الأحد، 3 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : عندما ركب المحافظون الاستفتاء!

في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2016 أجري استفتاء في بريطانيا حول بقائها من عدمه كعضو في الاتحاد الأوروبي؛ ذلك الحدث الذي أثار ضجة كبيرة في دول العالم كله، وتباينت حوله الآراء ما بين مؤيد ومعارض ومحايد.

لست هنا لأتناول أسباب الاستفتاء أو ما يمكن أن تؤول إليه الأمور فيما بعد، ولكن هناك نوعًا من المقاربة أجبرتني عليها بعض الآراء التي طرحتها بعض الشخصيات «النخبوية» في مصر، والتي أسقطت هذا الاستفتاء، ونتائجه ـ بشكل ما ـ على الثورة المصرية.

فمثلًا: نجد منهم من يتهم «ديفيد كاميرون»، رئيس وزراء بريطانيا، أنه قد تسبب في كارثة؛ حين وعد بعقد الاستفتاء؛ إذا ما فاز حزبه «المحافظون»، ووصل هو إلى مكتب رئيس الوزراء؛ تلبية لمطالب معارضي الانضمام للاتحاد الأوروبي منذ سنوات طويلة، وأنه ما فعل ذلك إلا لمصلحته الشخصية، ومصلحة حزبه؛ ليفوز بالمنصب.

ويبدو أن كاميرون من وجهة نظرهم قد أعلى مصالح أهله وعشيرته، على مصالح الوطن، كما فعل مرسي، وأن «حزب المحافظين» أراد ركوب الاستفتاء، كما ركب «الإخوان» الثورة، غير أن البريطانيين صبروا على «كاميرونهم»، ولم يصبر المصريون على «مرسيهم»!

إن هؤلاء النخبويين ـ ربما ـ لم يثوروا على كاميرون؛ لفخره بأن بلاده تعد القوة العسكرية الثانية على مستوى العالم، التي تضرب سوريا والعراق، تحت ذريعة ملاحقة الإرهابيين، أو لأنه يرفض أن يُلاحَق جنود بريطانيون بجرائم ارتكبوها في العراق، بحجم ثورتهم اليوم ضده، لأمر «لا ناقة لنا فيه ولا جمل»، إلا من مردودات القرار على اقتصاد بريطانيا، وبالتالي، توابعه على اقتصادنا (إذا أطلقنا على المزاد الذي تعيشه مصر اليوم اقتصادًا!).

كان موقف كاميرون ـ في البداية ـ معارضًا للانضمام للاتحاد، إلا أنه ـ ومع الوقت ـ تغيرت وجهة نظره، وصار من أكبر الداعمين له، بل إنه قام بمفاوضات عديدة، ووصل إلى اتفاقيات من شأنها أن تميز بريطانيا عن سائر دول الاتحاد؛ فلم ينعته أحد بالمخادع الذي حنث بوعوده، كما وُصِف الإخوان، بعد أن تراجعوا عن رفض تقديم مرشح رئاسي من بينهم.

نفذ كاميرون وعده لجمهور ناخبيه، بعد عام تقريبًا، ولم يتهموه بالفشل، بعد مرور مائة يوم، كما حدث مع «مرسي»، مع فارق الاستقرار.

يهاجم نخبويونا كاميرون؛ لأنه صم أذنيه عن الناصحين الذين عارضوا الاستفتاء، والذين ـ بالرغم من رفضهم للفكرة ـ لم يتهموه بـ«الديكتاتورية»، بل رضخوا لديمقراطية اتخذوها طريقة للحكم، ولاختصاصات منحها الشعب البريطاني لرئيس وزرائهم وفق دستور وضعوه، في حين إنهم اتهموا مرسي بالديكتاتورية؛ لذات السبب؛ فهو من وجهة نظرهم، لم يستمع لمعارضيه؛ فأقاموا ضده «جبهة الإنقاذ»، وتعدوا على اختصاصات «رئيس الجمهورية» التي منحها إياه دستور استُفتى عليه الشعب، بل إنهم «تحالفوا مع الشيطان»؛ لإسقاط أول نظام ديمقراطي وليد، بعد ثورة متعسرة!

خرج الاستفتاء بنسبة حوالي 52%، وبكل تحضر، جمع المعارضون للانفصال عن الاتحاد توقيعات على عريضة؛ تطالب البرلمان ـ وفق القانون ـ بإعادة الاستفتاء، فلم نجد من بينهم من يقول إنه استفتاء فاشل، لا يعبر بالضرورة عن رأى الشعب كله، أو أن الشعب جاهل غرر به حزب المحافظين؛ حين وزع عليهم «شاى وكيك»، بالرغم من أن كثيرًا ممن صوتوا للخروج من الاتحاد ـ ربما ـ لم يكونوا يعرفون ما هو الاتحاد أصلًا، ولا ما هي عيوب أو مميزات الاستمرار فيه، وربما يؤكد ذلك فكرة أن كل الشعوب يمكن التغرير بها بفكرة، أو سوقهم لاتجاه ـ ربما ـ فيه هلكتهم؛ فيسيرون فيه، دون أن يدركوا المصير.

إذن فالأمر لا يتعلق بالشعب المصري فقط، أو بالشعوب العربية؛ فالشعوب كلها بسيطة بالفعل، لا يشغلها الجانب السياسي في الغالب، ولا تنتبه إليه عادة، إلا إذا قام أحدهم ـ بحرفية شديدة ـ بتسليط كشافات إضاءة قوية على الحدث المراد توجيه الناس إليه.

عند تحليل الفئات التي صوتت للخروج من الاتحاد الأوروبي وُجِد أن نسبة كبيرة من المصوتين للخروج كانوا من كبار السن، وهنا كان إسقاط آخر على الثورة المصرية، واتهامًا مكررًا لكبار السن أنهم هم من أضاعوا هذه الثورة بفكرهم القديم العقيم، وبعدم رغبتهم في ترك المجال للشباب!

نقد الشباب كل من عداهم نقدًا لاذعًا؛ يبكون على أنفسهم شفقة، ولا أجد لهم نقدًا ذاتيًا موضوعيًا، إلا على صفحات تعد على أصابع اليد الواحدة، ليست المشكلة ـ في نظري ـ فى شيوخ عاشوا زمنًا آخر، في ظل نكسات أخرى، بل المشكلة في أن شباب اليوم لا يعترفون بأخطائهم، يريدون أن يهدموا القديم؛ ليبنوا مكانه، في حين أن أرض الله واسعة، فلم لا يشيدون صرحهم في أرض جديدة! هؤلاء الكبار يملكون حق الحياة والاختيار، وإن لم أوافق، أو توافق، على نوع اختيارهم، لك حق الاعتراض، ولكن لا حق لك في خنق أصواتهم، وإلا، فأية حرية تلك التي تدعون إليها؟ أم أنها حرية مقيدة بشروط! إذن، فلم تتهم الكبار بأنهم يحجرون على رأيك؛ إن كنت أنت تريد محو أثرهم!

يبدو أننا نحتاج هنا أن نعود لنقطة الصفر، مفاهيميًا، من جديد، وأن نعيد شرح معنى الديمقراطية، الديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم، يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة، إما مباشرة، أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين، قائمٌ علَى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثريّة، ويحافظ على حماية حقوق الأفراد والأقليات.

أي أنها اختيار حر لجميع الفئات العمرية، يخضع الجميع له، وإن كان الطرف الفائز قد نالها بفارق واحد في المائة، وعلى الجميع احترام ذلك، يحكم الفائز بما يراه وفق دستور يُستَفتى عليه الشعب، ووفق قرارات برلمان ينتخبه الشعب، له أن يقرر من يساعده في أمور الحكم بحرية وفق القانون، يمكن لجميع القوى أن تشير عليه برأيها، ولكنه ليس ملزما بهذه الآراء، على المعارضين أن يعلوا مصلحة وطنهم، بالرغم من رفضهم للنظام القائم، فلا يكون همهم إسقاطه، بما لا يتعارض مع رفع أسهمهم لدى المواطنين، في النهاية، يقرر الناس إذا ما كان هذا النظام يصلح لمدة ثانية، أم لا، وفق انتخابات، بعد انتهاء مدته، ولا يقرر بالنيابة عنهم وزير دفاع منقلب، مستعينًا بنخبة طامعين طامحين في الحكم.

إن ما يحدث في بلادنا من موجات تخبط يعود أصله، إما إلى جهل جزء من الشعب بأبجديات السياسة، والحكم، يشبعها فيهم رءوس سياسية طمحت في الحكم، وفشلت في الوصول إليه؛ لأسباب متباينة، وإما لعدم إدراك فكرة وجود سياسة من الأصل لدى الجزء الآخر.

الخلاصة، لا تمعنوا في النقد، والتحليل في قرارات شعوب أرست أساسات حكم راسخ والتزمت بها، لا تقلقوا عليهم كثيرًا؛ هم يعرفون ما عليهم فعله، ولن يضلوا الطريق إلى مصالحهم؛ حري بكم أن تنتبهوا لذلك المستنقع، الذي سقطتنا نحن فيه، إن أردتم أن توجهوا نقدًا حقيقيًا، فالأفضل أن يكون لأنفسكم. إن أردتم خروجًا من بركة الوحل، الذي وصل منا إلى الأذقان، فعليكم أن تكونوا أكثر صراحة مع أنفسكم، وشجاعة في العودة إلى حيث ثوابت يسير عليها العالم كله، تباركونها له بإعجاب شديد، وترفضونها في بلادكم؛ لا لشيء، إلا لهوى في الصدور.

The post عندما ركب المحافظون الاستفتاء! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست