الاثنين، 4 يناير 2016

ثقفني اون لاين : على مرأى ومَسمع من الشعب!

ذاتَ مرة فور انتهائي من صلاة العصر في مسجد بشمال مدينة عَمّان؛ سَلّمَ عَليَّ رجل بالغ في العمر، سلامًا غير تقليدي، غير سلام البدعة المعهود بعد الصلاة، والابتسامة تبدو على مُحياه، شدّ من أزري وأَشَرك نفسه في أمري وأمر كل مصري، بدأ وانتهى بالحديث عنها، أقصد بلدي. يبدو أنه يحبها، وعلى دراية جيدة بما تمر به، سألني عن عملي وعمل المصريين هنا في الأردن وتَردّي وضعهم بشكل عام! قال: “منذ زمن، كانت تأتينا الأموال من مصر، لذلك سميناها “مصاري” أي نقود مصرية”؛ وافقته مكملًا هذا وقت أن كان محمد علي باشا واليًا على مصر، وكانت هناك بلاد من الشام تابعة لحكمه. قال: نعم. أكملنا حديثنا، سَلمَ كل منا على الآخر، على أمل اللقاء.

مشكلتنا ليست في قِلة المصاري. محمد علي كان يُصنّعها. نحن إلى الآن نمتلكها، ليست بصورتها التقليدية، نمتلكها في مواردنا الضخمة، نأتي في المرتبة الثالثة عالميًا بعد أمريكا والعراق من حيث الموارد، لدينا أيدٍ عاملة كبيرة، نمتلك ثلث ما يمتلكه الوطن العربي لسكانه البالغ 360 مليونًا، نمتلك المساحة الكبيرة للإعمار، نمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، نمتلك شواطئ البحرين الأحمر والأبيض غير نهر النيل والبحيرات الصناعية، نمتلك ثلث آثار العالم إضافةً إلى السياحة الدينية غير المستغلة.

المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية اختيار المسؤولين في دولتنا، الاهتمام بالأمور الفارغة عنها من القضايا المهمة، معيار الاختيار لا يزال على أساس الوجاهة والشياكة! نختار اللصوص بثقة عمياء، اختارت الدولة صلاح هلال وزيرًا للزراعة فوجدنا تورطه في قضايا فساد مع رجال أعمال ومسؤولين بالدولة. تَحدّث الإعلام شهورًا عن حلاوة ورشاقة وزير الإسكندرية! اختار محمد مرسي هشام قنديل من بين 90 مليون مصري لوسامته فانشغل بتصريحات الصدور بدلًا من صدور التصريحات!

كان كل ما يشغلنا في المؤتمر الاقتصادي الماضي، عدم ذكر كلمة المانحين أو الداعمين، تركنا كل شيء وتحدثنا عن العاصمة الإدارية مع عدم جدواها! من يتم تكليفهم بتشكيل الحكومات تجد اختياراتهم تنحصر في ضرورة الجمع بين الشباب والخبرة حتي لا يحتج أحد، اختيار عناصر تشير إلى الاهتمام بالأقليات كوجود المرأة وتمثيل الدين المسيحي، للتعبير عن التحضر والسلام والوئام! وآخر معاق للمعاقين ووزيرة للقوى العاملة والهجرة، نتيجة ذلك يتم توظيف حفنة رجال ونساء تافهين لا نفع يُرجى منهم، فيزداد الحال سوءًا يومًا عن آخر!

منذ يوليو 1952 أصبح الموظف الحكومي يتقاضي راتبًا لمجرد ذهابه إلى العمل، دوره روتيني فقط، لا يُنتِج ولا يُبدِع، أصبح الموظف الحكومي يمثل عبئًا حقيقيًا على الدولة، العمل عنده أصبح روتينًا مُمِلًا في الحضور والانصراف، اعتاد المواطن أن يرى على مكتبه ما لذ وطاب من الطعام كل صباح.

يساهم ناديي ريال مدريد وبرشلونة في اقتصاد إسبانيا بأرباح تصل إلى 7 مليار دولار سنويًا، بينما يصرف اتحاد الكرة على الأهلي والزمالك حوالي 6 ملايين جنيهًا سنويًا غير المنتخبات وباقي الأندية والتنظيمات!

ذكر جهاز التعبئة العامة والإحصاء مؤخرًا بلوغ حجم الاستيراد من السلع غير الهامة في النصف الأول من العام الحالي مليار دولار، أي بما يعادل سنويًا 2 مليار دولار، إذا كانت سلعًا غير هامة؛ لماذا لا يتم الاستغناء عنها، ماذا يحدث لو لم يشرب الشعب المصري الأناناس ولم يتلذذ بالتفاح المستورد، ولم يستعمل ورنيشًا من الخارج، وترك أكل الكاتشب، وتوقف عن الطبخ بالطماطم الصغيرة، ومنع نفسه من مضغ اللبان! ماذا لو تم توفير هذا المبلغ، بالطبع سوف يغنينا عن التذلل لصندوق النقد الدولي والمؤسسات الغربية، ولكن يتصرف المسؤولون في بلادنا بغير حكمة وبدون عقل مع الأسف.

تكلم الرئيس في خطابه الأسبوع الماضي عن محاور هامة، نأخذ منها ما يخص كلمتنا، تكلم عن العمل، اختزل الحكومة في نفسه، قال أنا أعمل، استَدل بآيات العمل من القرآن، نصح الشعب بالعمل، حذره من يوم القيامة إن لم يعمل، هنا لي تعقيب:

دور الرئيس رقابي فقط، فلا يكلف نفسه إلا وسعها، لكن هل الحكومة تعمل بالشكل المطلوب؟ هل وضعت خطة استثمارية للنهوض بالدولة؟ هل ذكرت ذلك؟ هل حددت وقتًا؟ هل شغَلت الرأي العام بذلك؟ هل أطلعت الشعب على خطتها؟ هل نشرتها على شاشات العرض بالشوارع؟ أَم تسير بطلعتك البهية! يومك بيومك، سبهللة وبالبركة، مثلما يقول الخال عبدالرحمن: “ياعم تعالى بس واشرب شاي، ده بلدنا حلوة وشعبنا نساي”.

مضى من حقبة الرئيس أكثر من سنتين أي بما يساوي ربع خطة البرازيل للتنمية التي استغرقت حوالي 8 سنوات، هل ما حققته البرازيل في أول عامين يتناسب ويتساوى بما حققناه في قناة السويس ورغيف العيش، “فات الكتير” أغنية لمحمد منير غنّاها بدعوة للتفاؤل والنجاح، فات الكثير تتوارد على ذهني بمعنى ضاع الكثير، فات الكثير تعبر عندي عن الخوف والقلق.

لن نَكذِب على أنفُسنا، المشاكل كثيرة وكبيرة تتلخص في عدم التخطيط، الاعتراف أول بوادر الحلول، ثم المواجهة بعد ذلك، إن كان لدى الحكومة نية، عليها وضع خطة اقتصادية زمنية وتقديمها للبرلمان، وإطلاع الشعب عليها، يكون فيها تطوير الأداء الحكومي ومنع تعيين أبناء العاملين. يكون فيها الاهتمام بالمشروعات الصغيرة، والعشوائيات، يكون فيها تطوير التعليم والصحة والزراعة، يكون فيها تطهير ومحاسبة الشرطة والقضاء، يكون فيها إقرار حقيقي للحد الأقصى للأجور وبيان من يتحصل عليه أمام الناس، يكون فيها الاهتمام بالسياحة الدينية، والاستفادة من الشواطئ المائية، وعدم تصدير المواد الخام، يكون فيها إشراك الأندية الشعبية والمحطات الفضائية والشركات الخاصة في إنجاز وتشييد مشروعات معينة بفترة زمنية معينة وبجودة عالية، يكون فيها فرض ضرائب غليظة على رجال الأعمال ومشاهير الكرة والفن والإعلام، يكون فيها تشكيل هيئة هندسية رقابية مباشرة من القوات المسلحة ومَن لديهم انتماء وطني؛ تباشر الخطة، تراقب وتعرض نتائج على الشعب بصفة مستمرة، الاستعانة بهيئة رقابية دولية موثوق بها تتابع وتبدي ملاحظات.

كل دول العالم الآن تواجه التطرف والإرهاب، الجميع الآن يعاني من الفوضي، لسنا فقط من يعاني! هناك من ابتلي مثلنا بالعشوائيات والتكدس السكاني، لم أتكلم من الخيال، مواردنا كثيرة تحتاج فقط لترويض، المادة الخام متاحة، تحتاج لتحويل الإمكانات الموجودة، تحتاج لتوظيف، ولست أتحدث من شرنقة خارجية، مَن لا يَعمل لا يأكُل، العالم يتغير، يحتاج لمواكبة، حققت البرازيل وسنغافورة وماليزيا وتركيا التقدم، جميعهم تحدوا ما نواجهه بإمكانات أقل، تم اختراع العجلة، لن يكلفنا الزمن اختراعها، علينا فقط تدوير المحرك وتطويره، يمكن أن يتحول الحلم إلى حقيقة، بحكومة عملية وعلمية، بمتابعة من الرئيس والجيش معًا، بوضع خطة واضحة المعالم، على مرأى ومسمع من الشعب، لو كنا نريد!

 

The post على مرأى ومَسمع من الشعب! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست