تعددت صيغ الاستئناف الإسلامي في عالمنا المعاصر؛ والصيغة التي اختطها «فتح الله كولن» لأصحابه، تختلف اختلافًا جذريًا عن حركات الإسلام السياسي.
معالم الافتراق:
1 – يرى كولن ضرورة التعايش مع الغرب، والتطبيع مع إسرائيل، بينما ترى الحركات الإسلامية أن ذلك خيانة، وخرمًا لنقاء الولاء.
وقد جسد كولن هذه الرؤية عمليًا من خلال انتقاده لأردوغان في أسطول الحرية، كما قام بإرسال بعض أفراد الحركة للدراسة في إسرائيل.
ومن هنا ينطلق العقل العربي «التآمري»؛ لتفسير «الظاهرة الكولنية» على أنها صنيعة غربية، متجاهلًا الاختيارات السياسية في فكر الحركة، ناهيك عن إغفال كبير للأدوار الدعوية الضخمة لتلك الحركة على مدى نصف قرن في تركيا، وخارج تركيا.
2- يرى كولن أن الجزء الأكبر في تطبيق الشريعة عائد إلى ضمير الإنسان، وأن دور الدولة الحديثة منحصر في ترتيب الشأن العام، ثم إن الوضع التركي لا يسمح بالمناداة بتطبيق الشريعة؛ بسبب التركة العلمانية الثقيلة، وهذه نقطة خلاف جوهرية مع «نجم الدين أربكان»، زعيم حزب الرفاه، وعندما بدأ أردوغان يفصح عن خلفيته الإسلامية، قال فتح الله كولن: لقد عاد أردوغان لثوب أربكان.
3- ينطلق كولن من الهم التركي؛ فهو ينظر للقومية التركية كحامل فذ للإسلام على مدى قرون، ويؤمن أن نهضة هذه القومية مكسب كبير للإسلام، ويركز جهوده عليها بشكل كبير، وهذه الخصيصة مشتركة بين الحركات التركية، فنَفَسها القومي أعمق من الأممية الموجودة لدى الحركات العربية.
4- يرى كولن أن عمق تركيا هو في شرقها وغربها، ويحذر من غرق السياسة التركية في الجنوب التركي العرب والفرس، فهو يرى أن دول وسط آسيا هي المجال الحيوي للتمدد التركي، وأن أوروبا هي فضاء للتعايش، ومن هنا افترقت سياسته مع حماسة أردوغان باتجاه «الربيع العربي» الذي تطلق عليه صحافة «كولن» مؤخرًا «الخريف العربي».
بل إن «عبد الله جول»، رئيس تركيا السابق، يشاطر كولن هذه النظرة، ويرى أن تركيا غير مؤهله للخوض في الملف العربي بتناقضاته، وقد كشفت الأيام، واللدغات العربية، صحة نظر الرجلين؛ ما جعل أردوغان يعود خطوات للوراء.
5- يستند فتح الله كولن إلى تراث صوفي، ويعتبر ميراث «جلال الدين الرومي»، وكتابات «سعيد النورسي» الملهم الأكبر للفكر الكولني، مع انفتاح كبير على الحضارة المعاصرة وعلومها الحديثة، ما جعل كوادر الحركة تتبوأ مناصب قيادية في الدولة التركية بحكم تأهيلها الرفيع.
6- الصدام السياسي بين الرجلين: كولن وأردوغان، كان مفاجئا للمتابعين، فقد جسدت الحركتين تحالفًا استراتيجيًا فذا، إلا أن ذلك التحالف ارتد إلى عداء وصلت فيه الأزمة حد محاولة الجماعة اغتيال أردوغان.
وجذر الخلاف عائد إلى رفض أردوغان تغلغل الحركة داخل جسم الدولة.
– واضح أن مشاركة الجماعة في الإنقلاب خطيئة استراتيجية فادحة، وانتحار جماعي للجماعة.
– ومؤكد أن أردوغان عازم على تكسير عظام الحركة؛ إلا أن المتتبع لتأريخ الحركات الفكرية، يجدها تمتص الصدمات وتعاود الظهور، ولو بعد حين.
وعليه فما أحوج الإسلاميين الأتراك لمصالحة تأريخيه، تعود فيه الجماعة إلى خطها الاجتماعي، ويستكمل حزب العدالة مسيرته النهضوية، لكنها لن تكون قبل أن تتطهر أجهزة الدولة الحساسة من المنافس؛ فجهاز الدولة كالمرأة؛ لا تقبل القسمة على اثنين.
The post «فتح الله كولن» محاولة للفهم appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست