تحكي الأسطورة الإغريقية القديمة عن مجرم وقاطع طرق يُدعى بُروكوست يملك سريرًا يَتَصَيد المارين ويُجبِرهُم على النوم على السَرير. فإذا كان طول الضحية مناسبًا لسريره نجا. وإن كان طول ضحيته أقصر من السرير يقوم بروكروست بتمديد ساقِه وشدها حتى تتناسب مع طول السرير. وإن كان الضحية أطول من السرير قام بقطع أطرافه لتقصيرها على مقاس سريره.
سرير بروكوست هو الأفكار التي نعتنقها ونعتقدها بوصفها مُسَلماتٍ نحاول أن نُخضِع لها الجميع. أن نتطرف من أجل أفكارنا ونصنع منها معابد وآلهة ولا نكتفي بهذا بل نُجبِر الآخرين على اعتناقها والصلاة في معابدنا والابتهال لآلهتِنا. وهذا الفكر مُتعمِق في بشريتنا التي لا تكف عن التوثن. فتصنع وثنًا تُسمِيه ماركات عالمية في مجال التسويق، وتصنع وثنًا تسميه قوة عظمى في مجال السياسة، وتصنع وثنًا تسميه الأب القائد ركن الدولة وعمود الخيمة في مجال الحكم.
«نصنع أوثانًا آلهة حتى تُصدِق ألُوهِيتِها فتستعبدنا فنُصدِق عُبودِيتنا وألوهيتِها».
هنا لا أريد أن أتحدث عن محاولة إقناعك ألا تصير بروكوستيًا. ولكن هنا أريد أن أتحدث عنك في مواجهة بروكوستي.
فإن قتلت بروكوست بداخلك فهو حي بداخل من حولك يحاول أن يجبرك على النوم في سريره. فلا تناموا على سرير بروكوست.
لا تستسلم لمحاولات مد أطرافك وقطعها لتتساوى مع ما يظنه الغير آراء مُسلَمًا بها, يُقولِبك في قالبه ويُخضِعك لمنطقه ويُطوِعك لأفكاره, يصنع منك مداسًا على مقاسه وبرجلًا لرسم زاويته.
لا تناموا على سرير بروكوست الميديا التي صنعت من الجمال وثنًا في صورة جمال الجسد. تلك الصورة المُقتضبة التي حصرت الجمال في الشكل وأقصَت كل جمال غيره عن كونه جمالًا.
وبهذا صنعنا الوثن والإله في الجمال هو الجمال الجسدي الشكلي بالرغم من أنه جمال مُتغَيِر مع الزمن والحوادث وكان له مريدوه ممن يفعلون بجسدهم الأفاعيل ليتقولبوا في قالب صَوَّرَتْهُ الميديا أنه الجمال. بالرغم من اعتقادي أن جميع البشر يحظون بنفس مقدار الجمال؛ فهناك من يحمل جمال الروح وجمال الضحكة وجمال المَعْشَر وجمال الحديث وجمال المحيا، ونعدد منها ما استطعنا عَدَّهُ وفي النهاية جمال الشكل.
لا تناموا على سرير بروكوست السياسة الذي يمنح الأشخاص منحة الألوهية في التصرف بمصائر العباد، ويخلع عليهم من الألقاب كالقائد المفدي وركن الدولة وعمود الخيمة والرئيس الأب ما يُخضِع لهم النفوس بالطاعة، مُنسَاقة وراء هالة اللقب أو خوفًا من عقاب من يحاول تحطيم الوثن.
لا تناموا على سرير بروكوست التعليم الذي يمنح لقب كليات القمة ليصنع حاجزًا هو في الحقيقة وهمي بين بشر بالأمس ربما كانوا يجلسون في نفس المقعد بالمدرسة. ليضع قالبًا لشيء يهدمه سؤال واحد هل التفوق في نظام فاشل يُعتبر تفوقًا؟! وكم من أغنى أغنياء العالم لم يكملوا دراستهم الجامعية؟! لا تنمْ على سرير بروكوست فليس هناك كليات قمة.
لا تكونوا بروكوست
ولا تناموا على سرير بروكوست.
The post لا تناموا على سرير بروكوست appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست