الاثنين، 27 يونيو 2016

ثقفني اون لاين : حين يصبح كل الممنوع مباحًا

أعتقد أننا نواجه الآن ظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة أخلاقية تسمى «الغش». أضحى كخدمات التوصيل إلى المنازل، بطرق سهلة وسريعة وميسرة، يساهم فيها الغالبية بدون أي رفض أو حتى تأنيب ضمير.

وأكثر أنواعه ظهورًا وإثارةً للرأي العام هو ظاهرة الغش في الامتحانات، ولا سيما امتحانات الثانوية العامة التي أثارت جدلًا واسعًا في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. فليست الأعداد التي ظهرت جلية للجميع في الصور المنتشرة في السوشيال ميديا بأعداد بسيطة، لاعتبار حالات الغش تلك حالات فردية تنم عن نقص في التربية والأخلاق، بحيث يمكن التغلب عليها بمعاقبة ممارسيها وفقط، ولكنها أضحت ظاهرة جماعية بين الكثير من الطلاب، في جميع المراحل التعليمية بداية من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة. ظاهرة تنم عن اختفاء مفهوم التعلم من أجل العلم والارتقاء، وترسيخ قيمة جديدة وهي كما يطلق عليها باللغة الدارجة «مفيش تعليم». بل الهدف الأساسي الحصول على الترقي الاجتماعي، وما يطلق عليه «البريستيج الاجتماعي»، ولا هدف آخر سوى ذلك.

ظاهرة تنم عن خلل كبير في العملية التعليمية والتربوية داخل المدارس وخارجها، وخلل أخلاقي وقيمي وديني في المجتمع ذاته. مجتمع أضحى رهينة لأساليب التربية التلقينية المجمدة للعقل، والتي ينتهجها الكثير من أصحاب المصالح، ولا سيما الطبقات الحاكمة من أجل تشكيل أفراد المجتمع بالطريقة التي تجعل منهم أدوات يمكن التحكم فيها بسهولة، وتطويعها وقيادتها بمنتهى السلاسة واليسر.

وكل الديكتاتوريات على مدى التاريخ البشري استعملت هذا الأسلوب لتسخير الإنسان وتبعيته للديكتاتور والنظام الحاكم ،وخلق إنسان يفعل ما يؤمر به، ويطيع مهما كان الأمر، ويقبل الواقع مهما كان ترديه، ومهما ارتبط به من ظلم.

إنسان مفتقد لأبسط القيم الدينية والخلقية التي طالما تربينا عليها، فدائمًا ما كنا نردد ونحن أطفال في مدارسنا قصة الأم وابنتها التي منعتها من غش اللبن بالماء، قائلة إن كان عمر لا يرانا فالله يرانا. ترسيخ قيمة الخوف من الخالق لا من البشر وعقابهم.

كل هذا قد اختفى في ظل تربية تجاهلت أبسط القيم وأقل الحقوق، وهي الحصول على الفرص المتكافئة والعدالة، كل على قدر جهده وسعيه. فقد اهتزت فيها مفاهيم العدل والتكافؤ والانتماء للوطن، وأصبح الجميع في ظل هذا النوع من التربية يرى كما يقال إن أقصر مسافة بين نقطتين قد أضحت الخط المعوج وليس المستقيم كما اعتدنا، فهو أطول بكثير.

فقد تبدلت منظومة القيم، وأصبح يسود المجتمع مجموعة من القيم التي لا يوجد بينها أي تناسق، وتنطوي على قدر كبير من التنكر لمنظومة قيمية أخرى كنا نتمسك بها من قبل، فالغش بوقائعه المادية المعروفة، وكل ما يصاحبه من سلوكيات غير أخلاقية وغير سوية كنا نراه من قبل على أنه فعل مجرم  يعاقب مرتكبه، ولكن بمرور الأعوام وفساد التربية وفساد الأنظمة الحاكمة والنظام التعليمي في ظل القهر والتعسف والاستبداد، أصبح الكثيرون يرونه على أنه طلب للمساعدة يجب أن نلبيه ونساعد من يطلبه، بل وتطوع الكثير من المراقبين الآن في لجان الامتحانات بالمسارعة في المشاركة بتقديم طلب العون والمساعدة على الغش بشكل أو بآخر.

وأذكر بحكم مهنتي كمعلمة أني طالما مُنعت في مكان عملي السابق من دخول لجان الامتحانات؛ لأني لا أسمح للطالبات بالغش أو ما يسمونه الآن «التعاون»، وطالما هوجمت لذلك أنا والكثير من زميلاتي، وما كنت أتعجب له هو هجوم أولياء الأمور علينا، وتعمد الإساءة لنا بسبب ذلك، وكأننا أضحينا المخطئين، وكان الأعجب هو مطالبة الطالبات الصريحة بالسماح لهم بالغش أثناء الامتحان، وكأن الغش قد أضحى حقًّا مكتسبًا لهم وجبت المطالبة به.

فهذة الظاهرة أعتقد أنها أضحت أكبر بكثير من مجموعة الحلول التقليدية التي وضعت لمجابهتها، أكبر بكثير جدًّا من محاولات القبض على المسئولين عن تسريب الامتحانات على صفحات الفيس بوك التي يطلق عليها «شاومنج» وإغلاقها، أو حتى عمليات التفتيش الذاتي أو التي أفضل تسميتها بعمليات الإهانة اليومية للطلاب، فكل تلك الحلول أضحت مؤقتة وبلا جدوى، نحتاج إلى علاج قاطع وحاسم لإيقاف تلك الظاهرة التي تضرب القيم الإنسانية التي طالما تربينا عليها، وتعصف بها ليصبح الممنوع مباحًا دون استنكار من أي أحد.

ومحاولة إصلاح النظام التعليمي والتربوي الذي طاله الفساد والدمار لعقود عديدة، والرجوع إلى مبادئ الإسلام والقيم الدينية الصحيحة التي طالها الآن التحريف والتغيير من أجل حفنة من المصالح السياسية والدنيوية.

فنحن نحتاج أن تتوقف مؤسساتنا التعليمية عن ممارساتها الحالية؛ لتبدأ في توفير مناخ ميسر لتشكيل العقول المبدعة ذات التفكير الصحيح والسليم، نحتاج أيضًا إلى ثورة دينية وأخلاقية وتربوية تسبق أي محاولة لبناء العقل المبدع والإنسان السوي، فبدونها تصبح كل جهودنا لبناء أمة واعية مثقفة متعلمة وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص هباءً منثورًا.

 

The post حين يصبح كل الممنوع مباحًا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست