التوحش الداعشي خطر يهدد مصر
مخطئ من ظن أن ظهور داعش في سوريا والعراق كان بسبب التطرف الديني فقط، أو بسبب الصراع الطائفي السعودي الإيراني، ولعنة المحاور الإقليمية العابرة للحدود، لكن داعش أعمق من ذلك بكثير.
داعش هي ثورة مضادة للثورة العربية الكبرى التي دشنها الشريف حسين ضد الأتراك أثناء الحرب العالمية الأولى، وضد الفكر القومي العربي عموما والفكر الوطني الحداثي الذي ساد العالم العربي ما بعد الاستعمار، فصحيح أن سلوك نوري المالكي الطائفي ضد السنة العراقيين والنخب السياسية لحزب الدعوة وتأييدهم جرائم الميلشيات الشيعية منذ عام 2007، الذي شهد عملية تطهير للعاصمة بغداد من سكانها العرب السنة تحت تحت ذريعة الانتقام لتفجير مقام الإمامين العسكريين في سامراء ومن بعدها جرائم المالكي المتلاحقة ضد المكون السني واستهدافهم بقانون مكافحة الإرهاب، مما جعلهم يخرجون في مظاهرات تم فضها بشكل دموي خصوصا في مدينة الحويجة جنوب كركوك، واكتشف المواطن السني العراقي إفلاس قيادته السياسية.
فالبعثي ينادي بالقومية والوحدة مع الشيعة الذين يقتلونه ويرفض نسبة جرائم الميلشيات للشيعة بل يربطها بالفرس المجوس! وكذلك السياسي الإسلامي السني الذي يبحث عن الوحدة الوطنية فيتحالف في قائمة انتخابية مع قاتل أطفال الفلوجة إياد علاوي، وناهيك عن المداخلة أتباع أبي منار العلمي الذين خرجوا يدافعون عن جرائم الميليشيات الشيعية طاعة لولي الأمر المالكي، كانت هذه النخب بعيدة عن نبض الشارع السني. فظهر تنظيم داعش مُخلّصًا للسنة العرب، حيث عرّف عدوهم بأنه كل من لم يكن سنيا فهو عدوهم؛ كل الشيعة وكل المسيحيين وكل من يسميهم بالأكراد الملاحدة، وربط هذا التنظيم نفسه بفكرة الدولة وهي فكرة مهمة في عقلية السني العراقي الذي كان موظفا في الدولة منذ الدولة العثمانية ودولة الاستعمار البريطاني ودولة ما بعد الاستقلال وحتى دولة البعث قبل 2003، ولشدة ارتباط السني العراقي بالدولة اعتبره السياسيون الشيعة بعثيا، وكتبوا قانون اجتثاث البعث لتطهير مؤسسات الدولة العراقية من السنة.
وكذلك الحال في سوريا حيث حكم نظام البعث بلاد الشام حكما شموليا بعد إلغاء الوحدة مع مصر، وأتاح ذلك الحكم الإرهابي سلطات كبيرة لرجال المخابرات، وتمت عملية تحديث وعلمنة قسرية لقطاعات واسعة من المجتمع تحت شعار مكافحة الرجعية، وكانت تلك المستويات الكبرى من العلمنة تستهدف بالأساس تهيئة الأجواء لأن تتحكم الأقليات الدينية بسوريا تحت غطاء القومية والعروبة وتحرير فلسطين، وتم محاربة التيار الإسلامي المعتدل واستهدافه بشكل طائفي، فكانت ردة الفعل الانتقامية بإنشاء الطليعة المقاتلة واستهداف ضباط الجيش والأمن المنتمين للطائفة العلوية وكانت في النهاية مأساة حماة 1982، التي راح ضيحتها عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين. ومر الزمن وجاء الربيع العربي بعد ثلاثين عاما من أحداث حماة فخرجت مظاهرات تطالب بالتغيير والإصلاح، لكن النظام بغباء منقطع النظير حوّل الثورة السلمية الإصلاحية إلى ثورة دموية إسلامية راديكالية؛ عندما أفرج عن آلاف الإرهابيين بقرارات عفو فخرج من السجن أبو عيسى الشيخ وحسان الحموي وزهران علوش قادة الجبهة الإسلامية بالإضافة إلى أبي لقمان علي موسى الشواخ والي الرقة الداعشي وغيرهم ممن تصدوا لقيادة الجماعات المتطرفة، ولو كان الأسد وافق في 2013م على مبادرة جنيف لكان الموضوع السوري انتهى، لكنه أصر على الحسم العسكري والدموي فكانت النتيجة هذه الكارثة الدموية وأصبحت سوريا دولة فاشلة ولن تقوم لها قائمة لعشرات السنين سواء حكمها الأسد أم داعش أم المعارضة.
هناك تشابه كبير بين الأزمة السنية في الهلال الخصيب وبين أزمة الإخوان المسلمين في مصر، فمنذ انقلاب 23 يوليو 1952 والدولة المصرية تعرف نفسها بأنها دولة وطنية قومية عربية تعادي الاستعمار، وأدواته (حزب الوفد) والرجعية (الإخوان المسلمين) ومن متطلبات هذا العداء عدم السماح للوفديين سابقا والإخوان بالدخول إلى مؤسسات الدولة كالقضاء والجيش والشرطة، ومن استطاع الدخول سرعان ما يتم فصله وإخراجه من المؤسسة، فصنع هذا الانقلاب مؤسسات دولة تعادي قطاعًا في المجتمع هو الإخوان، فعقيدة الدولة العسكرية الناصرية لم تتغير إلا بشكل طفيف لتمرير اتفاقية كامب ديفيد لكنها ما زالت في باطنها تعادي من تصفهم بالطابور الخامس (الذي كان يمثلهم الوفد) والإرهابيين (الذين يمثلهم الإخوان المسلمون).
لقد أدرك تنظيم داعش عمق أزمة الدولة المصرية مبكرا، فأخرج تسجيلا بعنوان السلمية دين من؟! يخاطب غرائز الانتقام عند جمهور التيار الإسلامي في مصر، فتصرفات السلطة الخاطئة في 14 أغسطس 2013م التي أعطت قبلة الحياة لكل تيارات السلفية الجهادية في مصر، وتقسيم المجتمع لمواطن صالح يريد فصل الدين عن السياسة ومواطن غير صالح لا يريد فصل الدين عن السياسة، فمنحت داعش فرصة الانتقال إلى مصر حتى قبل غزوة الموصل، فالدواعش قرروا أنهم كما يمثلون السنة في الهلال الخصيب الذين يتعرضون لعنف الأقليات الشيعية والكردية والمسيحية أن يمثلوا الإسلام السياسي المستضعف في شمال أفريقيا، فخرج العدناني ليزايد على الدكتور الظواهري طالبًا منه تكفير الجيش المصري والدعوة لقتاله، وخرج كذلك في أكتوبر 2014 ليدعو أحفاد ابن تاشفين في تونس أن لا يسلموا السلطة لمن وصفهم ببني علمان، ثم كان الإعلان في نوفمبر2014م عن مبايعة أنصار بيت المقدس للبغدادي وتحركها تحركات تضامنية مع تحركات الشباب الإسلامي في يوم ما سُمي انتفاضة الشباب المسلم، وقتلهم لضباط جيش ومن ثم إعدامهم لقضاة مصريين يعملون في سيناء استنكارًا لأحكام الإعدام يؤكد أن تنظيم داعش يخطط أن يركب على حراك الإسلاميين ويحرفه عن مساره كما فعل عندما ركب على تظاهرات الرمادي والأنبار، وسرقة الثورة السنية التي كانت تسعى للوصول إلى شكل من الفيدرالية مع المركز الشيعي، فقام بسرقتها وأعلن الخلافة وكسر حدود سايكس بيكو، والآن في مصر هناك تظاهرات تهدف في حقيقتها إلى إحداث تسوية مع الدولة العميقة، لكن الدواعش يريدون سرقتها والركوب عليها وحرفها عن مسارها بالدعوة إلى فكرته الخلاصية بالجهاد ضد ما يسميه بالجيش المرتد لدفع الصليبيين للقتال في دابق حتى تحصل أحداث آخر الزمان.
إن الظروف السياسية الآتية التي خلقتها النخب اليسارية المتحالفة مع الجيش والتي ساهمت في الصعود العنيف للتيار الجهادي وإيجاد موطئ في مصر، حيث ظنت هذه النخب الساذجة أن الجيش سيقوم بانقلاب ليسلمهم الحكم ليقيموا دولة ديمقراطية علمانية، أو ظن بعض هؤلاء السذج أن الجيش المصري كالجيش التركي ستتغير عقيدته للدفاع عن ما سُمي بمدنية الدولة، وأن السيسي يمكن أن يكون “أتتاورك” مصريًا رغم أن “أتتاورك” قائد منتصر خاض معارك خالدة ضد اليونان وبريطانيا، ورفض التوقيع على معاهدة سيفر التي تعطي الأكراد والأرمن دولا باقتطاع أقسام من تركيا التي وافق عليها الخليفة العثماني، والسيسي ليس قائدًا منتصرًا مثله ولم يخض أي معركة في حياته وهو موقع ومؤيد لاتفاقية السلام، بل ومن كبار مناصريها والمدافعين عنها بالقول في الحوارات والخطابات الجماهيرية، والفعل بهدم الأنفاق وإقامة منطقة عازلة بين قطاع غزة ومصر.
إن دولة داعش تُنشئ من الظلم والقهر واستبعاد فئات سكانية وحرمانها من المشاركة السياسية وتخوينها والتمييز الطائفي والعرقي الذي كانت تمارسه ميلشيات جيش ما بعد 2003 في العراق وقوات البشيمركة الكردية والوحدات الكردية والقوات الأسدية، وإن انزلاق مصر إلى سيناريو التوحش الداعشي لن يكون إلا بعمل تمييزي ضد قطاعات من المجتمع والذي يُمارس للأسف في دولة ما بعد 3 يوليو.
هناك معضلات كبرى يجب أن تقوم الدولة بحلها لمنع داعش من التمدد داخل الأراضي المصرية وحصرها في سيناء ومنع وصولها لوادي النيل أو الساحل الشمالي لمصر وهي:
1- موت العمل السياسي
يجب على الدولة المصرية أن تقوم بإحياء العمل السياسي، وتعيد الشباب للسياسة بفتح المجال السياسي ولو على مستوى العمل النقابي واتحادات الجامعات كمرحلة أولى، ومن ثم عمل انتخابات برلمانية يشارك فيها الجميع سواء مؤيديين لمسار 30 يونيو أو معارضيه.
إن العملية السياسية التي لا يشارك فيها الجميع هي عملية سياسية فاشلة مهما كانت المبررات، وطالما إن لم يثبت ارتكاب جريمة جنائية فمن حق أي مواطن أن يشاهد ممثل له على مقاعد البرلمان
2- الجوار الليبي الملتهب
يجب على مصر تجنب الدخول في الحرب الليبية فهي حرب أهلية قبلية لا ناقة لمصر فيها ولا جمل، وعليها الاقتداء بسياسة تونس والجزائر بالتعاون مع حكومتي طبرق وطرابلس لأن الصراع الليبي الحالي هو في صالح مصر على المدى القريب، فانتصار حفتر يعني هروب الآلاف من الإرهابيين إلى الصحراء الغربية في مصر وتحويل مطروح إلى سيناء جديدة وانتصار الإسلاميين يعني امتلاك دولة ذات حدود مع مصر للانتقام من مصر التي دعمت حفتر ومليشياته التي تسمي نفسها بالجيش الوطني الليبي
3- الدولة لا علاقة لها بالصراعات الدينية
تصريحات السيسي الداعية لثورة دينية هي تصريحات غير موفقة، ما علاقة الرئيس بمعتقدات الناس؟ لقد ولّى زمان فرض المعتقدات الدينية بقوة السلاح، ولى إلى غير رجعة فلن يقبل العالم بالاعتقاد القادري الذي فرض فأفنى فرقة المعتزلة والجهمية ولا بمحاكم التفتيش ولا بامتحان الناس على القول بخلق القرآن كما فعل المأمون مع أحمد بن حنبل، فيفترض على من يدعي فصل الديني عن السياسي أن يبعد الدولة ومؤسساتها عن أي صراع ديني فالدولة وظيفتها في الدنيا فقط أم الآخرة، فلا علاقة للدولة بها وإلا فما الفارق بين دولة السيسي ودولة مرسي الإخوانية؟ أو دولة البغدادي السلفية؟ وذلك مع العلم أنني أدين لله أن الإسلام ووثيقة المدينة النبوية ببين الرسول عليه الصلاة والسلام واليهود فيها مبادئ وإشارات لتأسيس دولة.
4- المراهنة على القوة
التعامل القوي مع الشعوب لإخضاعها هو وهم كبير، فمهما تعاملت مع شعبك بقسوة لتخضعهم سيستجمعون قوتهم ويتحركون ضدك ليسقطوك، وتجربة انتصار مبارك على انتفاضة المحلة في 2008م بالقمع الوحشي كان الرد عليها بانتفاضة أكبر وأوسع في يناير 2011م، وتجربة قمع حافظ الأسد لحماة في 1982 لتنفجر ضده كل الأرض السورية في 2011، وكذلك القمع الدموي لانتفاضة عمال المناجم في تونس في 2008 لتفجر ثورة سيدي بوزيد في 2011م
فعلى الطبقة الحاكمة أن لا تغتر بالوضع الحالي؛ لأن السيناريو الكارثي وارد ما لم يتم احتواء المعارضين وإعادة إدماجهم في العملية السياسية الشاملة، وإن لم يتم هذا في وقت قريب فقد تنهار جماعة الإخوان المسلمين ليحل بدلا عنها جماعات الإرهاب وأخطرهم هو تنظيم داعش الذي يقتات على الفتن المجتمعية ليظهر كمخلص لفئات من المجتمع من بطش الدولة كما تحاول أن تسوق جماعة ولاية سيناء منذ يناير 2014م، وعلى الحكومة أن تتذكر كيف كان وضع سيناء قبل سبتمبر 2013، وكيف صار بعد العملية العسكرية للجيش التي نجحت في نشر مساحة الإرهاب ليضرب أغلب مناطق شمال سيناء بعد أن كان محصورا في قرى قرب رفح.
The post توحش داعش خطر على مصر appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست