الأربعاء، 29 يونيو 2016

ثقفني اون لاين : ألا في الفتنة سقطوا «1»

إننا نعيش زمن الفتنة!

وما أعنيه بالفتنة ليس شيوع الفساد في البر والبحر، فذلك -بالمقارنة- هو الفتنة الصغرى، فذلك الفساد قائم في الأرض، منذ شاءت حكمة الله أن يجري عليها الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل.

الفتنة التي أعنيها تتمثل في ذلك الجهد الذي يُبذل الآن لإضعاف إيمان الخَلق وصدهم عن سبيل الله، والذي التقى عليه نفر من المخلصين مع آخرين من الناقمين والكارهين.

الأولون شوهوا الدين بقصور الرؤية وقلة الوعى فنفروا الناس وخوفوهم حينًا وعسروا عليهم الإسلام حينًا آخر، والآخرون دأبوا على تشويهه بفساد الطوية وفي أفضل الحالات بقلة العلم.

هكذا افتتح الكاتب الكبير فهمى هويدي مقدمة كتابه «حتى لا تكون فتنة» منذ 25 عامًا، والتي ما تزال صالحة إلى الآن!

فهل لأن التاريخ يعيد نفسه يا تُرى أم لأننا ما زلنا ندور في مكاننا ولم نتحرك بعد؟!

ولعل أبرز ما يعبر عن فتنتنا الحالية هي حالة الصراع والتقاتل بين الناس والإقصاء بين أبناء الدين الواحد والحكم بالجملة على كل مخالف بسبب حالة التضخم السياسي، والذي أصبح من أصول الدين، فالموقف السياسي يقود إلى الصلاة، والصلاة تقود إلى الموقف السياسي! على حد قول الشيخ فريد الأنصاري -رحمه الله-.

وقبل أن نجتهد في فهم هذه الظاهرة وندرك خطورتها وفتنتها وكيف السبيل للخروج منها سالمين، علينا أولًا أن ندرس الخريطة الدينية للمجتمع إذا جاز التعبير.

دين واحد وأنماط من التدين:

من المعروف أن شريعة الإسلام في شؤون العبادة تفصل وتحدد وتنظم، لأنها لا تتغير كثيرًا بتغير الأزمان والبيئات والأحوال، أما في شؤون المعاملة تدع مجالًا رحبًا للعقل المسلم، ليجتهد ويجدد ويضع الأطر والتفصيلات حسب حاجات الزمان والمكان، وما يقتضيه تطور الإنسان.«4»

لكن نمط تدين الناس يختلف باختلاف العادات والطبائع والمعرفة والنضج والبيئة… إلخ.

وهناك ثلاث طبقات رئيسية تختلف فيما بينها من حيث البيئة والعادات والمعرفة… إلخ.

طبقة العوام: وهي طبقة تدينها شعبي غير حركي وغير مسيس، وهو تدين تلقيني فيتلقى الدين عن شيخ أو فقيه يثق فيه ويتابعه ولا يبحث ولا يتدبر ولا يقرأ، وهو تدين يهتم بالجوانب السلوكية أكثر كالعبادات بغض النظر عن مقاصدها وما خلفها من قيم ومبادئ، ولعل ذلك من ضمن أسباب ما نلمسه من فصام حاد في شخصيتهم بين ما يظهرونه من حُسن عبادات وما يبطنونه من سوء معاملات!

طبقة الصفوة: وهي طبقة تضم الفقهاء والدعاة والمفكرين والمُنظرين بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم التي يطرحونها على الناس، والتي أحيانـًا تكون متعارضة فيما بينها، وهو تدين يهتم بالجوانب الفكرية والنظرية، ولعل ذلك من ضمن أسباب إخفاق كثير منهم في اتخاذ المواقف العملية التي تعكس ما يقدمونه من أفكار نظرية مجردة!

طبقة البرجوازيين: وهو مصطلح يشير إلى الطبقة الاجتماعيّة المدنية التي تتكوَّن من الشرائح العليا والمتوسِّطة للطبقة الوسطى، وهم طبقة تركز على الجانب الفردي من التدين وتوظفه لصالح النجاح المهني والدنيوي وتواكب بينه وبين متطلبات العصر بالعمل على تطوير الذات وإدارة الحياة وفق آخر ما أنتجته أدبيات التنمية البشرية، وهو تدين يهتم بالجوانب الشعورية فحسب، ولعل ذلك من ضمن أسباب سطحية الأفكار التي يؤمنون بها ويقدمونها، وسلوكياتهم التي عادة ما تكون علمانية بصبغة دينية!

والتفاعل بين هذه الطبقات الثلاث إما يكون تفاعلًا فيه من الصراع والاختزال، واستخدام الخطابات الدعائية والتآمرية والتحريضية والإقصائية، أو ما يسميه المسيري -رحمه الله- إجمالًا «خطابًا اختزاليًا» يسقط في نماذج ثنائية صلبة أو واحدية، وتسقط في الذاتية والكبر فترفض أو تحتقر كل من يخالفها الرأي ما ينتج عنه تياران رئيسيان:

إسلام انسحابي: ومنهجه سلبي لا يتفاعل مع الأحداث، قبلته الدين ولا يلتفت للدولة، بل يُداهنها؛ كي يتمكن من نشر الدعوة وممارستها، يهتم بالعقيدة والتي يختزلها في العبادات أو الأخلاق والفضائل أكثر من اهتمامه بالشريعة، ويرى أن إصلاح الفرد يسبق إصلاح المجتمع، وأن وازع القرآن أهم من وازع السلطان.

ذلك من حيث الفكر والذي يترجم نفسه عمليا في إدانة كل أنواع الجهاد صالحها وطالحها، مستقيمها ومنحرفها، معتدلها ومتجاوزها، في حين يبرر لطواغيت الحكام كل ما تقترفه أيديهم من تعطيل للشريعة وإفساد للأخلاق وارتكاب للمظالم، فكم من دماء سفكت، ومن أعراض هتكت، وحرمات انتهكت، وحقوق ضيعت فهذا كله حلال ومبرر!«4»

إسلام انقلابي: سواء كان عنيفـًا أو سلميًا، ومنهجه صدامي، قبلته هي الدولة التي يسعى لإقامتها ويرى أنها الدين كل الدين، يهتم بالشريعة التي يختزلها في التقنين أكثر من اهتمامه بالعقيدة والأخلاق، ويري أن إصلاح المجتمع يسبق إصلاح الفرد، وأن وازع السلطان أهم من وازع القرآن.

ذلك من حيث الفكر والذي يترجم نفسه عمليًا في إعلان الحرب على الجميع، فقد كان لهذا الفكر آثار سيئة في أنفس من آمن به من الشباب المخلصين في نياتهم، فحملوا السلاح «ماديًّا أو معنويًّا» على قومهم وأهليهم وأدخلوهم في زمرة الكفار لأنهم ارتدوا عن الإسلام، وباتوا يوزعون تهمة الكفر على كل من يخالفهم من الناس حتى من علماء الدين، وكل ما يدعو للتآلف والسلام والتراحم، وهو ما يقرب من مائتي آية أو أكثر في القرآن الكريم نسخوها جميعًا بآية السيف والتي اختلفوا حتى في تعيينها! «4»

أو أن يكون التفاعل بين الطبقات الثلاثة بَناءً عقلانيًّا يستخدم خطابًا تفسيريًّا مركبًا يؤمن بالثنائية الفضفاضة ويدرك التحيزات الكامنة ويسعى للوصول لدرجة معينة من الموضوعية فينتج عنه تيار واحد

وهو تيار الإسلام الحضاري: الذي يرى الثنائية التفاعلية أو التكاملية في الرؤية الإسلامية، فالإسلام ليس مجرد أمّة بالمعنى البيولوجي أو الإثنيّ أو العرقي، وليس حتى جماعة دينية بالمعنى الروحي الخالص للكلمة، وإنما هو دعوة لأمة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، أي تؤدي رسالة أخلاقية، انطلاقـًا من ذلك يؤكد علي عزت بيجوفيتش أنه لا يمكن إغفال المكوّن السياسي للإسلام وقصره على النزعة التصوفية الدينية، لأن في هذا تكريسًا صامتًا للتبعية والعبودية، ولا يمكن كذلك إغفال المكون الديني «الروحي» في الإسلام؛ لأن في هذا كذلك رفضًا صامتًا للقيام بالأعباء الأخلاقية، إن الإسلام الحقيقي ليس مجرد دين روحي أو طريقة حياة فقط، بل هو منهج ومبدأ لتنظيم الكون أكثر منه حلًا جاهزًا، إنه المُركب الذي يؤلف بين المبادئ المتعارضة، إن الإسلام ليس دينًا ودولة كما يقول البعض -الذين وقعوا صرعى التعريفات العلمانية الغربية، التي تعطي مركزية هائلة للدولة- بل هو دين ودنيا يتوجه للجانبين الروحي والمادي في الإنسان.«3»

وأنعكس ذلك على مواقفه عمليًا بالتبصر في فقه الشرع وفقه الواقع، فلم يقع في تفريط الفئة الأولى والتي تريد للأمة أن يبقي حقها بلا قوة، ومصحفها بلا سيف، ودارها بلا حراس، وحُرماتها بلا حُماة، كما لم يقع في إفراط الفئة الثانية وغلوها، التي تريد أن تشن الغارة على الناس أجمعين، بدعوى أنها تسوق الناس إلى الله، وتقودهم بالسلاسل إلى الجنة، وتأخذ بأيديهم قسرًا إلى الصراط المستقيم.«4»

إن هناك عدم وعي بأن مائتي عام من علمنة الدولة والمجتمع، أدت لتشوه وتشرذم حدث في فهم الناس للدين، لقد شهد القرن الأخير تحولات هائلة في علاقة الدين بالحياة، وتأثير التكنولوجيا على الأخلاق نتج عنها تهدم أسُس التصور التضامني للمجتمع، والذي تتأسس عليه كثير من أحكام الفقه ومقاصد الشريعة.«1»

فقد ربطت الحداثة التيار العام للتدين بالدولة وسقفها والتي هي من مخلفات الاستعمار، وقامت الدولة بتأميم الدين لصالح تصوراتها الحداثية التي تبنتها من الغرب.

مما أثر على الإسلاميين أنفسهم بمختلف توجهاتهم وأنماطهم دون أن يشعروا!

فأنتجت عقلية دولاتية في مواجهة الدولة!

فتصور الإسلاميين عن التغيير والإصلاح المنشود لا يتجاوز تسليم الناس لأدوات القوة لهذا الكيان ممثلًا في أشخاص حزب أو جماعة أو زعيم.

كي يحميهم من أنفسهم، فهي تماثل الدولة القومية الحديثة من حيث البطش والإقصاء، واختراق كل المساحات، والهيمنة على الأفراد، واحتكار الرشد، والحديث باسم الأخلاق، وفرض التقوى، وتقنين المعروف، ومصادرة قوة المجتمع، وقدرات الأفراد.

إن التنظيمات الإسلامية هي بنية حداثية بامتياز بغض النظر عما تقوله هي عن نفسها أو كيف يُصنفها غيرها.«1»

وهو ما سنستكمل بيانه في الجزء الثاني من هذا المقال إن شاء الله

The post ألا في الفتنة سقطوا «1» appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست