الخميس، 13 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : العوامل النفسية المؤثرة على الباحث عن الحقيقة

أرى أنَّ أخطرَ عثرةٍ قد تواجهُ الباحثَ عن الحقِّ والمثقفَ هي العواملُ النفسيةُ والعاطفيةُ المؤثرةُ في استقامةِ طريقِ بحثِه وقد تُدخلُه في التناقضِ وتجعلُه يتيهُ بين آراءَ شطحاتيةٍ تحملُ مغالطات كبيرة، وغالبًا ما تكونُ تلك العواملُ لا إرادية أو لا واعية، تلك العواملُ أشبهُها بالمغانطِ التي يحملُها السائرُ في جيبه والتي تؤثرُ على بوصلتِه فتحرف مسارَه، ولكي أكونَ أكثرَ واقعية وأقرب للواقعية من التنظيرِ سأتحدثُ عن جزء من تلكَ العواملِ تفصيلا،
ملحوظة:

ما أتحدث وسأتحدث عنه إنما هو عقباتٌ نفسيةٌ وتحليلٌ لها وليس محاكمة للنوايا، والفرقُ بين الأمرين:

أولًا: أني أحاكمُ ظاهرةً غيرَ متخصصةٍ بشخصٍ، أما محاكمةُ النوايا فمختصةٌ بالشخوصِ لا الظواهر.

ثانيا: إن العواملَ النفسيةَ لا واعية ولا إرادية أما النوايا فهي واعيةٌ وإرادية.

العامل الأول: شهوة الشعور بالاضطهاد

وتعني أن يحب الإنسان ويشتهي إظهار أنه مضطهد وأنه مكافح ضد هذا الاضطهاد، والذي ينعكس على فكر المثقف وسلوكه البحثي

تحليل العامل

عند تحليل هذا العامل النفسي نجده مبنيا على أمرين:
الأول / غريزتا حب المدح وحب التعاطف والتضامن فيظهر بظهور المضحي من أجل فكره.

أما الثاني / فهي العلاقة التي تكونت أذهاننا بين نجاح عظماء المفكرين من جهة والاضطهاد الاجتماعي الذي تعرضوا له من جهة أخرى
فتكونت علاقة ذهنية نتاجها أن نجاح المفكر والمثقف يمر عبر ممر الاضطهاد الاجتماعي له.

تأثير العامل على فكر المثقف:

يؤثر هذا العامل على فكر المثقف في آرائه وسلوك تفكيره وحدّة طرحه ولذاعة نقده، فيتجه لا إراديا ودون وعي لتبني أكثر الآراء استفزازا لمحيطه، ويطرحها بأشد الأساليب حدة فيستفزَ محيطه فيهاجمونه فيشبع وقتئذٍ هذه الشهوة داخله، ما يجعل فكره قائما على الانتقائية وعدم الاتساق ويجعل طرحه عنيفا غير متوازن ويجعل نقده معول هدم لا معول بناء
مراعاة هذا العامل ومحاولة كظمه تجعل فكر المثقف متزنا، ومنهجيته البحثية والتطبيقية عملية واقعية.

العامل الثاني: ردة الفعل

عامل ردة الفعل على الصعيد النفسي للمثقف والباحث يمكن أن نجمله بأنه؛ الميل لتبني فكر أو آراء كردة فعل على فكر سائد أو على موقف وحالة عايشها المثقف فأثرت فيه، وكذلك التطرف في طرح الرأي ردا على تطرف مقابل.

تحليل العامل

ردة الفعل سلوك نفسي كما هو سلوك فيزيقي وتُبنى الآراء بناء على ردة الفعل إنما هو من الإعلاء الذي هو من الحيل النفسية الدفاعية بلغة فرويد؛ فالمثقف أو الباحث يعلي رغبته بالانتقام من واقع ما أو رغبته بإدحاض الرأي المقابل يعلي تلك الرغبة، ويبدلها بتبني فكر مضاد أو آراء ردية يفرغ فيها وبها رغباته تلك.

تأثيرها على فكر المثقف

لعل عامل “ردة الفعل” من أشد العوامل تأثيرا في سلوك المثقف فكريا، ومن يراقب موجات الإلحاد في العالم العربي يتأكد يقينا أنها ردة فعل على التزمت الديني والانغلاق الفكري، وكذلك موجات ازدراء التراث ردة فعل على التدين التراثي والفكر التكفيري، وكذلك التدافع بين السنة والشيعة أنتج آراء متطرفة عند الجانبين.
والمثقف عندما يدخل في حوارات حادة مع من يخالفه، أو يتعرض لمهاجمة بسبب آرائه يزيده ذلك تطرفا في رأيه وتطرفا في حدة طرحه كذلك. مراعاة هذا العامل يجعل الباحث أكثر اتزانا عند تبنيه الأفكار، وأحكم في الطرح وأقل تطرفا في الرأي والأسلوب.

العامل الثالث: الانتصار للذات

الانتصار للذات في الرأي عند المثقف غالبا ما يثيره النقاش والمناظرة والسجالات الفكرية، وإجمالا هو أن يرتئي المثقف ويتبنى آراء هو لا يؤمن بها حقيقة، ولكنه يتبناها بشكل غير واعٍ انتصارا لذاته غالبا في مساجلة أو حوار ويختلق لها الأدلة والمسوغات، أو أن يزيد تطرفا في رأي يؤمن به حقيقة انتصارا لذاته.

تحليل العامل

غالبا ما يتحول النقاش من اختلاف في الرأي والفكرة إلى مواجهة ومجابهة شخصية بأداة الرأي والفكر، فبدل أن يكون الرأي هو الشأن الرئيس تصبح الشخوص هي الشأن الرئيس. فالمثقف عندما يتبنى رأيا يكون رأيه هو ونسبته عائدة لشخصه، فملكية الرأي تختلط داخل لاوعيه بالملكية المادية؛ فيدافع وقتئذٍ عن رأيه كملك شيء مادي خاص به، ومن هنا يبدأ تحور النقاش من المسرح الفكري إلى المسرح الشخصي، ويصبح انتصار أحد الرأيين انتصارا لذات صاحبه
وقد تعرض القرآن لهذه القضية “ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ءاية ما تبعوا قبلتك”، “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسُهم ظلما وعلوًا”.

تأثيره على فكر المثقف

للأسف، الانتصار للذات وقع فيه كبار المفكرين والفلاسفة في مناظراتهم بشكل واضح جدا، وبعضهم اعترف بذلك، ومن يطلع على المناظرات الفكرية بين كبار المفكرين يلاحظ ذلك بكل جلاء، ولعل أجلى وأصرخ مثال على ذلك السجالات التي دارت بين الرافعي وعباس العقاد وطه حسين، إذ وصل الأمر بهم للسباب والشتم والإهانة والتجريح وكتاب “على السفود” للرافعي مثال على ذلك. كذلك السجالات بين الفيلسوف ابن رشد والإمام الغزّالي ومسالات ابن تيمية مع مخالفيه والتي جنح فيها للتكفير والسباب، والسجالات بين جورج طرابيشي والجابري.
وفي الوقت المعاصر السجالات التي دارت بين د.عدنان إبراهيم والشيخ عثمان الخميس واعترف د.عدنان إبراهيم بنفسه في برنامج تلفزيوني بأنه انتصر لنفسه في عدة نقاط طرحها في هذه المساجلة. هذا العامل يدخل المثقف في شخصنة الحوار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويحرف وجهته عن عين الحقيقة إلى عين ذاته وأحيانا ما يقع في التناقض بين ما يسجل في النقاشات وبين ما يسجله في جو متعادل بعيد عن الجدالات.

مراعاة هذا العامل تجعل المثقف أكثر موضوعية بعيدا عن الشخصنة والذاتية، وتجعله أكثر اعتدالا وأبلغ حجة وأقرب لوجه الحقيقة من وجه نفسه. وختاما أسجل أمرا قرأته أمس، وهو أن أبا حنيفة النعمان كان إذا اشتد جداله مع أحد يقول له تعال اجلس مكاني ودافع عن رأيي، وأنا سأجلس مكانك أدافع عن رأيك، وهذه حركة ذكية جدا لعله هدف من خلالها الإمام أبو حنيفة أن يجعل مناقشه يفصل بين رأيه وشخصه أثناء الحوار؛ لكي لا يقع في الفخ النفسي” الانتصار للذات.

 

العامل الرابع: تقديس الشخوص

هذا العامل متعلق بربط الفكر والرأي بالشخوص. وإجمالا هو أن يربط المثقف صوابية رأي بمصدره بدافع حب وإعجاب، قد يصل للتقديس لشخصية ما أو مفكر ما.

تحليل العامل

الإنسان بطبعه يميل لاقتفاء القدوات وتمجيد أبطال الفكر والرأي وأصحاب الفكر الواثق متكامل الأركان، وكذلك من طبع الإنسان المبالغة في التقديس كما يبالغ في التحقير كذلك، يبالغ في تقديس الشخصيات حد الخلط بين الناسوت واللاهوت والتاريخ عامر بتأليه الشخوص، ولأن الإنسان لا يستطيع بسهولة وضع حد واضح وبرزخ مبين بين فكر هذه القدوات وشخوصها فتدخل آراؤهم وفكرهم في هالة التقديس، كذلك قد يكون التقديس ردة فعل على تقديس مقابل – تقديس أصحاب الفكر المقابل لأئمتهم – على غرار؛ “يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط”. وقد تعرض القرآن الكريم لهذا العامل عندما قال: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله”.

تأثير العامل على فكر المثقف

من يراقب تاريخ الفكر البشري يجد عامل تقديس الشخوص والتأثر بمنهاجهم واضحا جدا وفاعلا جدا، وهذا ما يفسر وجود تيارات فكرية واضحة المعالم وكل تيار على رأسه مرشد وقدوة.
ابتداء من التيارات الفلسفية من تيارات سقراط وأفلاطون وأرسطو ومرورا بالتيارات الدينية واللادينية والإلحادية ومرورا كذلك بتيارات التنظيمات العالمية كالاشتراكية والرأسمالية وانتهاء بالمنظمات والجماعات المعاصرة، ولا تكاد ترى تيارا أو منهاجا بلا منظر يُقتفى أثره فكرا وعملا؛ وهنا تكمن خطورة هذا العامل حيث يطمس الفكر الفردي تحت سطوة الفكر الاتباعي والتقديسي، ويصبح المثقف نسخة مكرورة في عداد النسخ التابعة.

مراعاة هذا العامل يجعل المثقف أكثر حرية في مسار بحثه الرامي نحو الحقيقة، ويكون له تفكيره الخاص غير المتأثر، ويجدر بالذكر أني جاورت بين عاملي “الانتصار للذات” و”تقديس الشخوص” وذكرتهما تباعا بشكل متوالٍ، حتى يوازن المثقف فكره ورأيه بين هذين العاملين؛ فلا تكون نزعته ذاتية انتصارية لنفسه ولا يكون ممحي الذات ونسخة مكرورة من غيره.

The post العوامل النفسية المؤثرة على الباحث عن الحقيقة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست