وأنا مثلُه
“أديش صرلك هون؟
إذا ما أمنّت حالك خلال هالشهرين تأكد إنو ما في أمل بها البلد”.
تناهت هذه الجملة إلى سمعي وسمع صديقي في إحدى محطّات المترو، ابتسم كلانا وصمت ألف سؤال بداخلنا.
نحن أيضًا كنا نتناقش في الموضوع ذاته منذ قليل، في الهجرة والحلول التي تقدمها الهجرة لنا وقد باتت الحل الأمثل والوحيد بالنظر إلى حالنا هنا في تركيا.
هجرة..
بات موضوع الهجرة إلى أوروبا بحدّ ذاته حلمًا عند الكثيرين، يريدون الوصول إلى أوروبا لمجرد الوصول إلى أوروبا، ببساطة لأنها أوروبا .
بينما لا تشكّل أوروبا بالنسبة للبعض، سوى بوابة عبور نحو مستقبل أفضل، سواء لإكمال الدراسة، أو إيجاد عمل يتناسب وخبراتهم، إنشاء مشاريعهم الخاصّة في بلد تعاملهم كمواطنيها تمامًا وتضمن لهم كامل حقوقهم قبل أن تُملي عليهم واجباتهم ..
وصديقي يُحسب على الصنف الثاني، حيث بات يرى في الهجرة حلًّا أمثل لتحقيق أحلامه وطموحاته، ومنفذًا لأحلامه بعيدًا عن ضغط العمل وهو الذي يعمل لأكثر من جهة ليكون نوعًا ما مستقرًّا ماديًّا.
وأنا مثله، أرى فيها حلًّا أخيرًا بعد استنفاذ الحلول كلها.
“في هذه البلد بدأت أنسى طموحاتي وأحلامي، بتّ أسيرُ تبعًا للظروف ضاربًا بمخططاتي القديمة عرض الحائط، وضعي هكذا يرهقني، فأنا أعمل لشركتين ووضعي في كلتيها لا يعجبني”.
تقول عيناه المتعبة ذلك كل يوم قبل أن يُصرّح بذلك مرارًا.
دراسة..
صديقي نفسه تخلّى منذ زمن عن فكرة متابعة الدراسة، أعلم تمامًا أنه تخلّى عن التفكير والحديث حولها لا أكثر، بينما أحلامه تكاد تحوم حولها طوال الوقت وأنا مثله في هذا.
يحاول إقناع نفسه وإقناعي أنّ النجاح والوصول إلى الأهداف لا يحتاج بالضرورة بضع أوراق تقيّمنا وقدراتنا “شهادات”، وعلينا أن نكفّ عن تقييم الناس تبعًا لشهاداتهم، فكثير من العظماء لا يحملون تلك الشهادات، وهو يعلم أنّه كاذب وأنّه في داخله يتوق لإكمال دراسته مثلي تمامًا.
أنا الآخر أتحرّق شوقًا لأكمل دراستي، ولكنّي أيضًا لم أعد أذكر ذلك بصوت عالٍ حتى أمام نفسي، انتظرت المنح الدراسيّة سنة بعد أخرى حتى قبل أن أنتقل للعيش في تركيا، ولم أنجح في التسجيل فيها حتى لأنّ عمري بات أكبر مما نُصّ عليه.
“أيّ قانون هذا؟”
وأنا طبعًا لن أرتاد جامعة خاصّة ولا حتى عامّة دون منحة، فكلاها بحاجة إلى مصاريف ولو كانت أقل بما يقارب النصف في حالة الجامعات الحكومية.
معظم أصدقائي ممّن أتيحت لهم فرصة إكمال الدراسة يعتمدون على أهلهم سواء بشكل كلّي أم جزئي، بينما لا يستطيع الآخرون التوفيق بين عمل ودراسة.
فتركيا بلد ماديّ بوقاحة.
“في هذا البلد تستطيع تأمين حاضر مؤقّت لك، لتحيا (تأكل وتنام) دون حاجة لأحد، بينما لا يعطيك مجالًا لتأمين مستقبل أو التخطيط له”.
كثيرًا ما أردد هذه العبارة في لحظات سُخطي الكثيرة في الواقع.
أنا لم أعد قادرًا على إلقاء مسؤولياتي على أهلي مجددًا، ليسوا ملزمين بتحمّل مصاريفي بعد، بالأخص في ظلّ تدهور اقتصادي في دمشق والذي كالعادة لا يؤثر إلا على المدنيين العامّة.
صديقي الأوّل مثلي تمامًا، لم يعد يطيق الفكرة.
فقد بلغ الخامسة والعشرين تقريبًا، وحريّ به “كما يقول” أن يساعد أهله بكل الوسائل لا أن يتلقى منهم المساعدة والمصروف حتى وهو في بلد آخر.
هو ينتظر إنهاء بعض الأمور لينطلق، وأنا مثله أنتظر.
عمل..
صديقٌ آخر في سكني ينتمي للفئة التي تعمل وتعمل، ولا تجد وقتًا للاستجمام أو التفكير في إكمال الدراسة، طموحاته تتضاءل وتضمحلّ مع الأيام وجميعنا مثله..
إلا أنّه لم يعد يتشبّث بشيء بينما نحن نفعل.
فقد أضحى أقصى طموحه في الوقت الحالي هو تأمين عمل يقدّر جهده ووقته، ويمنحه ما يتناسب معها، و”الاستمرار” فيه.
هو يرى نفسه مستقرًّا هنا، يدّخر بضع مئات جانبًا، علّه يقوم بما يهلوس به يوميًّا، ويحضر أهله إلى تركيا بحيث يكون مطمئنًّا معهم وعليهم.
لست مثله هاهنا، فأنا لا أخطط مطلقًا في انتزاع أهلي من دمشق، هم يرفضون ذلك، وأنا لا أعارض، فلست أجد في تركيا حلًّا أفضل.
ففي جميع الأحوال سيكونون مضطرين لبدء حياة جديدة في مجتمع جديد بعيدًا عن بيتهم “الخاص” وعملهم شبه المستقر.
لا أنكر خوفي من تأثير الحرب عليهم في كثير من الأحيان.
إلا أنّه أحيانًا يغدو كسيناريو مقبول أكثر من السفر إلى بلد قد لا تستطيع فيه استقرارًا أو اكتفاء، ومن طلب المساعدة من أحد.
استثمار..
زميل آخر في السكن، تختلف أحلامه وطموحاته عنّا.
أولًا هو كبير في السن، أو دعنا نقل: أكبر من أن يحصر رؤيته في عمل ودراسة.
ثانيًا هو صاحب مطعم شهير في دمشق، أغلق مؤخرًا.
هو هنا بهدف الاستثمار، ليفتح مطعمًا عوضًا عن مطعمه المغلق في دمشق، فهو ليس بحاجة إلى عمل أو فرصة.
فهو يؤّسس عمله بنفسه، وبأمواله طبعًا، كثيرون هم رجال الأعمال السوريون وكثيرة هي مشاريعهم ومطاعمهم ومؤسساتهم.
أهدافهم واضحة، وقد باتت حاضرة أو على الأقل قيد الإنجاز، رؤيتهم تتبع مصلحتهم، ومصلحتهم يحددها مقدار الربح.
ربما، هم وحدهم من يعرف وجهته هاهنا، ولسنا مثلهم.
فالريح تجري كما تشاء، لا كما نشاء وتشاء مراكبنا، ومع ذلك لا نزال نحلم وسنظلّ كذلك حتى يتحقّق الحلم أو جزء منه.
في سكننا هذا، نشبه بعضنا كثيرًا، كما نختلف عن بعضنا.
لي رؤيتي ومخططاتي، ولهم رؤيتهم ومخططاتهم.
لديّ أحلامي الخاصّة وهم جميعًا مثلي.
إلا أني أستيقظ كل يوم على دويّ ارتطامها بأرض الواقع وهم ليسوا مثلي في ذلك.
فهم يتابعون نومهم، غير آبهين لذلك الوقع.
تنتابني نوبة جنون أخرى فأصرخ وأنقم وأكيل اللعنات على كل شيء.
ألعن نفسي، والنقود المتبقّية في محفظتي، والسكن الشبابي، وزملاء السكن، وأحلامهم وأحلامي، وتركيا وأهلها ولغتها، وألمانيا وأهلها وطريقها.
ووسائل التهريب والمهرّبين، والمفوضيّات الأممية، والعرب وكل حكّام العالم.
وأستمرّ باللعن، وهم أيضًا، مثلي تمامًا.
تنتهي أحلامهم بالشيء ذاته كل يوم، ونهايتها صوت لعناتي.
The post وأنا مثله appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست