورية، صرخة منبعثة من أعماق الضمير الإنساني؛ مطالبة باستعادة الثقة في العلوم الإنسانية، ومنظومة القيم، وتطويرها، وتفعيلها من أجل التحرر من مؤثرات الماضي التي تسببت في تخدير عقل تلك الحضارة منذ قرون عدة. بطبيعة الحال، يتقزم دور الحكام وإرادتهم وقوانينهم أمام تكتلات العلماء والمثقفين والأكاديميين في ريادة هذا الطور من أطوار الصعود الحضاري، ومرة أخرى نرى أن السلطة غير معنية بتنظيم طور «اليقظة»، ولكنها قد يكون لها اشتراك فيه في بعض الأحوال، لكن أيضًا يمكن أن يكون دورها مكبّل لجهود هؤلاء العلماء والمثقفين، فيكون عمل هؤلاء على شكل مقاومة لغطرسة السلطة، وعنتها الذي يكون غالبًا دفاعًا عن امتيازات موروثة متعارضة مع الأطروحات الفكرية الجديدة.

أما طور «النهضة»، فيحتاج كما بينا عدة عوامل توفر له المناخ المواتي لإنطلاقه، وقد أوجزها الدكتور جاسم سلطان في سبع نقاط، ذكرناها سابقًا، و علينا الآن ذكر بعض الاستنتاجات حيالها للإجابة على سؤالنا:

  • شرط تغير منهج النظر إلى الدين والاجتماع والعلم: هي مهام تقع على عاتق المثقفين. أما دور السياسة فهو التماهي مع المناهج الجديدة والاصطباغ بصبغتها، وفي أحيان أخرى تطوير القوانين وتعديل الأولويات في ضوئها. جدير بالذكر أن وضع أسس الدورة الحضارية الجديدة لن يتم كما ينبغي، إلا بحد أدنى من التعاون بين السلطة والمثقفين. وفي التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك.
  • شرط إيجاد الكتلة الحرجة: هي مسئولية المثقفين أيضًا، وتعتمد على قدرتهم على الاستفادة من معطيات البيئة وإمكانات العصر. فعصرنا يتسم بسرعة وسهولة الاتصال وتناقل المعلومات، والمسئولية تقع على مثقفينا في إيجاد صيغة توافق بينهم تُنشئ شبكة كبرى من المثقفين والأكاديميين المختلفين، فتصنع الكتلة الحرجة القادرة على إنشاء الأفكار، وتنظيمها، والتخطيط؛ لاستغلال معطيات البيئة، وإمكانات العصر في نقل الزخم الفكري إلى المجتمع.
  • شرط إيجاد نقطة الانطلاق الكبرى: هي الحدث أو القرار المسئول عن إزالة العائق السياسي أمام النهوض، ووضع قضية النهضة على طاولة السياسة والرأي العام الكبرى. بطبيعة الحال، لا يكون ذلك، إلا بقرار سياسي من حاكم متنور كالامبراطور «مايجي»، أو من أبطال شعبيين كـ«ماو تسي تونج» أو «غاندي»، أو من ثورة شعبية عارمة، لكن لا تؤتي هذه اللحظات أكلها، إلا بتوفر الشروط السابقة، أو بالعمل على توفيرها، بالاستعانة بروح الحدث الكبير، وإبقائها حية.
  • شرط إيجاد التوافق المؤسس: وهي اللحظة التي تتزامن مع إنشاء العقد الاجتماعي، ومسئول عنها جميع أطياف المجتمع ومعهم السلطة. إن هذا التحول هو نتيجة لزيادة الوعي المجتمعي أولًا، وليس النبوغ السياسي. وهو ليس ابن كتابات المفكرين، بقدر ما هو إرادة جماعية، مدفوعة بزيادة الوعي؛ الناتجة عن الأطوار والمراحل السابقة للصعود الحضاري، وتطور العقل الجمعي.
  • شرط إنتاج التوازن الأكبر: إن النهضة، مثلها مثل التقهقر؛ لا تنتج فقط عن عوامل داخلية، وإنما تدخل فيها عوامل خارجية أيضًا. كما أن الاستعمار والتبعية والاستغلال تدفع في اتجاه التقهقر، فإن خلق التوازن بين دولتنا والإقليم، ودولتنا والعالم اقتصاديًا وسياسيًا يدفع في اتجاه الصعود، وهو من المهام التي علينا الاضطلاع بها فور إيجاد التوازن الداخلي (العقد الاجتماعي وسيادة القانون). وهي وظيفة الحكومة وواضعي السياسات، بالطبع في ضوء التطورات الفكرية والأولويات الجديدة.
  • شرط إيجاد الرؤية و المسار الاقتصادي السليم: إن النمو الاقتصادي هو وقود أساسي للصعود الحضاري. وهو أيضًا عمل حكومي، مهتديًا بواضعي المشاريع والمخططين من المتخصصين العاملين، تحت كنف الحكومة، أو منتدبين من قِبَلها.
  • شرط القدرة على المراجعة و التعديل: هي عائدة على الشرط السابق «المسار الاقتصادي»، وهو نهج حكومي أيضًا.

ختامًا، فإن أطوار الصعود الحضاري ليست محددة بحيث ينتهي طور فيبدأ آخر، بل هي متداخلة ومتفاوتة الأزمنة. وللقارئ أن يلاحظ ـ على كل ذلك ـ أننا الآن على أعتاب مرحلة اليقظة، محاولين التخلص من الأفخاخ، والتخبط الذي وقعنا فيه في طور الصحوة. فما زال الوقت مبكرًا بعد على حصد الثمار أو الركون إلى اليأس. أما سبل الولوج إلى طور اليقظة، فأسأل الله أن يوفقني إلى الحديث عنه في مقالات قادمة.

———————–

*مصدر الاقتباسات: كتاب (الفكر الاستراتيجي في فهم التاريخ) للدكتور جاسم سلطان.

The post النهضة.. قرار سياسي أم حراك مجتمعي؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست