لم يكن كأي صباح فالشمس كانت مخنوقة وسط السحب وكأنها تخشى أن تكون حاضرة. كنا في السيارة التي تقلنا إلى العمل ككل يوم ولكن اليوم كان كغير يوم فالرابع عشر من أغسطس هو يوم الامتحان!
حينما قطعنا نصف المسافة بدأت الأخبار تتوارد عن البدء في فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة ولكنني لم ألتفت إليهم وقتها ولم أعرهم اهتمامي ليقيني أن الجيش المصري لم ولن ينجر إلى العنف ولن يقتل مصريًّا مهما كان حتى وإن كان هؤلاء المتأسلمين تجار الدين فهذا هو جيش النصر جيش أكتوبر.
اقتربنا من العمل والسيارة ما بين صامت وباكٍ وشامت ومبتسم وأنا مازلت ثابتًا عند موقفي أن الجيش الذي يحمي لا يقتل. وصلنا إلى العمل وفي طريقي إلى مكتبي المتواضع وجدت من يجري إلى بوابة الخروج وهو يصيح “أنا قلتله هيفضوه” وآخر يهرول صامتًا والدموع تسبقه للخروج. وأنا على نفس قناعاتي بأنها محاولة إخوانية لكسب تعاطف المصريين وأن تلك الأعداد التي أسمعها عن القتلى كلها أكاذيب كما اعتدنا منهم طيلة الوقت.
حينما دخلت مكتبي وفتحت جهاز الكمبيوتر الخاص بي وبدأت في الدخول على الإنترنت لمحاولة فهم ما يحدث فتفاجأت بكم الدم الذي ظهر جليًّا في الصور التي تنشر هنا وهناك وكعادتي لا أصدق هؤلاء المدعين تجار الدين فقمت بالدخول على صفحات الصحافة القومية والوطنية حتى أجد النفي صريحًا لأقوم بإعادة نشرة على صفحتي الخاصة وأقوم بالإشارة إلى بعض تجار الدين الذين يملأون مواقع التواصل الاجتماعي ضجيجًا. لكنني لم أجد النفي ووجدت كل الصفحات والمواقع سواء معارضة أو موالية تتحدث عن وقوع عشرات القتلى ومئات المصابين.
وقتها لم أستطع أن أكذب ما يروج أكثر من ذلك فكل الشواهد تدل على وجود مجزرة ارتكبت في حق هؤلاء المتأسلمين تجار الدين! وبدأ عقلي في الشتات وطرح الأسئلة بالعشرات هل تجار الدين متسلقي السلطة من الممكن أن يدفعوا حياتهم ثمنًا للسلطة! كيف ولماذا فإن كان من أجل السلطة فها أنا أموت فأي سلطة تلك التي أسعى إليها؟
بدأت أتحسس رأسي من هول ما سمعت ورأيت حتى جاء أحد الزملاء الذي كان يصدع رؤوسنا ليل نهار بهذا الإستبن الذين اعتصموا من أجله والذين يموتون الآن أيضًا من أجله وكان منهارًا ويتحدث بصوت غير مسموع من كثرة البكاء وحينما سألت أحد الزملاء المقربين منه عن سبب البكاء فقال لى إن كل عائلته معتصمة في رابعة بما فيهم والدته وزوجته وأولاده! وهنا بدأ يشط جنوني كيف له أن يعرض حياة أغلى ما يملك للخطر هل ذلك من أجل ذلك الإستبن ورفاقه البلهاء!
بدأ الزملاء في العمل في الانصراف على مجموعات وكانوا يتبادلون الاتصالات مع غيرهم في الخارج ليخبروهم بأنهم سينزلون للشارع ولو وحدهم للتنديد بما حدث من مجازر بحق إخوانهم كما وصفوهم، وبعد ساعة قرر مدير عام الشركة غلق الشركة نظرًا للأوضاع في البلاد وحينها لم أعرف إلى أين أذهب. هل علي الذهاب مثلهم للتنديد بما حدث أم أنهم ثلة من الخراف لايستحقون البكاء والعويل.
أم أنضم إلى هذا التجمع الذي شاهدته لتوه لمجموعة من العجائز والنساء والشباب الذين يتراقصون على أغنية “تسلم الأيادي” فرحًا بالخلاص من هذا الاعتصام الذي عطل حياة المصريين وعكر صفو فرحتهم بثورة الثلاثين من يونيو.
ولكنني قررت أن أبقى وحيدًا شريدًا كما كنت أفكر في دوافع من سقطوا خلال أحداث الثورة، أفكر في ضحايا محمد محمود ومجلس الوزارء، أفكر في ضحايا جمهور النادي الأهلي ونادي الزمالك وضحايا ماسبيرو ضحايا الجيش والشرطة في سيناء وداخل العمق وغيرهم. وأفكر في رد فعلي بعد سقوط هؤلاء هل ضحايا يناير شهداء أم أن الشهادة حصرًا لمن سقطوا وهم يرتدون البزة العسكرية؟ هل ضحايا رابعة العدوية الذين سقطوا الآن شهداء أم مخربون ومصيرهم جهنم وبئس المصير؟
كيف انقسمنا على الدم هكذا وأعطيناه ألوانًا كثيرة رغم أنه أحمر لا يتلون رغم أنه كله حرام كما أخبرنا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: “والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا”، وفي رواية أخرى: “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلمٍ”، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كيف أصبح حالنا حينما يتعرض الجندي والضابط للموت على يد إرهابي خسيس من الدعاء له بالرحمة إلى الدعاء عليه بالعذاب المبين؟ وكيف تحول حالنا حين يموت مصريًّا اثناء تظاهرة للمطالبة بحقة من كونه بطلًا وشهيدًا أثناء ثورة يناير إلى خائن وعميل ويستاهل الآن؟
لماذ لم يعد يبكينا الدم وكأنه أصبح رخيصًا؟ كيف هان كلٌّ منا على الآخر حتى أصبحنا نهون على العالم بما فيه وأصبح المصري مطية ذات ثمن بخس.
لقد وضعتنا رابعة وإخوتها في أكبر اختبار لإنسانيتنا نجح فيه من نجح وسقط فيه من سقط. الإنسانية لا تتجزأ فالإنسان هو الإنسان أينما كان سواء كان جنديًّا أو متظاهرًا ليبراليًّا أو إخوانيًّا. احذروا من سقوط إنسانيتكم في اختبار رابعة لأن الأرض لا تشرب الدماء.
احذروا من سقوط إنسانيتكم في اختبار رابعة لأن الأرض لا تشرب الدماء.
The post رابعة وأخواتها appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست