غابت عنا شمس النهار ولما طالت الغيبة علمنا أن الشمس قد رحلت، ورغم أن النور دومًا يتبعه الظلام، فظلامنا أصبح أكثر طولًا من أن يتبعه نور قريب.
فبين حاكم فاشي وأشباه بشر، ضاع كل حلم حلمنا به، وكل مبدأ عملنا لأجله، الدماء أهدرت والصور بعثرت، لم يبقَ منا إلا قليل من الرمق، ندون به مقالًا أو نسطر به قصيدة، أو لحنًا أو رسمة، على أمل أن تتشابك جميعًا في وقت ما مكونة مجتمعًا آخر، ربما يكون له فرصة النجاة.
ورغم ما يحدث وما منينا به، يظل البعض منا يحلُم بثورة، يتمنى أن يستنشق هواء التحرير والحرية من جديد، أذكر صباح اليوم التالي لتنحي مبارك عن السلطة، تنفست هواء الصباح كان له مذاق آخر لم أعرفه من قبل، وشعرت بأنه كان بيني وبين السماء غيوم كثيفة وقد رحلت، شعرت أن لا سقف لنا، وأنها مسألة وقت حتى نملك العالم.
ولكن الآمال وحدها لا تكفي لصنع الثورات فهناك عوامل أخرى تدفع، لتنفر الجموع من مخابئها بحثًا عن حياة أفضل، لو لم تتوفر تلك العوامل، وظلت عناصرها متففكة فلن تصل أبدًا إلى مبتغاها، في المقال نناقش إشكالية قيام ثورة، والعقبات والحلول المتاحة، لربما تسهم في تاريخ وطن.
إشكالية قيام ثورة
لكل نظام حكم ديكتاتوري أدوات وآليات للحفاظ على السلطة، قد تتشابه في بعض البلدان وقد تختلف، ومن أبجديات الحكم أن يتعامل النظام الحاكم مع كل فئة على حدة، فالمواطن يحتاج للأمل والإنجازات الوهمية كما أنه يخشى المستقبل المجهول، والحركات والأحزاب تفرع ويصيبها الوهن والضعف والانقسام، كما أن ضمان ولاء المؤسسة العسكرية ركيزة كبرى، ومؤسسة قمعية قوية والتي تتمثل هنا في وزارة الداخلية، وبعض الدوائر القضائية التابعة للسلطة، ولا غنى عن «البكريين والموسويين» على الأقل في السنوات الأولى من حكم النظام، فرغم خطورتهم لما يقدمونه من محتوى مبتذل، إلا أنهم ما زال لهم صوت مهم.
أما على الجانب الآخر؛ فالثورات هي الأخرى لها عوامل عديدة، وتحتاج وقودًا ومحركين وحاضنة شعبية، فلا يكفي الغضب وحده ولا تكفي طاقات الشباب ولا يكفي رفض القمع، الثورة حالة متكاملة تضرب بجذورها في مناطق عديدة مؤثرة، حتى تخرج بالصورة التي نراها.
ووقود الثورة هو هذا الغضب وأسبابه، وفشل النظام، وأخطاء بالجملة تؤيد الحجة، وفي مصرنا لدينا الكثير والكثير في هذا الجانب يدعم حجتنا لعشر ثورات، فمن ناحية القتلى والجرحى لديك ما يكفي هناك الآلاف، والمعتقلون حدث ولا حرج، والفقر والجوع وتردي الأوضاع الاقتصادية، وديكتاتورية وقمع يشهد بها القاصي والداني، غلاء أسعار، فشل في إدارة الملفات الخارجية، تفريط في أرض الوطن، غياب العدالة، هناك ما يكفي ويفيض من عوامل قيام الثورة.
ولكن لماذا لا تتحرك الثورة رغم ذلك؟ هل يرضى المواطن عن الوضع؟
بالتأكيد لا يوجد من يرضى بذلك، ولكن لا أحد يتحرك، هنا تكمن الأزمة، في المحرك والحاضنة الشعبية.
المحرك هو كل تكوين أو تنظيم خارج النظام، رافض له، والحاضنة هم السواد الأعظم من الناس، والثورة لا تملك هذا ولا ذاك، ولذلك حكمة.
فعلى مستوى المحركين فأنت لا تملك أحزابًا معارضة ولا تملك صفًّا ثوريًّا قويًّا قادرًا، ولا تملك أدوات كافية ولا تملك عددًا كافيًا، ولا شخصيات داعمة قوية، لا تملك حجة ولا منطقًا، حتى إن الكثير تحول لعبارة عن شتامين، ومتبادلي حجج واهية يمكن دحضها ببساطة، وقلة قليلة من تحاول أن تكون منطقًا وحجة حقيقية.
وأما على مستوى الحاضنة الشعبية، فهي موجودة ولكنّ لها وضعًا خاصًا، غاضبة ولكنها مسجونة داخل أسوار نفسها، لماذا؟ في بقية المقال الإفادة.
هناك إشكاليات عديدة أخرى تواجهها الثورة عندما نبدأ في تفكيك الوضع أكثر، والتعمق بالمشهد أكثر؛ إشكالية الإخوان المسلمون.
1- موازنة الإخوان والجوع.. لأيهما تكنّ الكره أكثر
الإخوان والجوع، مركز إشكالية قيام الثورة بالأساس، فبين كره الإخوان وكره النظام يجلس المواطن الغاضب، يتخير بين كرهين أيهما أقل حدة لينصره، فرغم غلاء الأسعار وغياب أي رؤية نحو التقدم والازدهار، إلا أن المواطن المصري ما زال يكره الإخوان المسلمين أكثر من كرهه للجوع، وليبقَ نظام الحكم الحالي طالما بقي كره الإخوان أعظم.
فكلما حاولت حركة أو جماعة من هنا أو هناك صنع حراك ثوري ـ بالتأكيد لن يسقط نظامًا ولكنه على الأقل يقومه ـ تجد بيانًا «غبيًّا» خرج من الإخوان معلنين مشاركتهم، فيوصم الجميع بما وُصم الأولون به – أي الإخوان ـ فيصبح الكل إرهابيًّا، كلما وقع حدث تجد الإخوان بدأت أنوفهم تدخل في الأمر لتفسده، وكأنما وجودهم محمود، فلا معارضة تقبلهم ولا مواطن يطيقهم، إنها الحقيقة فقط ليست تزيدًا مني، ومن يعرفني يعرف كم كنت عقلانيًا في نقد الإخوان.
لن أنفي عن الإخوان حقهم في ممارسة العمل السياسي، فهذا لا يخصني، ولكن يخصني الغباء، أن تعلم أنك مرفوض وتعلم أنك موصوم بتهم عديدة فيها ما فيك وما ليس فيك، فلماذا لا تتعامل من هذا المنظور، لماذا لا تكتب بيانًا تؤكد فيه تضامنك مع عدم نيتك النزول لكذا وكذا وكذا، فتكون شاركت ولم تضرّ. من الأساس لماذا لا تركز في رأب الصدع الداخلي في تنظيمك وعمل بعض المراجعات ومحاولة الظهور بمظهر جديد مقبول قبل ذلك، للأسف أقول «آفة إخوان مصر الغباء».
2- تفكك وضعف الحركات والأحزاب
بالتأكيد لن أغفل دور الحركات والكيانات الشبابية والتي تفككت بشكل كبير، ولم يبقَ منها إلا أفراد متفرقون تربطهم الصداقة والمبدأ أكثر من العمل التنظيمي، وهؤلاء يكافحون لحماية أنفسهم من بطش النظام، ونجحوا في ذلك بشكل جيد، فهم بمثابة شبكة ضغط، ولكنها في النهاية لا تستطيع تغيير موازين الأمور، ولكنّ لها دورًا مقبولًا.
3- ثورة الجياع أو الانقلاب
الوضع في مصر أقرب لثورة جياع تفتك بالمطحونين والمعدمين والطبقات الوسطى الباقية، من حركة تدعو إلى الحرية والكرامة. فالمواطن المصري يعيش على آمال يعلم أنها واهية، خوفًا من مغبة أيام سوداء، لا يعلم نهايتها إلا الله، هذا الشعب مستنزف مجهد لا يقوى على نصرة الحق، الباطل أقرب إلينا من حبل الوريد.
وعلى الوجه الآخر، الانقلاب العسكري يكاد يكون أقرب من ثورة الشعب، في حال فشل نظام الحكم في إرضاء أطماع جنرالات الجيش أو حتى فقدانه القاعدة الشعبية.
مستقبل مصر
موقف الإخوان من مستقبل مصر
أنا على يقين بأن جماعة الإخوان ستعود من جديد، وستغير من جلدها، وستعود لحضن النظام مرة أخرى ـ ولكن ليس النظام في ثوبه الحالي وليست الجماعة بصورتها الحالية ـ ولكنها مسألة وقت ربما يطول، أما عن قيادات الإخوان في السجون فأغلبهم لن يعدم وبالتأكيد لن يظلوا في السجن للأبد فما زال لهم دور، ولكن أعتقد أن مصيرهم الإقامة الجبرية، أو العيش خارج حدود الدولة.
أكاد أكون على يقين من أن الرئيس الأسبق محمد مرسي لن يعدم، ولكن بنفس اليقين أقول إنه لا يمكن أن يخرج للحياة الطبيعية مرة أخرى، ليس وهذا النظام في السلطة، فلو أعدم فستكون أزمة كبيرة داخليًا وخارجيًا لا يحتملها النظام، والذي يعلم أن الدكتور مرسي لا يوجد ما يدينه قانونًا، ولكنها مماطلات، والبديل إقامة جبرية بعد تلك الجولات من المحاكمات الهزلية، أو صفقة ترحيل خارج الدولة، وهو ما سيسري على الكثير من قيادات الإخوان، وأما الشباب فسيخرجون بعد قضاء فترات أحكام، ولن يعدم إلا أقل القليل.
موقف السيسي خلال السنوات المقبلة
بالتأكيد سيستمر في السلطة، وسيترشح مرة أخرى، وسيفوز في الانتخابات مرة أخرى، حتى إنه لا يحتاج تزويرًا، وربما يكون أقرب منافسيه أحد أعوان نظام مبارك، كما أنه من المتوقع أن ينشأ حزب حاكم جديد كالحزب الوطني، أو الاتحاد الاشتراكي سابقًا.
ربما ترى أن المقال ركز في جزء كبير منه على جماعة الإخوان المسلمون، وربما تظن أني كاره لهم، ولكن أنت مخطئ لو ظننت هذا، ولكن كل ما في الأمر أن الإخوان كانت أكبر كتلة من غير النظام على الأرض، وكانت أكبر كتلة مسيطرة على الأحداث، والأكثر تنظيمًا، ولكن الكِبر والغباء أصابوهم، فكان لهم النصيب الأكبر مما نحن فيه الآن، فلو كنت أحاكم الإخوان هنا ليس لأنهم الأسوأ ولكن لأن مسؤوليتهم كانت الأكبر، ولم يكونوا على قدرها.
صورة سوداء ولكنّ بالتأكيد هناك أملًا، ولكن معجزة تحدث أقرب من ثورة منظورة، وطالما بقي ذلك التكوين، فبالتأكيد لن تقوم ثورة ولا حركة تصحيح ولا هبة ولا أي شيء في السنوات القادمة، ولكن الأسوأ أننا نسير عكس اتجاه الحياة. الحل يكمن في كيانات حقيقية قوية، تملك رؤية وتملك فكرًا، ما زلنا على مسافة كبيرة من النهضة.
أعتقد أن أقصى الحلول المتاحة هو العمل على وجود كيانات محترمة لها رؤية قادرة على المنافسة، بها كفاءات بعقليات مختلفة، لها القدرة على التواصل مع الآخرين داخليًا وخارجيًا، قادرة على تمويل نفسها، ولتبدأ بالمحليات مثلًا لتفرض نفسها على الجميع في خطوات صعودية مختلفة عن الحراك في الشارع، والذي سيكون مطلوبًا أيضًا ولكن لن يُعوَّل عليه وحيدًا.
The post إشكالية قيام ثورة فى مصر appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست