الثلاثاء، 28 يونيو 2016

ثقفني اون لاين : مصالحة الانقلاب.. شعرة بين الذل والحكمة

بعدما انتهى السيسي من إلقاء بيان الانقلاب في الثالث من يوليو، وهززنا رؤوسنا في دهشة لندرك أنه بالفعل انقلاب عسكري على الرئيس مرسي، وعلى ثورة يناير، وعلى حلم التغيير بالكلية، دعت جماعة الإخوان فورًا للاحتشاد في ميدان رابعة للانضمام إلى الاعتصام الذي كان قد بدأ بالفعل قبل ذلك بأيام، ظهر صوت ضعيف لبعض المحللين الإسلاميين، وبعض الأفراد يدعو لعدم الدخول في صراع غير متكافئ وللعودة إلى التربية والتوعية من جديد، واستدراك ما تعجلنا عليه وأوتينا من قِبله، وكلاهما «المقاومة أو السكوت» بديلان مشروعان حسب ملابسات كل حالة، ولكن علا حينها صوت الهتاف وكانت المقاومة، واتسع الاعتصام.

قلنا لا شك أن القيادة رؤيتها أشمل من رؤيتنا القاصرة وأوضح، وأنهم ينظرون للصورة من الأعلى، وأن عندهم من المعطيات ما ليس عندنا، وأنهم يسيرون وفق رؤية وإن كانت لا تتضح لنا، ثم اتضح مع الأيام أن الرؤية لا تعدو كونها رؤيا منام، وأن الخطة هي الصبر والصمود، وأننا نتظاهر لنتظاهر، ونعتصم من أجل الاعتصام!
في الاعتصام بدأت تثار أسئلة: «إلى أين ؟»، و«ماذا بعد؟» واختلفت الإجابات في الصيغة واتفقت في التسكين والتخدير، ثم كانت صدمة فض الاعتصام أنه لا خطة لرد فعل، فكان أشد علينا من الفض حالة التيه والتخبط التي ضيعت طاقة غضب كان يمكنها أن تفعل أي شيء فقط لو وجهت، ثم بعد الفض وعلى مدار ثلاث سنوات استُنزف الثوار في فعاليات لم يكن من ورائها أي طائل إطلاقًا! ولو أجرينا اليوم كشف حساب لما حققته الثورة لوجدنا أنه لا شيء، حتى أن اتساع رقعة المعارضة للانقلاب فالنظام هو الذي قام بها مشكورًا!

الجديد في الحديث عن المصالحة هذه المرة مع أنه مثار منذ الانقلاب أن الطرح في الفترة الماضية على مستوى القيادة من الجانبين، والموقف الرسمي وليس فقط من الأفراد والمستقلين أو الإعلام، فقد صرح وزير الدولة للشئون القانونية ومجلس النواب بـ«أن مشروع العدالة الانتقالية الذي تعكف الوزارة على صياغته يستهدف أن يعود المجتمع المصري نسيجًا واحدًا»، وسربت وثيقة من داخل الإخوان -لو صحت- تهيئ الصف لمصالحة قريبة.
وعند الحديث عن مصالحة، لنا بعض الوقفات:

* بين المأمول والواقع

كثير من الثوار وخاصةً الشباب يتحدث عما يرجو لا عما يستطيع، يتحدثون عن بشاعة النظام ووجوب إزالة هذا الفساد الجاثم على صدر الوطن من جذوره، ويغفلون ضعف موقفهم وقلة حيلتهم، ولا عقل أو دين يأمرك أن تلقي بنفسك في معركة غير متكافئة تمامًا ودون هدف واضح، ثم ترجو النصر، يقول الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام «إذا وقعت حربٌ بين المسلمين وأعدائهم ولم يحصل نكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس وشفاء صدور الكافرين». (لا أشبه النظام مهما كان إجرامه بالكفار على الجملة)، وفي حفاظ الأمة على نفسها حفاظ على فكرتها لأنها بذلك تحافظ على الوعاء الذي يحملها للناس، ومع هذا لو خرجت لنا اليوم قيادة حكيمة برؤية سليمة للمقاومة لاتبعناهم، فالأمر كله يعود لتقدير الموقف والظروف من ناحية، وتقدير القدرات والإمكانات من أخرى.

* بين الهدنة والمداهنة

 

قد يتبادر للذهن عند إطلاق لفظ «مصالحة» أنه زواج بين المعارضة والنظام، وانصهار تام، وهذا بالفعل نوع من المصالحات، ولكنني أقصد بمصالحة: تسوية للوضع الحالي بموقف متوسط بين الطرفين ينهي حالة الصراع مع الاحتفاظ بالمواقف، نستطيع أن نسميها هدنةً بين عدوين، لا نعترف بالنظام ولا نهاجمه، لا نشاركه ولا نتعاون معه، هي فقط خطوة للوراء قبل متابعة السير وترتيب أوراق والتقاط أنفاس. وكذلك يجب ألا تكون مصالحة مطلقة، بل لا بد من قيد شرطي أو زمني ينهيها بعد فترة.

* مراجعة موقفية لا فكرية

لن يكون إعلان ندم عن مقاومة الظلم والطموح لدولة إسلامية، فنحن أخطأنا في إدارة المشهد وأسأنا التقدير، ولكن الدوافع صحيحة وراسخة والغايات لم تتغير ومصطلحات الفساد والظلم والانقلاب لم تتغير بتغير الموقف.

* تأخر الوقت

نعم تأخر الوقت واستنزفت طاقات ونفوس دون طائل، ولكن لا يعني أبدًا سيرك في طريق خاطئ أن تواصل السير، ولا يصحح القرار الخاطئ تطاول الزمن، وأولئك الأحرار الذين يرفضون المصالحة ويرددون الشعارات الأدبية الأبية: «لا تصالح ولو فعلوا وفعلوا»، و«لا تصالح على الدماء» صدقتم، ولكن هل أحرزنا أي شيء في القصاص؟ الأمر لا يُحل بالشعارات وحدها، نفقد شهداءً ومعتقلين اليوم من أجل شهداء ومعتقلي الأمس، ثم نملك أن نعيد الحق لسابقين أو لاحقين!

* المصالحة تعزز الانقسام بين الإخوان

فمعظم الشباب يرفض سماع كلمة مصالحة، فضلًا عن النقاش فيها أو قبولها، ورأيي ألا تتولى القيادة الحالية «المتنازع حولها» أي قرار كهذا، لا بد أولًا من حل الخلاف الداخلي والاستقرار على قيادة تجدد الثقة في الصف، قيادة يلتف حولها الناس ولا ينقسمون عليها، تفكر في جو من الشورى والحوار، وتخرج بقرار واضح الحيثيات والأسباب، مقنع للصف يحترم عقولهم وتضحياتهم.

لا يعنيني ما تحدث عنه البعض من أنها مصالحة ذليلة، ولكنها شعرة دقيقة بين التهور والشجاعة، والذل والحكمة، وأصعب ما في التاريخ أن المواقف لا تتطابق أبدًا، ولكل موقف حكمه والله يعلم ما لا نعلم.

The post مصالحة الانقلاب.. شعرة بين الذل والحكمة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست