يمكن للروايات أن تشعرك بأنك عشت حيوات غير حياتك، وأن تطلع على تجارب لم تعشها وربما لن تعيشها أبدا.
لأننا كائنات محدودة القدرات، يساعدها الخيال على توسيع قدراتها. تتعلق رؤيتنا للعالم بالقصة التي نعتقد فيها، وربما يتعلق حاضرنا بالطريقة التي نروي بها ماضينا.
ورغم أننا نتحرك في عالم معقد فوضوي، ونشعر بمشاعر متشابكة، ونتخذ قرارات بناءً على دوافع عديدة، وتأثرًا بتراكمات وخبرات وطرق متراكبة، إلا أننا نميل لتبسيط الحكايات لنستطيع الفهم، ولنرتاح قليلا من شعور العجز عن قدرتنا على السيطرة على مجريات الأمور.
ليست البساطة عيبًا، لكن الحكايات البسيطة التي نحكيها عن التاريخ مثلا تفقد قدرتها على الإقناع أو التفسير أو الاستفادة منها بأية دروس يمكن أن تساعد على تجاوز الأوضاع والمواقف التي تكررت من قبل، لأوضاع ومواقف أفضل أو أيسر للعيش في هذه الدنيا.
والتمسك بالحكايات البسيطة عن التاريخ تغري بمحاكمة الشخصيات التاريخية، أو الأحداث. وكما يعبر شوشانا فيلمان في (اللاوعي القضائي): «يُفترض بالمحاكمة أن تكون بحثًا عن الحقيقة، ولكنها، تقنيًا، بحث عن قرار، وعلى هذا فهي، في جوهرها، لا تلتمسُ الحقيقة وحسب ولكنها تلتمس نهاية: قوة البتّ بقرار. والنص الأدبي، في المقابل، هو بحث عن معنى، وعن تعبير، وعن دلالة بارزة، وعن فهمٍ رمزي».
__
رواية (غارب) هي رواية تاريخية مُركبة مخلصة للفترة التي تتحدث عنها، وهي نموذج لما يمكن أن يفعله الرغبة والجهد والالتزام الصادق بما تحب مع وجود موهبة وحساسية لالتقاط التفاصيل.
أتذكر فرحي برواية (عزازيل) أول صدورها من حيث طريقة كتابتها كمخطوطة، والتي كانت مقنعة لي تماما حتى أني أحببت فكرة أن تكون بالفعل مخطوطة حقيقية. وفيما عدا الملاحظات التي عليها ظللتُ فترة مفتونة بالفكرة.
كذلك أعجبني اجتهاد سلوى بكر في رواياتها التاريخية مثل (البشموري) من حيث اختيارها لفترات تاريخية يقل الحديث عنها، ومن حيث تفاصيل ما تحكي عنه. إلا أنها لم تُوفق في رأيي في غزل التفاصيل جيدا في الرواية دون أن تشعر بتقريرية أو بأنها مقحمة على النص الروائي.
ما أراه هنا أن محمدًا تلافى هذه العيوب تماما. وغزل بعناية التفاصيل التي تخص الفترة التى اختارها لروايته –آخر عام في دولة الأندلس-, لقد فعل ذلك دون أن يخل بمتعة القراءة رغم كثرة التفاصيل.
الرواية كلوحة فسيفساء كبيرة، غنية بالتفاصيل المتشابكة. ما نجح فيه الروائي هنا هو تصوير هذه اللوحة الكبيرة، ثم الاقتراب من وحداتها، وتكبيرها كل على حدة، لتملي عينيك من كل جزء، فتفهم اللوحة الكبيرة وتشعر بها وتعيشها.
استخدم في تصويره لغة متميزة للغاية. لقد أحيا لغة ذلك العصر بإعادة استخدام مفرداتها. يصحبك لتتعرف عليها تدريجيا –فقد وضع معانٍ لبعض الكلمات الصعبة وغير المتداولة في عصرنا-، ثم مع مرور أول فصل تقريبا ستألف الكلمات، وتكتشف متعة جديدة.
لم يكتفِ باللغة الرصينة التي يستخدمها المتعلمون أو الكتاب في ذلك العصر، وإنما استخدم اللهجة الأندلسية المحكية اليومية، وهي قريبة للهجة المغربية اليوم.
استخدامه للهجة الأندلسية العامية في الحوارات هو جزء من تركيزه في تصوير اللحظات اليومية الصغيرة، بشكل ربما أكبر من تركيزه في تصوير اللحظات الكبيرة التي يهتم التاريخ بسردها عامة.
تشتبك هذه الرواية مع الحياة المركبة وتفككها خيوطا، ثم تعيد غزل هذه الخيوط لتغزل الحكاية بشكل هو أقرب لما كانت عليه.
فإذا كانت كل لحظات الطفولة، والألعاب، والحلوى المفضلة، ومشاعرك تجاه إخوتك، وتجاه والديك… ثم المراهقة، وتمردك واكتشافاتك وأسرارك، وحبك، وكرهك، وعملك الذي ستتكسب منه، وأخطاؤك ومخاوفك ورغباتك وطموحك، مطاردتك أو هربك من كل هذا، ثم طريقة حكيك لكل ما خبرته في حياتك، كل هذا يتفاعل مع صراعاتك وروابطك المتباينة مع الآخرين من أصدقاء وأعداء ومعارف ومقربين هو ما يشكل أو يبني معرفتك بنفسك، فما يفعله عبدالقهار هنا هو بناء معرفتك ببطل الرواية (موسى بن أبي غسان) عن طريق هذه الوحدات جميعا.
فالرواية تحدثك بلغة بطل الرواية، وتحكي لك عن الأشخاص الذين يعيشون حوله، وعن الشوارع التي يمشون فيها، وعن الطعام الذي يأكلونه، عن الأعمال التي يتعيشون بها، وطرق وأماكن اللهو والترفيه. إنك ترى مدنا ملونة حية، وأشخاصا يمكنك حتى الآن أن ترى أمثالهم، وتسمع أصواتهم في الجد والهزل، وتشم روائحهم وروائح الشوارع التي يعيشون فيها، وتتذوق طعامهم، وتأخذ فكرة عما يهمهم، فتعيد حكي الحكايات، وفي النهاية تخرج متسالما مع فوضى الحياة، فليس في الإمكان أبدع مما كان.
وليس غنى التفاصيل، ولا تميز اللغة هو ما يمتعك في الرواية وحسب، بل تلك اللمسات الخفية مثل تقسيم الكتاب لثلاثة عشر فصلا. اثني عشر منها هي شهور العام كما ينطقها أهل الأندلس (ينير، فبرير..نونمبر، دجنبر إلخ)، ثم يختم بالفصل الثالث عشر بشهر يناير بالأسبانية Enero لعام جديد تحت حكم الإسبان.
وفي كل فصل أو شهر يتناول الحكاية من ثلاثة مناظير: منظور المتكلم، والمخاطب، والغائب.
فمنظور المتكلم (أنا) حيث رسائل موسى بن أبي غسان لابنه يحكي له قصة حياته. ومن منظور الغائب (هو) حيث يروي بلسان العليم عن موسى، أو يصور مشاهد بعين الطائر، أو يؤنسن الجوامد والحيوانات، فتعرف ما يفكر فيه جبل شلير، أو مشاعر (غارب) حصان موسى. ثم منظور المُخاطَب (أنتَ) حيث يخاطب موسى نفسه، ويدير صراعاته الداخلية، ويكشف عورات نفسه، أو دوافعها الحقيقية التي قد تغطيها المبررات المفهومة. وهو يرى نفسه كمملكة أو مدينة ملكها القلب (قلب الدين)، ووزيرها العقل (ابن لبابة)، وقاضيها الضمير (أبو الضمير)، والحواس جواسيس الملك، والأطراف جيوش على كل طرف عريف يُؤمر فيُطاع، والرغبات هي أرباض المدينة المشحونة بالبيوت والعوام في حالة حركة دائمة، لكل رغبة أو شهوة راية مخصوصة ترفعها.
تتداخل الحكايات بين البطل وبين مملكته، فيجمعها (أو يتعامل معها كمجموع) أحيانا، أو يفرقها أحيانا أخرى إن أراد معرفة نفسه وتحليل تصرفاته، وتحديد وجهته.
في رسائله لابنه، يحكي موسى له كل شيء، ذكريات طفولته، مؤدبيه ومعلميه، المهن التي تنقل فيها، وهو يعظه بين الفترة والثانية كأنه يحاول أن يعوض بالفوائد التي يذكرها غيبته عنه، وتعليمه إياها مباشرة.
وحين يذكر لابنه تعلمه وتدرجه في العلوم ذكرني فورا بما كتبه الغزالي في فصل العلم بكتابه (إحياء علوم الدين).
وتعوض الأجزاء المكتوبة بمنظور الغائب (هو) التفاصيل التي لا يحكيها الأب لابنه في الرسائل.
__
(2)
تمتلئ الرواية بالعلامات التي تشوقك للأحداث، والإشارات التي تمتلئ بها الحياة.
في بداية الرواية نعلم نشأة موسى في قصر بني الأحمر لأبيه سعد مع إخوته أبا الحسن، وعبدالله (الزغل)، وأبا الحجاج. ونفهم بالتدريج من أين جاءت نسبته لابن غسان. ثم تعلم حكاية سميه (موسى بن أبي غسان) شيخ الغسانين الشجاع الذي غُدر به بعد أن دافع بشجاعة عن المدينة، وانهزم عن طريق الخيانة والحيلة، ومات غالبه نادما آخر حياته.
–
في الفصل الرابع الذي يبدأه بتحذير ابنه من أن يحجب موت الأحبة عقله عن اختيار ما يراه هو صالحا لنفسه، نلاحظ بداية مصارحته لابنه بحقيقة دوافعه وأفعاله: «غير أن أباك لم تلبث أن أبعدته سورة الشباب عن مصاحبة التجار وقبيح أفعالهم، فكرهت النزول مع خالي في دكانه. استبدلت اللهو والتبطل بذلك كله. فتوسطت بين إنكار المنكر أو اعتزال الناس بالسير على غير هدى وراء اللهو والملذات، وأصحاب الكاس والطاس فكأني استبدلت آثاما هوتها نفسي بأُخر أبغضتها، وكأن الشرع لم يكن حَكَما في عزوفي عن حيل التجار، إنما الهوى».
ورغم تخصيص ثلث الرواية تقريبا في النظر داخل نفس موسى العارية، إلا أن الرواية لا تكتفي بهذا، فتسمع الذم كما تسمع المدح في شخص موسى. وهو يراه تماما كإنسان حقيقي تتقاذفه الأهواء، ويحاول الفهم، ويحاول الاستقامة على ما يعتقد. يصيب فيشكر أو يتكبر ويصيبه الغرور، ويخطئ كثيرا فيندم أو يتنادم. وجزء كبير من إنسانيته متعلق بطريقة تفاعله مع أخطائه الشخصية، ومع الظروف التي لا يد له فيها، ومع إحباطاته ورغباته.
وكما وصفته ياسمين العجوز فهو «لم يعشق صور المتاع، بل عشق صور الحياة. حيوات كثيرة يتنقل بينها. كلما أعجبته حياة عاشها، وهو في ذلك يبدل الأثواب على بدنه. لا يقر عليها شيئا، ولا يسترها شيء، وبين تبديل ثوب وثوب يكون عريانا يحتاج لمن يستره من قلة المال، وكلام العذّال، وستر خفته ورعونته».
—
أعجبني أيضا كلام الراوي عن الصنائع التي تنقل بينها موسى بن أبي غسان، فمن الفلك للخط والتوثيق والفلاحة ثم الطب. وفي حديثه عن كل صنعة تقريبًا لا يكتفي بذكر مبادئها أو أبرز معالمها أو فنونها في ذلك العصر، وإنما يورد بعض قصص أصحابها كقصة سليمان الناسخ أو إسحق بن عمران الطبيب، ثم يذكر تجربته شخصيا مع تلك الصنعة.
فمثلا في الفصل الخامس (مايه) يحكي صداقته لليهودي أبو اسماعيل، وتعلمه الطب منه، ثم كيف خرج منها، ومن القصة تتعرف على طريقة مزاولة صنعة/مهنة الطب في ذلك العصر، والقوانين التي تحكمها. وفي نفس الوقت تعرف الأحداث الشخصية التي مرت بموسى من مولد ابنه عبدالملك، وخلافاته مع زوجته، ثم انفصالهما.
بعد ذلك يأتي اكتئاب البطل، وذم الزمان وتقلبه (وهو يورد الكلام في هذا من حِكَم الآخرين بشكل مناسب)، ثم تتكالب الإشارات ليقرر الذهاب للجهاد والرِباط فيرحل إلى ألمرية.
وفي طريق موسى للسفر يصف الكاتب عدة السفر، والمدن التي ينزل بها كمدينة القصر، والحَمَّة التي يذكر حصارها ودفاع أهلها عنها مع بعض من أهالي المدن المجاورة التي أنجدتها قبل وصول جيش السلطان الذي يقوده قائد متلكئ له حساباته الخاصة، مبينا أخلاق الناس ومعادنهم في الحصار، وأثناء اتحادهم، وبعد نقص المال. وتلاحظ كيف تحمي السلطة نفسها، بقتل من يهدد سلطتها أيا كانت إنجازاته، وردود فعل الجماهير التي تنسى بسهولة.
وتتخلل قصة البطل موسى قصص صغيرة كقصة أمير لوشة (أبوالعباس الشلوبيني)، أو شيخ موسى الذي التقاه فيما بعد (السلجماسي) وقصة اعتزاله الناس، أو القائد (شرف الدين الظاهري المملوكي) الذي تعلم منه موسى فنون الحرب.
تقربك هذه القصص الصغيرة لروح العصر، وطريقة تفكير الناس في ذلك الوقت، كما تقربك من الرواية بشكل عام. فتصرفات الناس تتشابه على مر العصور.
في الفصل السابع (يوليه) يسافر موسى مع جماعة إلى رابطة عين الصقر بالقرب من مدينة لوشة، ويذكر لابنه خواطره عن الفرق في السفر منفردا أو في جماعة. وعندما يصل تعرف كيف يكون يومه في الرباط، وتقلبات مزاجه. وبالتوازي يحكي عن (رودريجو جيرون) المعلم الأكبر لفرسان قلعة رباح أو أخوية الفرسان المسيحيين العابرة للمالك، وتفاصيل صعود فريدناندو وإيزابيلا على العرش.
ثم يختم الفصل بلقاء موسى بأخيه السلطان عبدالله الزغل بعد الانتصار في معركة لوشة (وقعة شلوبانيه).
__
في الفصل الثامن (أُغشت) يفترق الظاهري عن أهل الرباط (الجيش الذي دافع عن لوشة) بعد أن استقطبه الزغل فيذهب معه إلى مالقة، ويستفيد موسى مما تعلمه من قبل في صنعة الطب، فيطبب جرحى المعركة، ثم يوليه العطار(أمير لوشة) على العمال لإحصاء وتوزيع الغنائم، وتفيده كل المهارات التي تعلمها من المهن المختلفة التي تنقل بينها في أن يكون عاملا جيدا.
بينما الحال في غرناطة مختلف. فبينما يركن السلطان أبو الحسن للذات، وتتحكم جاريته الرومية في السلطات فتعزل وتولي من تشاء وتتسبب في حبس زوجة أبو الحسن وابنيهما. يتولى الظالمون حكم المدن، وتثقل المكوس الناس. ويضيق حلفاء أبو الحسن بنو سراج -الذين ساعدوه بداية على الانقلاب على أبيه- في إخراج زوجة السلطان عائشة وابنيها من الأسر، واستمالة أهالي حي البيازين لصفهم.
__
يتغير حال موسى بعد وقعة الشرقية في الفصل التاسع، وينقلب حال قواد لوشة عليه، ثم تحدث مغاضبات بينه وبين قائده المحبوب (العطار) فيقرر الرحيل إلى فاس حيث زوجته وابنه. وفي طريق السفر يحكي عن بعض من لقيهم في السفينة، ويؤكد لابنه أن العلم بالشيء غير الخبرة به، فكما أن الحياة ليست كالكتب، فميدان التدرب على الحرب ليس الحرب، فهناك أمور «لا تُدرك من الكتب، وإنما بالدُربة ومن أفواه الرجال».
في الفصل التاسع ترى (أبو عبدالله الصغير) ابن أبو الحسن كأسير لدى الكونت ردرييجو، وترى وتسمع من فاطمة زوجة موسى بطل الرواية عن حياتها ومشاعرها بعد الانفصال. فتتعرف على أبعاد أخرى سواء لشخصية البطل، أو لآخر الملوك المهزومين في الأندلس. فالبطل ليس قديسا، والمهزوم الذي هادن وسلم وتحايل ليحفظ نفسه في النهاية ليس شريرا محضا.
ابتعد الكاتب تماما عن السطحية في وصف الشخصيات. لا يوجد لديه أشرار وصالحون طيلة الخط، بينما هم بشر يمرون بلحظات ضعف وقوة، ويتخذون قراراتهم نتيجة تفاعلهم مع أسباب كثيرة.
وحتى في تناوله لموسى بن أبي غسان، لن تكف التقلبلات في شخصيته من الظهور لك طيلة الرواية. وبالتأكيد ستتفاعل معه وإن اتفقت أو اختلفت مع قراره.
__
في الفصلين الحادي عشر والثاني عشر (نونمبر- دجمبر) ينعزل موسى عن الناس بينما يبايع أهل غرناطة السلطان الذي يرون فيه أملا.
تسقط مالقة رغم ثباتها في الحصار تحت قائدها (حامد الثغري) أحد القلائل الذين لم يتفاوضوا لمصلحتهم الخاصة مع النصارى، ثم الجوع مع طول الحصار، وطلبهم الأمان.
ثم تسقط بسطة بعد حصارها وخوف الأعيان على أنفسهم وأموالهم، فيتفاوضون سرا مع ملك الفرنجة الذي يجيبهم إلى طلبهم فيخرجون آمنين، فتسلم القرى والحصون بعدها دون حصار أو قتال، ويقنع (يحيى النيار) أمير بسطة السلطان الزغل بالتسليم والأمان، فيقتنع السلطان بالتسليم ويقنع قواده بأن ذلك قضاء الله وقدره.
يفاوض السلطان ملك الروم على أن تبقى له غرناطة بقراها له تحت الصلح. وينقض ملك الروم الصلح، فيتفاوض معه السلطان على أن تبقى له الحمراء، ويأخذ هو الباقي. ويجتمع السلطان بالقواد والوزراء ويبايعه موسى بالقتال. فيستعمل السلطان الحيلة فيأتي ملك النصارى كأنه في نزهة لتسلم الحمراء، ولما يعلم بالحيلة يغضب ويهجم بمساعدة المرتدين، لكن فرسان أبي غسان ينتصرون عليه وتتوالى الانتصارات حتى يستردون بعض القرى والمدن التي استولى عليها الروم.
ثم بعد عدد كبير من الوقائع والانتصارات، يأمر السلطان أهل القرى المخوفة مساكنهم. ويستميلهم في المقابل ملك الروم للبقاء والأمان. فيختارون الأمان، وتبدأ انهزامات المسلمين وانتصارات الأسبان تحت قيادة فرناندو وإيزابيلا اللذين يذكر قصة صعودهما للحكم، وكيفية انتصارهما.
_
(3)
يظهر الصراع على الحكم منذ بداية الرواية فالابن ينقلب أو يثب على حكم أبيه، ثم الأخ على أخيه، ثم الابن على أبيه في دوائر يقودها حب السلطة، أو جور السلطان. وللحفاظ على السلطة يستعين المنتصر بكل ما يستطيع، فهو يتحالف مع النصارى ويدفع الجزية، ويتحالف مع من سيقاتل لصفه، ويقتل أو ينفي كل من يهدده مهما كان قريبا منه.
أما الناس أو الشعب أو المحكومين فـواقعهم (الغَلَبة لمن غَلب). بداية من حرس القصور أو الحصون الذين «استسلموا للمهاجمين والغادرين استسلام من اعتاد على الخضوع للواثب وحراسته بانتظار واثب جديد، فاكتست الأرض بعشرات السيوف الباردة».
أو مماليك بنو الأحمر الذين «لكثرة الوثوب يتعلمون الضرب والطعن والهرب من السجن والقفز على الحيطان والالتحاف بثياب النسوان».
أو بقية الناس من أصحاب الصنائع المختلفة، العساكر وقت الحروب «إذا فرحوا لم يتركوا صنفا للهو إلا أتوه، وإذا حل بهم القحط أو الجراد أو غير ذلك فزعوا للمنجمين والكهان، وجاؤا بحيض عذراء ودفنوه في التراب، أو جعلوا تلك العذراء الحائض تطوف والديك حول الزرع ليسلم من الآفات، فإذا عصف بهم ريح قالوا طُلسما وكُسر، أما إذا علموا أن أحدًا اشتغل بالفلسفة أو التنجيم رجموه قبل أن يصل أمره للسلطان لأنه حرام وكفر!».
وأهل القرى الذين تنقلوا بين حاكم وآخر «أخلدوا إلى الأرض والزرع والضرع وعبدوهم، ولم يرضوا عنهم بديلا، إن كانوا تحت سلطان الإسلام بايعوا، وإن كانوا تحت سلطان الكفر أطاعوا».
بينما أصحاب الورع البارد –كما سماهم الكاتب- أو الشيوخ الذين «يزعمون القيام بأمر الإسلام، وهم مطية لمن غلب».«دوما يقولون فتنة حتى تنقض، ثم يلثمون خاتم المنتصر».
وحالهم قريب من حال القواد الذين يطيعون السلطان طالما الحظ حليفه. حالهم كحال التجار والأمراء الذين يسعون لحماية مصالحهم في كل حال. انظر لحالهم عند حصار مدنهم، بعضهم تنصر سرا، وبعضهم أبدى الطاعة للنصارى بعد مفاوضات سرية غالبا، يمنونهم فيها بالتسليم، ويماطلون قليلا لإقناع قومهم متحججين للنصارى بأنهم رعاع والأمر يستلزم بعض الوقت، فيقاتلهم الناس قليلا ثم ينهزمون ويفر هؤلاء الخائفين على سمعتهم بأموالهم.
ووسط هذه الفوضى، يمكن للسحر والطلاسم حتى أن تحمل بعض المنطق. يذكر الكاتب قصة طُلسم غرناطة الذي فتحه آخر ملوك القوط ليجد النبوءة أنه بفتحه لهذا الطلسم سيتولى العرب الحكم بعدد معادن الطلسم. وظهور هذه الأسطورة كتعزية أو كحجة أو كبشارة بأنه لا بد وستسقط هذه الدولة.
وموسى بطل الرواية وسط كل هذا يتقلب، ويأخذ قرارات صعبة، أو يفر من صوت ضميره. يتقلب في حيرته فلا يعرف حقا ما هي الفتنة، فيتخذ قراراته التي قد يندم عليها بعد ذلك، لكن لا يسعه سوى المضي قُدما.
بينما ما يراه الناس عليه شأن آخر «يبغضه التجار، ويحسده القواد، ويتشبه به الصبيان، وتتغنى بسيرته النسوان، وتسمي الذكور على اسمه». كانوا يفدونه بكل ما يملكون من قبل. ومع الهزائم والجوع لم يعد يرونه إلا صبيا يلهو، ورجلا عزبا مقطوعا لا يخشى على مال أو ولد.
—
في الشهر الأخير من العام (دجنبر) ومع تأكد الهزيمة وبداية انتقال حكم غرناطة لحكم الأسبان يغير الكاتب الأجواء جميعا. يفكك روايته نفسها، وأنسنته للأشياء والكائنات: «بدا الكون على حقيقته، عاريا بجوهره، صخور في الأرض جامدة، وأجرام في السماء دائرة، والأنعام على الأرض بكماء تولد وتسافد وتموت، والشجر ينمو ويخضر ويذبل (…) فلا تحيا تلك الكائنات تنتفس، وتفرح وتغضب، وتحب وتصاحب وتهاجر إلا بكلام ابن آدم، علمه الله أسماءها ثم استعار لها من نفسه المعاني والصور، فأحياها حياة غير الحياة، وجعلها على صورته فبدلها، ونزع عليها أفراحه وأتراحه، وهواجسه ورجاءه. فإذا مات أو انقطع عنها خرجت منها روحه، جمدت كأن لم تغن بالأمس (…)، وما تلك الحياة التي بثها ابن آدم إلا روح منه، فإذا مات ماتت معه الفِكَر. عاش دنياه يرى الكون بعين خياله، ويستغني عن الحق بالظن».
ويريك الكاتب مشهد خروج موسى بن أبي غسان الأخير من غرناطة بعين جندي أفنى عمره في الحراسة أمام مدخل أحد أبراج غرناطة، وتاجر هو شيخ صنعة الفخارين المتحسر على ضياع ماله واضطراره لبيع كل ما يملك، وبنت من بنات غرناطة اللواتي يرين فيه فارس أحلامهن، وعريف آخر باب من أبواب غرناطة يمر عليه موسى، ثم أخيرا بعين حصانه الأعمى (غارب) الذي رافقه طيلة الرواية تقريبا.
–
«ها قد انتهى كل شيء، فما بقي لأهل غرناطة سوى الدجن أو الرحيل، لكن العوام الآن في هذه القسمة هم الفائزون، ما يضير الداجن أن يسكن فرذلند وامرأته الحمراء، ولم يصعد إليها الرجل طوال عمره، أو أن يحرسه فرسان قشتالة يضيقون عليه معاشه، وكان من قبل جند غنارة ومماليك السلطان وعرفاء الجيش وصاحب الشرطة ينهبونه ويسلبونه ويضربونه؟ يضيره أن تكون تلك ديار كفر أو ديار إسلام؟ وما البأس ومساجده وأنكحته وأقضيته على شرع الله، ما يضيره أن يتنصر الملك والسلطان، وكان من قبل حنيفيا لا يجد من ريحه شيئا إلا الفتن والظلم. والراحلون لا يأسفون على شيء؛ شقاء هنا وشقاء هناك، صناع وزراع وأجراء في أسواق غرناطة أو أسواق فاس. أما القواد والرؤساء فهم الأخسرون، خسروا قصورهم وضياعهم وسلطانهم فلن يعزيهم عن ذلك شيء، اللهم ما أخذوه من أموال الناس يسري عنهم بين الفينة والأخرى يذهب عنهم مرارة الكسر».
ومع تباين مشاعر كل هؤلاء ما بين ساخط على الجميع ظالمين ومظلومين، أومتعاطف مع موسى، أوساخط عليه ورؤيته كسبب لكل المصائب التي حلت به، يخرج موسى حائرا أيصمد وحده أم يرجع لأهله آمنا معذورا من الهزيمة المحققة. يأخذ أمواله من السلطان عازما على التصدق بها، فيرمي بها على الأرض فوق بصاق الساخطين عليه.
«وعلى بصاق رجالها نثرت آخر متاعك من الدنيا. نويت أن تفرقه صدقة فألقيت به غضبة، والآن بعيدا عن كل أحد تحمل أيها الغازي وحدك».
«لطالما طردت وسواس الإخلاص بسؤال العمل، لكنك الآن مُسجَّى فلا علم ينفع، ولا عمل بعد العمل».
والإخلاص؟ لا يعلمه شيطان فيفسده، ولا مَلكٌ فيكتبه، ولا صاحبه فيدعيه.
ثم النهاية العبقرية للرواية بشهر يناير Enero لعام جديد تحت حكم جديد، وقصيدة قشتالية قديمة:
«هنا ثبت الأبطال برهةً، فداءً للعرض
أو فداءً للنبي، أو فداء للمجد
هنا رَبَت البسالة، واشتد النِزَال
أمام قصورنا السامية، أمام مجد قد زال».
وهكذا تستمر مسيرة التاريخ بلا توقف غير آبهة ببكاء الباكين، ولا بضحك المنتصرين، وتستمر الحياة في تقلبها إلى أن يأذن الله.
The post رواية غارب appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست