الاثنين، 27 يونيو 2016

ثقفني اون لاين : «فيروز.. عندما تغني جارة القمر» الجزء الأول

 

 

«فيروز..
هي الأغنية التي تنسى دائمًا أن تكبر..
هي التي تجعل الصحراء أصغر..
وتجعل القمر أكبر..»

محمود درويش

 

إنني من الجيل المحظوظ، هذا الجيل الذي أنعم الله عليه بالصباحات التي غسلتها «فيروز» بصوتها الملائكي وجعلت منها لوحات تفوح برائحة الحب والأمل والسعادة، لذلك وجدت لزامًا علي أن أصحبكم في جولة تسبر أغوار حياة هذه الأيقونة، وعلى مدار الأجزاء القادمة سأستعرض كل ما يتعلق بـ«جارة القمر»: سيرة حياتها، الأغاني، المسرحيات، الموشحات، ستكون جولة غنية وثرية؛ فنحن أمام إحدى أعظم القامات الفنية على مر الزمان.

في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1934 كان العالم على موعد مع استقبال أسطورة لا يجود بها الزمان، إلا كل بضعة قرون مرة، في حارة «زقاق البلاط» في مدينة بيروت في لبنان، كانت عائلة «سريانية كاثوليكية» فقيرة تنتظر أن ينتهي مخاض الأم ليبشر الوالد بقدوم مولودته الجديدة، لم يكن هذا الوالد سوى «وديع حداد»، ولم تكن الأم، سوى «ليزا البستاني»، أما المولودة الصغيرة فقد سميت «نهاد»، أو «فيروز»، كما نعرفها نحن.

كانت «نهاد» هي الطفلة الأولى، لأسرة بسيطة فقيرة عاشت في بيت مؤلف من غرفة واحدة، لقد كان كل شيء قليلًا، حتى إن الجيران كانوا يتشاركون فيما بينهم أدوات المطبخ، لقد أحبت فيروز الغناء منذ نعومة أظفارها، لكن الحياة لا تعترف فقط بالحب والرغبة فقط، فقد حال فقر الأسرة، دون أن تتمكن من شراء جهاز «راديو»، فما كان منها، إلا أن تطارد الألحان والموسيقى، التي كان قلبها ينبض بها، وهكذا كانت تقضي وقتها جالسة إلى شباك البيت لتسمع صوته السحري قادمًا من بعيد حاملًا أصوات «أم كلثوم»، و«محمد عبد الوهاب»، و«أسمهان»، و«ليلى مراد».

في سنوات الدراسة الأولى كانت فيروز معروفة بخجلها، وفي العطلة الصيفية كانت سعادة فيروز لا تضاهى، عندما تحزم حقيبتها الصغيرة لتقضي وقتها في قرية «دبية»، في محافظة «جبل لبنان»؛ عند جدتها؛ إذ كانت تقضي نهارها في مساعدة الجدة، وفي نقل المياه من أحد الينابيع القريبة، وفي طريق العودة كانت تغني؛ لينافس صوتها الشجي أصوات العصافير في الغابة، وبحلول ذلك الوقت بات معروفا للجميع في القرية أن هذه الطفلة تمتلك موهبة استثنائية.

وبهذا نكون قد تعرفنا حتى الآن إلى الظروف التي نشأت فيها فيروز الطفلة، وكيف أثر ذلك في مستقبلها، ففيروز امتلكت قدرة غير عادية على الغناء، وصوتًا كان يجذب إليه الكبار والصغار على حد سواء، ما إن يسمعها أحدهم تغني حتى يطالب بالمزيد؛ فصوتها الملائكي كان كالماء البارد، الذي يروي ظمأ الروح العطشى لكل ما هو نقي وحميمي، إن الفقر الذي عاشت فيه العائلة جعلها على الدوام في احتكاك مستمر مع الناس، وهو ما خلق الحميمية في صوتها، الذي لا يزال يسمعه إلى الآن الملايين حول العالم بشعور، وكأنها توجه أغنيتها إلى كل فرد، بصورة خاصة، وكأنها تخاطبه، أو تتحدث بصوته.

وفي عمر العشر سنوات أصبحت فيروز نجمة المدرسة الصغيرة، لاحظ المعلمون أن صوتها غير اعتيادي؛ لذلك لاقت التشجيع على الغناء في فرقة المدرسة ـ بشكل منتظم ـ في أوقات الدوام، وحتى في أيام العطلات، ولم يكن عليها أن تنتظر طويلًا، فقد كان القدر يخبئ لها مفاجأة ستغير حياتها.

في عام 1946 كانت الفتاة الصغيرة التي اعتادت على سماع الأغاني من راديو الجيران على حدث غير قدرها وقدرنا إلى الأبد، في حفلة المدرسة الصغيرة حضرالأستاذ «محمد فليفل» – أحد الأخوين فليفل اللذين لحنا النشيد الوطني السوري – الموسيقي والأستاذ في المعهد الوطني للموسيقى، ولم يصدق ما رأته عيناه، وسارع إلى إعلان اكتشافه الجديد، صوت فيروز.

والحق يقال؛ فحماس الأستاذ فليفل، أمام فيروز له ما يبرره؛ فأن تكون مدعوًا لحفل مدرسة صغيرة، ثم تشاهد هذه «الأرزة الصغيرة» وتسرح في خيالك؛ لترى المستقبل الشامخ الذي ينتظرها؛ إذا ما اعتني بها، لهو أمر كفيل بأن يجعلك تقفز عن مقعدك! أجل ففيروز الصغيرة التي قضت العطلات الصيفية عند جدتها في جبل لبنان قد تشربت ملامح الطبيعة التي كانت تقضي وقتها فيها، فمن شموخ «أرز» لبنان استمدت شموخها على المسرح، ومن بهاء الطبيعة طلتها البهية، ومن نقاء ينابيع المياه نقاء صوتها، ومن أبدية السماء الزرقاء واتساعها اللامحدود أبدية صوتها وعمقه اللامحدود.

ولكن كما اصطدمت موهبة فيروز في بداياتها مع الفقر، فقد عادت لتصطدم برفض الأب المحافظ، الذي لم يقتنع بفكرة الأستاذ فليفل بأن تغني ابنته أمام العامة، لكن الأخير الذي كان حريصا على الظفر بهذا الصوت الاستثنائي نجح في إقناع الأب؛ بعد أن أكد له أنها لن تغني سوى الأغاني الوطنية، فوافق الأب مشترطًا أن يرافقها أخوها «جوزيف» في أثناء دراستها في المعهد الوطني للموسيقى، وهكذا كان.

في المعهد الوطني عني بها محمد فليفل، حتى أنه علمها «تجويد القرآن» ليصقل موهبتها، ومرة أخرى يضع القدر «حليم الرومي» في طريق فيروز فيسمع صوتها مصادفة، ولا يكون استثناء عمن سبقه، فيبدي إعجابه بصوتها، ويرى فيه قدرة ومرونة لغناء الألحان العربية والأجنبية على حد سواء، وحليم الرومي لمن لا يعرفه هو موسيقي كبير ورئيس لإذاعة لبنان في ذلك الوقت (وهو بالمناسبة والد المطربة الكبيرة ماجدة الرومي) لذلك لم يبخل على فيروز بضمها إلى فرقة الإذاعة الوطنية اللبنانية، بل إنه أعطاها ما هو أهم من ذلك بكثير، فقد أعطاها اسمها الفني «فيروز»، ومنذ ذلك اليوم أصبح العالم يعرف «نهاد حداد» على أنها «فيروز».

هكذا انضمت فيروز إلى فرقة الإذاعة الوطنية اللبنانية، بعد دخولها المعهد بشهور قليلة، وتتذكر – في أحد أحاديثها النادرة – تلك الأيام فتقول «كانت أمنيتي أن أغني في الإذاعة، وقد أخبروني أنني سوف أتقاضى مبلغ 100 ليرة (21 دولارًا) في الشهر. كانت فرحتي لا توصف، لكن في نهاية الشهر لم أكن محظوظة كفاية؛ بسبب خصم الضريبة !»

لم تكن هذه سوى البداية، لقد كان القدر يعد بالمزيد من المفاجآت، وقد كان صوت فيروز كفيلًا بأن يذلل كل العقبات أمامها، وأن يسخر إمكانات كل من التقى بها، كل واحد كان يشعر على الفور بأنه يجب أن ينقل هذا الصوت إلى مرحلة جديدة وإلى جمهور يليق به، وكل ذلك لحسن الحظ قاد إلى فيروز التي عرفناها وألفت أذاننا موسيقاها واشتعلت قلوبنا حبًا بأغانيها.

في الجزء القادم.. نتابع قصة لقاءها مع الأخوين الرحباني، وكيف صعدت سلم المجد؛ لتلامس بيديها النجوم، وتجاور حتى القمر!

 

The post «فيروز.. عندما تغني جارة القمر» الجزء الأول appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست