الأحد، 3 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : استرداد الإنسان (2)

كنا قد رأينا في الجزء الأول من المقال، كيف أن الاستغراق في المادية جعل الإنسان مستلبًا في ذاته، ثم وضعنا المشكلة في إطارها الحضاري، مبينين أن هذا من المشكلات التي انتهت إليها الحضارة الغربية، ومن ثم قمنا بمحاولة رد الشعور الهوياتي إلى شعور الإنسان الوجودي.

ولأن وجود الإنسان ليس محض تواجد تاريخي – كما سبق ورأينا -، بل تواجده ثنائي (ميتافيزيقي، مادي)، فإن النفس الإنسانية تدرك من كلا المستويين، ولهذا كان الإنسان متدين بالفطرة، وانظر تجده باحثًا في كل الأعصار عن الدين، من حيث بحثه الدءوب عن الخوارق، أي بحثه الدائم عن المتجاوز للتاريخ (الميتافيزيقي).

وحتى في هذا العصر، عصر ما بعد الحداثة، الذي انتشرت فيه ظاهرة الإلحاد، فإن كل الشعارات المطلقة، من: إنسانية، القومية، الاشتراكية، العلمانية… إلخ، تشعر فيها نوعًا من التقديس كتقديس الإنسان المؤمن بالإله للإله. حتى إن بعضهم يطلق على الإلحاد: الدين الجديد! فنحن لو أردنا أن نحدد علة الإلحاد، لوجدناه محاولة لإحلال الغيب في الطبيعة – لولا أن المقام هنا لا يسعنا ذلك -، أو بلغة د.طه عبد الرحمن: تشهيد الطبيعة!

فإذًا، الدين هو العامل الملازم للإنسان لا ينفك عنه، فالنفس الإنسانية بطبيعتها متدينة، أي بمعنى أنها تجمع في إدراكها بين الميتافيزيقية والمادة، أي بين الغيب والتاريخ، ومن ثم فإن إدراكها للأمور مرتبط بمدى تمازج المدركات الغيبية والعينية في ذلك، مع الوضع بعين الاعتبار أنه من حيث طبيعة الغيب المتعالي عن العقلنة، أو بكلمة أصح: «الإمساك العقلي»، فإن شكل التمازج يكون بحاكمية الغيب على العينيات – كما سبق وقررنا -.

فليس شرطًا أن يكون تَكون ماوراء الشعور نتيجة لخبرات مرت عبر الشعور وأهملها بعد ذلك، فقد يكون الغيب أيضًا متدخلًا بشكل جوهري في تكوينه، بما في ذلك الفطرة، فالتدين هو في أصله: العودة إلى الفطرة. ونحن نتحدث عن الفطرة من دون استفاضة في علاقته بالغيب، وقولنا عن كونه كذلك هو افتراض مقارب، وإلا فإن الغيب من علم الله، والفطرة من حيث كونها تجليًا من تجليات الغيب في الإنسان، هي مبتدأ في سعي العقل (ما لم يهملها).

فالعقل إذًا يبدأ من تجليات الغيب، بما فيها الخلق (على حسب النظرية الخلقوية الإسلامية)، وفي إدراك ذلك تختلف العقول، وما اختلف إلا لفشلها في الإصابة، أي بمعنى آخر: لعدم صدقها في سعيها، فإذا كان الغيب هو الحاكم على العينيات، فهذا يعني بالضرورة أن عدم صدق السعي لإدراك الغيب، يؤدي حتمًا إلى عدم صدق إدراك العينيات.

فإذا قيل بأن هذا التلازم للغيبي والعيني هو نفسه الحلولية الإلحادية، قلنا بأننا نتكلم عن غيب حاكم على العيني (حتمًا)، وليس الحاكم كالمحكوم، حتى في طبيعة كل منهما، وهذا أصل التمايز الوجودي (إن صح التعبير).

أيًّا كان، فقد ثبت بأن استواء النفس يؤدي حتمًا إلى استواء العقل، لأن العقل في حقيقته هو آلة نفسية للتعامل مع العينيات أو الأقرب إلى ذلك (الحوامل للعينيات)، وإذا صح العقل صح تعامله مع الأحداث الواقعية للتاريخ. هذا بغض النظر عن الرعاية الإلهية للإنسان والكون في التاريخ.

وعليه فإن تعامله مع مختلف قضايا حياته اليومية يتطلب صلاحًا في النفس، ومن أهم هذه القضايا: قضية تحرره من أغلال العولمة، والتي استلبته من تاريخه، وبالتالي سلبته من هويته.

فإن بعض أهل النظر قد قرروا بأن الذي يحدد هوية الأمة هو تاريخها، وبالتالي: إن الذي يؤدي إلى فهم أصول الهوية يتطلب نقد تاريخها، حتى تلك التي تعاني من التهجين اليوم!

على أن ذلك يتطلب تحديد النموذج الإدراكي للأمة الواحدة، في كل حقبة من حقبها التاريخية، ذلك لأن كل أمة من الأمم، في أي حقبة تاريخية كانت، هنالك ظروف حضارية وثقافية تحدد نموذجها الإدراكي، ونموذجها الكامن في أحداثها التاريخية. فمن الأخطاء التي يقع فيها كثير من النظار إلى التاريخ: محاكمة المادة التاريخية لأمة من الأمم، بنفس نموذجهم الإدراكي الحالي، متناسيًا أن حركة التاريخ لا تكون بمعزل عن التطور أو التغير الفكري والثقافي، واللذان يرتبطان ارتباطًا تفاعليًا مع الظروف الحضارية لها.

فلكل أمة في أي حقبة تاريخية عوائدها وطبائعها وعقلها الخاصة، المرتبطة بظروفها الحضارية في تلك الحقبة، فمعرفتها تعني بالضرورة القدرة على تفسير أحداثها التاريخية، ومن ثمة تعقب مسارها التاريخي، من النواحي الفكرية والثقافية والحضارية، ما يؤدي إلى القدرة على تفسير واقعها الآني.

أي بمعنى: أن معرفة تاريخها من النواحي الفكرية والثقافية والحضارية، تؤدي بالضرورة إلى إدراك هوياتها السالفة والآنية، ومن ثمة أمكن ببعض النظر العقلي فيها كلها معرفة نموذجها الكامن، أو نماذجها الكامنة (الأمر مرتبط بمنعطفات التاريخ الكبرى). ونعني بنموذجها الكامن: العنصر الموحد لمجموع من هوياتها، أو بمعنى أدق: بناءها القيمي الذي من النادر أن يتغير.

فإذا كان هذا العنصر الموحد بين مجموع للهويات، ثابتًا لا يتغير إلا في المنعطفات التاريخية الكبرى، أي لا يتغير بمعطيات الزمان والمكان، كان من الطبيعي أن يكون ذا طبيعة ميتافيزيقية، أو بمعنى أصح: كان هو الإيمان الميتافيزيقي، وبكلمة أخرى: «الدين»، الذي يمكن أن يتغير من الناحية النظرية الظاهرية، ولكن أصولها ستكون دائمًا موحدة.

ولا يخفى على أحد أننا هنا لا نعني بالدين مجرد عبادة الإله فحسب، وإنما نعني به الديانة لموجود ما، وهذا المعنى متضمن لعبادة الإله، فعلى سبيل المثال: من الملاحظ أن الحضارة الغربية في الحقيقة تدين للعلم بصيغته العلمانية أو الدهرانية، والذي هو محض رؤية عقلية متجردة من الميتافيزيقية، أو بمعنى أصح: هو رؤية لحلول الميتافيزيقية في الإنسان من ثم في الطبيعة، من حيث إن الإنسان هو محل العلم العلماني ومن ثم الطبيعة.

وانطلاقا من هذه الرؤية الميتافيزيقية، تفيض مجموعة من القيم العليا أو المبادئ، والتي هي منطلق العمل العقلي أو السلوكي، أي أصل كل نموذجها الإدراكي ونموذجها الكامن في منتجاتها.

ولا يفوتنا أن نقرر بأن المنعطفات التاريخية الكبرى، والتي تغير البناء القيمي من الجذور لأي أمة كانت، غير منفكة عن الغيب، بل قد يمكننا أن ندعي أن الغيب هو الذي يحدث تلك المنعطفات التاريخية الكبرى، بأي شكل كان متجليًا يُحدث به.

وعليه يتبين لنا أن استرداد الإنسان من هيمنة عولمة العلمنة، يتطلب أول ما يتطلبه استرداد منظومة القيم العليا للإنسان من الانسيابية الشمولية المهيمنة اليوم، وهذا يتطلب كما تبين في سالف السطور عملًا أخلاقيًا قبل العمل العقلي يجعله يشعر بموقعه في التاريخ، أي موقعه في الزمان والمكان، فهذا أصل الإحياء الثقافي.

فإذا كان الحال كما سبق وقلنا، فإنه من الطبيعي أن تميل الإنسانية جمعاء إلى رد الوجود إلى الواحدية، بل وتكاد تجمع على ذلك، حتى وإن تعددت صور التوحيد. ذلك الموحد الذي ارتبطت به كل صفات الخارق الذي يرعى حياتهم الجمعية والفردية، الذي يولونه الولاء المطلق، ولذلك كان من الطبيعي أن يحمل صفات التجرد، من حيث كونه يحمل صفات الخوارق. ومن ثم، فإن كونه مفارقًا لهم بالتجرد، وفي نفس الوقت مرافقًا لهم بالرعاية، استحق أن يكون أصلًا لقيمهم العليا؛ وهو الإله.

وفي هذا المسعى التجريدي، يتمايز الناس أشكالًا ومراتبَ، فكلما كان الإله أكثر تجردًا، قل تبضعه وتقللت أشكاله، والعكس بالعكس صحيح، أي بمعنى: كلما كان متعاليًا في التجرد كان متعاليًا عن التاريخ.

فإن قيل بأن الحلولية العلمانية المتطرفة غير متجردة بالمطلق، قلنا بأن هذا باطل، فهي تتحدث عن سلطان القانون، والقانون موجود وهمي غير موجود مادي، وهذا بعض التجرد.

إن إدراك العقل مرتبة أعلى من التجرد لا يتم بالعقل المحض، ذلك لأن الأخير مرتبط بالزمان والمكان ارتباطًا كينونيًا، فكل ما يمكنه أن يفعله في هذا الشأن هو أنه يلتقط إشارات في هذا الموضوع، أما إدراكها فيحتاج إلى إدراك نفسي أعلى من مستوى الآلة النفسية المسماة بـ«العقل»، فليس العقل هو القادر على إدراك حديث الروح أو المدركات الغيبية، بل هو الوجدان القادر على ذلك، وليس إلا الصدق (من حيث كونه جوهر الخلق) هو القادر على إدراك الوجدان لها، أو بمعنى أصح: الصدق هو ما يجعل مشاعر الوجدان، وخاصة الروحية منها والتي هي أعمق المشاعر (قد يجوز أن نسميها بالفطرة، إذا رفعنا الفطرة في مرتبة زمانية عليا) في موضع الوعي بها. وبالتالي هو ما يجعل للغيب سلطانًا على العقل والنفس البشرية، أو بكلمة أخرى: هو ما يجعل الإنسان عابدًا لله، من حيث أن ما وراء وعي الإنسان أو الغيب عنه، بمنطق المقارنة هو في الحقيقة خلو من اختيار الإنسان بين الإصابة والخطأ (وفي هذا كلام طويل لا يسعنا في هذا المقام الحديث عنه).

وعليه، كان الصدق وسيلة أو أصلًا لتشكل منظومة قيمية قويمة، أو أخلاقية (أو ائتمانية بلغة د. طه عبد الرحمن)، فكلما زاد الإنسان فيه، وصل أكثر إلى المتعالي المتجرد بالمطلق (بلغة أهل الصوفية)، سبحانه وتعالى جل في علاه. واقتضاء على ذلك، تستوي مجموع قيمه (وافقت الفطرة ببساطة)، فتعتدل على أساس ذلك نموذجه الإدراكي خصوصًا، وثقافته عمومًا (في إطار الخصوصية الثقافية والعمومية الوجودية).

وكأن المسلم (وهو المدرك لأعلى مراتب التجرد الإلهي وأكثرها استواء إن صح سعيه) بعبادته لله، يجانس الوجود أو الكون في التاريخ، ففي نهاية الحفر الوجودي للإنسان، يتبين أن الحرية الوحيدة للإنسان هي في عبادة الله.

فإذا استوت النفس، أحدث ذلك نقلة نوعية في منتجاته الفكرية والثقافية والسلوكية (ونحن هنا نميز بينها لغرض التوضيح، وإلا فإنها في الأصل واحدة، وتقع كلها ضمن الثقافة)، وأحدث ذلك نوعًا من القانون الاجتماعي، المسمى في الشريعة الإسلامية بـ«الشرع»، وكان فيها ما يحمي ذلك، وكل ذلك يضع ضمن واقع حضاري جديد، يحمي المكتسبات النفسية الجديدة من الزوال، ويجعلها حادثة محدثة في التاريخ، في إطار الرسالة الاستخلافية.

فلو أننا نظرنا إلى العوائد والظواهر الحديثة، لوجدناها علمانية هيومانية محضة، أي أنها تتوقف في نهاية غائيتها في حدود الإنسان، أو الأنانية الإنسانية، لذلك نجد كل القيم الحضارية الغربية متطبعة بطابع الصراع من أجل البقاء، ولذلك تبين لنا في التحليل في صدر المقال، كيف أنها قوضت الإنسان.

ومن هنا وهناك، يتبين لنا بأن استرداد الإنسان، لا يكون إلا بتدينه بدين الحق، الموحد للخالق أصل كل حق (بما فيها الخلق)، لأنه يطلب المتعالي بذاته بالمطلق – سبحانه وتعالى – بأعلى ما يكون، وهو عندنا دين الإسلام.

«إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ» (آل عمران: 19).

«وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (آل عمران: 58).

والله أعلى وأعلم.

 

The post استرداد الإنسان (2) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست