هل فكرت يومًا أن تتحرر من مسؤولياتك ليقوم بها غيرك؟ أن تحتسي كوبًا من القهوة في الصباح – دون التدخل في صنعه – لتبدأ أعمالك مباشرةً؟ أن تصل إلى جامعتك دون تأخير لأنك لن تنفق وقتًا في كيّ الملابس أو تجهيز الفطور؟ ثق أنك لن تؤنِّب نفسك بعد اليوم يا صديقي؛ فلن ينفروا من رائحة فمك الكريهة لأنك لن تنسى تفريش أسنانك كعادتك، ولن تنسى مرة أخرى الكتاب الذي يطالبك به أحدهم منذ زمن لأنك ستجد من يُذكَّرك به. هل تخيلت يومًا كلَّ هذا؟ من يعلم؟ ربما توفر التكنولوجيا لي ولك ذلك.
بالنظر إلى ما أحدثته التكنولوجيا من ثورة معلوماتية كبرى أثرت على وسائل الاتصال بالعالم، وزادت العصر انفتاحًا على ما هو عليه من انفتاح، وأدخلت مفهوم العولمة إلى العالم وطبقته باحترافية لا تُضاهى، وسهلت تدوال المعلومات وتجميعها، وسرعت كثيرًا من العمليات في الحياة ويسرتها عن ذي قبل، وأراحت الجنس البشري من كثير من الأعمال الشاقة التي كانت مفروضة عليه، نجد أن التكنولوجيا قد تظهر كمنقذ أو صاحب فضل على الإنسان – وهي كذلك – في حين أن هذه النظرة هي نظرة سطحية للغاية بالنسبة لما يخفى علينا.
لنتعمق أكثر يا صديقي، ولنتَمعَّن في المسألة من كل جانب، في الحقيقة لقد دسَّت لنا التكنولوجيا السم في العسل، وجاءت مُحمَّلة بالمناقب والمثالب على حد سواء، فأعطتنا سهولة الوصول للمعلومة ولكنها حرمتنا – إلى حد ما – من التوثِّق منها، وأزاحت عن الإنسان كثيرًا من الصعوبات ولكنها أفقدته لذة الحياة ومتعتها، وألقت عنه مشاقّ عديدة ولكنها تخلت عنه كليًّا حين استبدلت به الميكنات التي حلَّت محلَّه، واستنزفت موارد البيئة أيما استنزاف من أجل تحقيق رغباتها، وكان لها أثر سلبي عام على صحة الإنسان ونسله.
حين اجتاح العالمُ الرقميُّ العالمَ، لم يُبْقِ ولم يَذَرْ، ولم يزل يزيح ما يواجهه، حتى ضاق الإنسان ذرعًا بما يملك ووقف مكتوف الأيدي لا يحرك ساكنًا، تعالَ لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر: عندما بدأ عالم التصميمات وبرامج الـPhotoshop وIllustrator تغزو المجتمعات، انكمشت بالتدريج مهنة «الخطاط»، وقاربت على الانقراض، وانخفض مُعدَّل الطلب على الخطاطين والرسامين التقليديين بمعدل أدنى من النصف على أقل تقدير، نستطيع أن نقول إذًا بكل أريحية أن البطالة لا تقتصر على الدول النامية فقط، ولا يحتاج ظهورها إلى تفاقم أزمات معينة، فالتكنولوجيا وحدها كفيلة بذلك.
هل سمعت عن ما يسمى بالـ3D Printer أو الطابعة ثلاثية الأبعاد؟ تلك التي ستصبح لها القدرة قريبًا على تصميم أشكال دوائية معينة وإنتاجها بسلاسة وبساطة دون تعقيدات، أو عن الروبوت الجرّاح الذي أصبح له القدرة على القيام بالدور العملي في تنفيذ كثير من العمليات الجراحية؟ أو عن الروبوت المُزارع الذي أصبح يستخدم على نطاق واسع في حرث الحقول وريها؟ وربما نسمع قريبًا عن ما يزيح كل تلك الأشياء ويستبدل غيرها بها مما هو أعلى منها قدرة وأكثر تطورًا، فقانون «الإحلال» هو الشيء الوحيد المقدس هنا.
لنتعمق أكثر وأكثر، ولنفتش في عباب هذا البحر المتلاطم عن المزيد مما يبهرنا ويشبع شغفنا، إن كل ما ذُكِر آنفًا يا صديقي، نتفق على عَدِّهِ مجرد تأثيرٍ ماديٍّ مباشر على الإنسان، حتى قد نتفق على إمكانية التلغب عليه – وإن كان ذلك صعبًا إلا أنه ليس بالمستحيل -، وذلك عن طريق تطوير العنصر البشري وتهيئته ليستطيع مواجهة التحديات التي تظهر أمامه باستمرار، فيحاول أخذ ما يريد منها وترك ما لا يريده والاستفادة على قدر حاجته ودفع ما يضره بعيدًا عنه، والتأقلم مع ما تفرزه له التكنولوجيا من مستجدات في كل لحظة.
ففي إحصائية أجريت على ما يقرب من 9000 شاب معظمهم في أوروبا – حيث التقدم التكنولوجي والثورة الصناعية -، أقر 80% من هؤلاء الشباب أنهم اضطروا إلى تعلم مهارات جديدة بعد تخرجهم في جامعاتهم حتى يستطيعوا مواكبة سوق العمل «السريع» والدخول في مَعْمَعَتِهِ دون عقبات، الأمر الذي عقَّب عليه المدير التنفيذي لشركة أنفونسيس التقنية -فيشال سيكا – قائلًا: «لم نعد بحاجة إلى التركيز على تعلُّم ما نعرفه، بل يجب التركيز على محاولة استكشاف ما سيحدث في ما بعد».
الأخطر من كل ذلك: هو كون هذا الأثر معنويًا باطنًا، ينزع قيمة الإنسان ويطغى على جوهره، ويسلبه مهمته التي خلقه الله من أجلها، وفي حال تحقُّق ذلك فإن الإنسان – الذي كرمه الله سبحانه وتعالى حين قال في كتابه الكريم: (ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا) – سيضحى يعيش حياة بهيمية لا عقل فيها ولا مشاعر، ويكون قد أوقع نفسه فريسة ثمينة وصيدًا سهلًا لما يسمى بالتكنولوجيا.
كأثر معنوي على كينونة الإنسان وجوهره، أفقدت التكنولوجيا الإنسان قدرته على التفكير، فأصبحت الحواسيب الآلية بأنواعها والأجهزة المستخدمة في البنوك والشركات كفيلة بوضع الخطط وتنظيم العمل وتسييره دون أي تدخل من الإنسان، بعد أن كان الإنسان يفعل ذلك وأكثر سابقًا، وانفك الترابط الأسري عن ذي قبل، فاستُبدلت بالجلسات العائلية الأجهزة اللوحية كـ«التابلت» وغيره، وأصبح التواصل متوقفًا على مواقع «السوشيال ميديا» وتطبيقاتها، محصورًا في حروف وضغطات أزرار ووجوه صفراء فاقع لونها يُقال أنها تسر الناظرين.
امتد ذلك الأثر أكثر وأكثر حتى طال عقل الإنسان نفسه، هل كنت تتخيل يومًا أن يُستَنسَخ عقلك؟ أن تجد مساعيَ لمحاكاة عقلك الذي تفكر به ليطلقوا على تلك المحاكاة «الذكاء الاصطناعي»؟ في الحقيقة إن الأمر جَدُّ خطير؛ إذا طبق الذكاء الاصطناعي بشكل كامل على الروبوتات فستغدو مجتمعاتٍ كاملةً لها استقلالها التام عنَّا نحن بني البشر، حيث ستصبح قادرة على الاستنتاج ورد الفعل، وقد أعلنت اليابان منذ فترة ليست بالبعيدة أن بعض دور رعاية المسنين أصبحت تُشَغَّل كُلّيًا عن طريق الروبوتات التي استطاعت بنجاح تقديم ما قدمه العمال اليابانيون العاملون في تلك الدور، لكن الأبحاث ما زالت لم تصل للنهاية بسبب بعض القصور الحادث في تلك العمليات التي تقوم بها الروبوتات.
على المستوى الرسمي، وتحديدًا في منتدى دافوس الاقتصادي الذي عقد في شهر يناير من العام الجاري، اتفق المشاركون على أن «زيادة دخول العالم في خِضَمِّ الثورة الصناعية الرابعة، وظهور التقنيات التفاعلية الذكية وعمليات الأتمتة والرقمنة الكاملة وشبه الكاملة» أضحت هي المشكلة العظمى التي تواجه المجتمعات، وأن أبرز تحدٍّ يواجه المجتمع الدولي هو الحفاظ على إنسانية العالم أمام تداعيات «الثورة الصناعية الرابعة» و«تَغَوُّل التكنولوجيا عليه».
نحن لم ولن ننظر أبدًا للتكنولوجيا نظرةً إقصائية، نحن فقط نريد فرض طريق معين نواجه من خلاله كم التحديات التي تحمل معها، نحن بحاجة إلى ما يكبح جماح ذاك الوحش الضاري، إلى ما يستعيد جوهر الإنسان مرة أخرى، إلى ما يدرك الإنسان قبل أن يصبح مجرد ترس في معادلة الحياة بعد أن وطّد نفسه محركًا لها، كي لا نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قُوِّةٍ أنكاثًا، وحتى يبقى لنا على الأرض ما يستحق الحياة.
The post هل فكرت يومًا أن تتحرر من مسئولياتك appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست