عن أجمل الذكريات أودّ أن أكتب، فكلٌّ منا باتت في ذكراه ذكريات جميلة وأخرى مؤلمة ولكن الذكريات المؤلمة هي التي غالبا تراودنا وتطاردنا، فلا نستطيع الهروب منها، أما الذكريات الجميلة فنادرًا ما نجد لها متسعًا من الوقت وغالبًا ما تكون مدفونة في أعماق نفوسنا وحتى حينما نتذكرها نبكي لأنها مضت ورحل أصحابها إما بالموت أو بالفراق.
لكن السؤال: “لماذا لا تستطيع الذكريات الجميلة أن تتغلب على ما فينا من ذكريات مؤلمة؟”.
وربما كنت أودّ أن نتعاطى كبسولة صغيرة من شأنها أن تمحو كل ما في الذاكرة من ألم ويتبقى فقط ما يسعدنا، ولكن هيهات أن يتحقق ذلك.
أنا أدعي أن كبسول الذكريات هذا غير الموجود في الوجود أصلا يمكن صناعته بإرادتنا، ولعلي سألت نفسي ذات مرة: “ألا يمكننا أن نخترع شيئًا يصنع السعادة؟ وهل يمكن لأحد أن يصنع السعادة؟
صراحةّ، تعد هذه المسألة معقدة للغاية، فالسعادة في حد ذاتها فكرة غامضة وكذلك الحزن لأنهما ببساطة مشاعر إنسانية معنوية لا يمكن الإمساك بها أو وضعها في صندوق والأخذ منها وقتما نريد، فهي ليست رصيدًا ماديًّا يمكن وضعه في البنوك كي يزيد بمرور الوقت مع إضافة الفائدة البنكية ولا حتى هو هبة أو ميراث يمكن للأب أن يورثه أبناءه. فلا يوجد شخص يملك السعادة في يديه كي نذهب إليه ونتوسل له كي يعطينا منها ولو قليل.
وأتعجب كثيرًا حينما أرى حكام العالم يتصارعون على الغاز والنفط والمياه والأموال و…، في حين لا يفكر أحدهم في جلب السعادة لشعبه، فحتى الشعوب نفسها لا تفكر في الأمر كثيرًا. فحينما نسأل أحد مرشحي الرئاسة عن برنامجهم الانتخابي يجيبوا بأمور عدة ليس من بينها أبدًا مسألة السعادة. وأظن أن البعض سيظنها فكرة عاطفية مني أكتبها في لحظة أسى حيث أفتقد السعادة وأحاول البحث عنها في مقالي، ولكن الأمر ليس كذلك أبدًا.
ما أتحدث عنه ليس عاطفيًّا على الإطلاق وإنما هو فكرة منطقية جدًّا تحدثت عنها واهتمت بها علوم كثيرة، أهمها ما نسميه في الاقتصاد بـ “اقتصاديات السعادة”، فهو علم متكامل يهتم ويركز على سعادة الإنسان التي ربما يرى البعض أنها غاية لا تدرك. وعن ذلك يقول الاقتصادي ريتشارد لايارد أن الهدف الأساسي للعلوم الاقتصادية هو تعظيم السعادة والرفاهية. لذا فإن رأيي المتواضع أن دور الاقتصادي في المجتمع هو التفكير فيما يسعد الناس، وإن كانت السعادة متحققة، فما أحوجنا يومًا إلى هؤلاء الاقتصاديين!
وقد كتب الاقتصادي ريتشارد إيسترلين مقالًا بعنوان “اقتصاديات السعادة” ولفت الانتباه لنتائج مشوقة أهمها أن بعض الأشياء التي تجعلنا سعداء لها في الواقع تأثير بسيط على إحساسنا بالعافية وحسن الحال.
فيما رأى الدكتور تيسير حسون المتخصص في الطب النفسي “أن السعادة تجد حلاوتها في الأشياء الصغيرة التي لا نقيم لها وزنا”. وأظن أنه محق في ذلك، فحينما سألت عددًا من أصدقائي وزملائي عن أكثر الأمور التي تسبب لهم السعادة، اختلفت إجاباتهم، فواحدة منهم قالت إن السعادة بالنسبة لها هي استقرار الحياة العملية والاجتماعية، واتفق آخرون على أن السعادة هي النجاح في تحقيق حلم ما، وأخرى قالت إن السعادة هي أن أستطيع إنجاز أكثر من عمل عظيم في وقت واحد في حين لا يمكن للناس العاديين الآخرين إلا أن ينجزوا عملًا واحدًا فقط، وقال واحد أن الرقص والكتابة من أهم عوامل سعادته، فيما أعربت أخرى أن “التلوين” بحد قولها يعطيها سعادةً بالغةً وهي إجابة غريبة لكنها لذيذة، وأخرى قالت أن السفر مصدر للسعادة، واختتمت الإجابات بأن واحدًا رأى أن مساعدة محتاج أو ملهوف هو أكبر مصدر للسعادة.
أما ما يخص سؤالي لهم عن أكثر الأمور التي تشعرهم بالحزن، فقد اتفق الأغلبية منا على أن الموت هو أشدّ أسباب الحزن وأصعبها، وقالت واحدة من صديقاتي أن فراق أي عزيز يؤلمني جدًّا ولكن فراق هؤلاء الذين ارتبطت بهم ككيان بلا وجدان لا أعيره اهتماما. ولا شك أن الموت لم يكن الإجابة الوحيدة التي حصلت عليها حيث قال أحد زملائي أن أكثر ما يحزنه هو الكذب والوحدة والخذلان، واختتمت الإجابات بإجابة عجيبة جدًّا لم أتوقع أن أسمعها حيث قال واحد إنه: “لا شيء يجعله حزينا ولا شيء يجعله سعيدا”، فهو يعيش من دون أن يذوق طعمًا لشيء، كيف له هذا، لا أعرف!
عودةً إلى الذكريات السعيدة، ربما صحيح أن السعادة غاية لا تُدرك وإذا أدركتها في حياتك، فكم أنت محظوظ. قد استوقفتني أختي معبرة عن رأيها بأن السعادة لا يمكن معرفتها أو الشعور بها إلا حينما يتعرض الإنسان للحزن الشديد، فهي ترى أن السعادة هي أن تعيش حياتك في استقرار مادي ومعنوي بين أسرة وأهل وأصدقاء تبادلهم ويبادلونك المحبة، وتكون أنت في خير وهم في خير، أما إذا حدث ما يعكر صفو هذه الحياة الطبيعية الهادئة، حينها سوف تشعر بفقدان السعادة وتذوق وجع الحزن على عزيز فقدته أو قريب وقع في دوامة المرض أو ضائقة مالية كدرت عليك حياتك أو فقدت المحبة فأصبحت حياتك باردة ومملة.
وأنا أتفق معها في هذا الرأي، فهل يشعر الإنسان بحلاوة الشيء إلا حينما يتذوق مرارة نقيضه؟ وهل يعرف الإنسان قيمة الماء إلا حينما يظمأ؟
ولا شك أن شبح الفراق أو الموت تحديدًا هو أكثر ما ينغص حياتنا جميعًا برغم أننا على يقين أننا جميعا راحلون وأن الدنيا ذاتها بكل ما فيها راحلة، وهنا يكمن مربط الفرس، فهذا يشبه موقف صديقتي التي تعرف أني سوف أرحل عنهم قريبًا إلى مكان ﺁخر ومع ذلك فهي ترفض أن نذكر ذلك أمامها، عجبًا لنا نحزن لأمور نعرفها مسبقا ونحاول إنكارها!
قرار .. ولم أتخذه
الأفكار في ذهني اصطدمت ببعضها كثيرًا، وفي النهاية وصلت إلى فكرة واحدة تجذب كل الأفكار إليها وهي أن “السعادة قرار”، وكذا “فالحزن قرار”، فلتأخذ أنت قرارك وتعشه كما تريد وكما يحلو لك. فكل شيء في حياتك هو نتيجة قرار اتخذته واقتنعت به، فلم يكن صحيحًا أن تلقي اللوم على الآخرين حينما رسبت في الامتحان لأنه كان نتيجة قرارك بعدم المذاكرة وعلى نفس المنوال، لا تلقِ اللوم على أحد لأنك تعيس، فتعاستك نتيجة طبيعية جدًّا لقرارك بألا تكون سعيدًا.
عزيزي القارئ، إن كنت غير قادر على اتخاذ قرار السعادة، فرجاءً لا تظلم نفسك باتخاذ قرار الحزن، فلتقل لنفسك: “الحزن قرار وأنا لم أتخذه بعد”.
The post كبسول السعادة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست