تحدثنا في المقال السابق عن الخطاب القرآني الموجه للإنسان، من حيث علاقته بالكائنات الأخرى التي تعيش معه، والذي يخلو من أية إشارة إلى تطوره عنها، أو تطور بعضها عن بعض، وأن التفسيرات التي أوردها أنصار التطور الموجه هي مجرد توظيفات ساذجة للنص لخدمة فكرتهم. والآن سوف ننتقل إلى الإنسان الأول، وقد قال التطوريون إنه ليس آدم، ونقول إنه هو آدم، فما الأمر إذًن؟
تفسير النفس الواحدة
لقد أخبرنا الله ـ سبحانه ـ في أكثر من موضع في الكتاب، أننا أتينا من آدم وزوجه، فيقول تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً» (النساء) أما التطوريون فيحتجون بقول: إن النفس الواحدة لا تدل على وحدة العدد، بل وحدة النوع، فإنها تدل على نوع الجنس البشري، ونقول لهم: تفسيركم غير موفق، فهل يوجد نوع ذكر، وآخر أنثى؟ أم أن النوع يضم الزوجين؟ ولمَ يقول الله إذن إنه خلق من تلك النفس زوجها «أي من هذا النوع زوجه»؟
إجابتي هي أن تلك النفس لا تدل على النوع، بل العدد، فهي إذن زوج واحد، ولكل زوج زوجه، ومنهما تخرج الكثرة، فهل لاحظت قوله تعالى «زوجها» و«منهما»؟ إننا إذن أمام ثنائية خرج منها «رجالًا كثيرًا ونساء»، وتلك الثنائية هي «آدم وزوجه». كذلك في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات)، حيث يذكرنا الله بأصلنا البادئ من تلك الثنائية، وهي ذكر(آدم) وأنثى (زوج آدم)، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الكثرة (شعوبًا وقبائل) التي خرجت من الأصل. فأين إذن نستطيع أن نتلمس آثار هذا الإنسان الأول الذي سبق آدم؟
الفرق بين كلمتي إنسان وبشر
والآن دعنا ننتقل إلى استدلال آخر عن الإنسان الأول بين التطوريين وبين الخلقيين، يقول تعالى «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( (31» (الحجر) يفرق أصحاب التطور الموجه بين الإنسان المذكور في الآية (26) وبين «البشر» المذكور في الآية 28، فيقولون إن المقصود بـ«الإنسان» هو الإنسان الطين المُفرَغ من الروح، والذي خُلق من الطين، ولكن بعد مراحل شتى. أما «البشر» فهو آدم عليه السلام.
ويبرهنون على ذلك بشيئين، الأول: أن زمن ذكر الإنسان هو الماضي «ولقد خلقنا»، أي أنه خُلق بالفعل قبل خلق آدم، أما زمن خلق آدم جاء في المستقبل بقوله تعالى «إني خالق» أي سوف أخلقه. ودعنا ننتهي من هذه النقطة قبل الانتقال إلى لاحقتها، لقد ذكر الله خلق الإنسان من صلصالٍ، دون التركيز على الزمن، سواء كان ماضيًا أو حاضرًا، ولكن التركيز كان على المادة التي خُلق منها هذا الإنسان، بدليل أنه تعالى ذكر أنه «خلق الجان من قبل من نار السموم»، كما ذكر ذلك أيضًا في (سورة الرحمن) «خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15)»، فثمة تمييز في مادة الخلق بين الإنس والجن، وهو المطلوب الاعتبار به، فالإنسان في الآية هو جنس الإنسان، وليس إنسان الطين.
كما أن الله تعالى يتحدث عن قصة خلق آدم، وبالتالي فإن الأزمنة تأتي متماشية مع سرد القصة، وفي القصة كان الله لم يخلق آدم بعد، فقال للملائكة أني سأخلقه.. إلى آخر القصة، ولذلك كانت الشخصيات محددة بدقة مثل «إبليس» و«الملائكة».
والشيء الآخر هو أنهم يحتجون بالتفرقة بين كلمتي «إنسان» و«بشر»، فقد ورد في القرآن أن كلمة بشر جاءت مع الأنبياء، أما كلمة الإنسان، فلم تأت معهم ولا مرة واحدة، كما قال تعالى «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ» «الكهف» «وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا» (يوسف)، وفي هذا دليل على أن البشر هو آدم، والإنسان ليس آدم، بل إنسان الطين. وقد يكون صحيحًا أن البشر هو آدم، ولكن غير صحيح أن الإنسان المقصود هو حفيد فصيلة القردة، فالإنسان المقصود هو جنس الإنسان.
كما أن تخصيص لفظ «إنسان» في الآية، بأنه الإنسان الطين الذي سبق الإنسان البشري، يعد تخصيصًا غير قائم على أساس، فلفظ الإنسان جاء في القرآن في مواضع كثيرة ومعظمها تحمل رسائل موجهة إلى الإنسان العاقل المُدرِك، كما قال تعالى «وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ» (الزُمر) و«يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ» (الإنشقاق) و«إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» (الأحزاب)، وقد يحتج علينا أصحاب التطور الموجه بأن هذا التفسير ليس موحدًا على كلمة الإنسان في كل مواضع الكتاب، ولكننا نراهم يحاولون توظيف هذا التفسير بشكل ساذج لخدمة أغراضهم في آية أخرى، إذ فسروا قوله تعالى «هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا» (الإنسان) فقيل إن الإنسان حينها كان في مرحلة الإنسان الطين، ولم يكن شيئًا مذكورًا حتى نُفِخَ فيه من روح الله، ولكن انظر إلى الآية التالية لها التي تخبرنا أكثر عن هذا الإنسان فتقول «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا» أي أن ذلك الإنسان سميعًا بصيرًا واعيًا متحملًا للابتلاء، وبلا شك ليس الإنسان الواعي في الآية الثانية هو الإنسان الطين في الآية الأولى، أو الأقرب أن كليهما شخص واحد، وتفسيركم خاطئ.
هل آدم نبي مبعوث لقوم في الأرض؟
وبعد أن يحاول التطوريون إثبات أن البشر المقصود هو آدم، يحاول البرهنة بأن آدم كان نبيًا في قومه، أي أنه بُعث لقوم كانوا موجودين قبله، وبالتالي فهو ليس الإنسان الأول؛ وذلك لأن كلمة بشر جاءت مع الأنبياء كما ذُكر للتو. ولكن هذا غير صحيح؛ لأن كلمة «بشر» جاءت في مواضع أخرى غير الأنبياء مثل قوله تعالى «فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا» (مريم) وقوله تعالى «فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا»، ورده تعالى على اليهود والنصارى عند قولهم بأنهم أبناؤه «بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ» (المائدة). ويبدو أن كلمة بشر جاءت في هذه المواضع جميعًا لتدل على التخصيص، أي تحديد بشرًا بأعينهم، وأظن أن كلمة بشر جاءت في قصة خلق آدم المذكورة آنفًا؛ لأنها تحدد شخصًا بعينه، وهو آدم عليه السلام، وليس شرطًا أن يكون نبيًا مبعوثًا لقوم مثل الأنبياء الموصوفين بأنهم بشر في الآيات السابقة.
كما أنهم يحاولون إثبات أن آدم كان مبعوثًا في قوم آخرين في قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)» (آل عمران) فقالوا إن ذلك يعني أن آدم كان ذرية لإنسان يسبقه مثل نوح وآل إبراهيم وآل عمران، كما أن اصطفاءه يعني أنه اختيار بين أقران أي قوم كان يعيش بينهم، ولكن دعني أسألك: لماذا لم تكن الذرية المذكورة في الآية هي ذرية واحدة خرج منها كل الأنبياء المذكورين؟ انظر إلى قوله تعالى «وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)» (الأنعام) أي أن ذرية نوح قد خرج منها كل هؤلاء الأنبياء وهي ذرية واحدة، وكذلك آدم عليه السلام، بدأت الذرية به وامتدت لتشمل أنبياء آخرين، فهي إذن ذرية واحدة بعضها من بعض.
وتجد ذلك واضحًا في سورة مريم عندما ذكر الله الأنبياء إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب وموسى وهارون وإدريس، وبعد ذلك يذكر أصل هؤلاء فيقول تعالى «أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ»، أي أن آدم هو أصل الذرية وأولها، أما نوحًا فهو الذي حافظ عليها بالسفينة التي حمل الله عليها قومًا صالحين، لتخرج منهم تلك الذرية.
لذلك قال تعالى «إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا» (النساء) فقد بدأ الله تعالى بذكر نوح كنبي موحى إليه، ثم بعد ذلك ذكر العديد من الأنبياء الموحى إليهم. ودعني أسألك: لماذا لم يذكر آدم، بالرغم من أنه كان أول نبي جاء قومًا كانوا في الأرض قبل ذلك (كما تقولون)؟ وهل ترى ما يدل على ذلك في آيات أخرى في الكتاب؟ إجابتي أن قوم نوح قد عبدوا الأصنام؛ إذ صنعوا من رجال صالحين فيهم آلهة تُعبد من دون الله كما تخبرنا سورة نوح، لذلك أرسل الله إليهم نوحًا عليه السلام ليدعوهم للتوحيد، وبعدها كان عقابهم بالطوفان، إلا قليل من الفارين مع نوح، أما آدم فما قصته بين قومه؟ ولماذا أرسله الله فيهم؟
وتبعًا لتفسير أن ثمة بشر كانوا في الأرض وقد بُعث فيهم آدم «كما يقول أنصار التطور» فإن ذلك يشرح قول الملائكة في قوله تعالى «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء» أي أن الملائكة رأت من يفعل تلك الشرور في الأرض، وهم بشر. أقول لك، ولم لا يكون سكان الأرض السابقين كانوا من الجن؟ لأن أولًا الجن قد خُلقوا قبل الإنسان «والجان خلقناه من قبل من نار السموم»، بالتالي فقد يكونوا قد سكنوا الأرض قبلنا، ثانيًا، إن مجتمع الجن شديد القرب من مجتمع الإنس في الصلاح والفساد والتقوى والفسوق، وتدلنا على ذلك سورة الجن التي تخبرنا عن وفد الجن الذين مروا على النبي أثناء عودته من الطائف، وكان يقرأ القرآن فاستمعوه، فأوحى الله إليه بدخولهم الإسلام، فقالوا لنا عن أنفسهم «وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا» و«وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا» و«وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا» و«وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا».
وأخيرًا، دعنا نتوقف عن إطلاق سرب الأدلة النافية لوجود نظرية التطور بأي شكل من أشكالها في القرآن الكريم، في مقابل الأدلة المؤيدة لهذه النظرية، ثم نأخذ في تدبر بعض القصص في كتاب الله، ونطرح بشأنها بعض الأسئلة الخفيفة العابرة، وهذا موضوع المقال القادم بإذن الله.
The post ماذا عن أصل الإنسان في القرآن الكريم؟ «نقد فكرة التطور الموجه» جـ2 appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست