الدستور كلمة فارسية الأصل معناها “الأساس” لذلك تستخدم بعض الدول مثل فلسطين تعبير “القانون الأساسي” في إشارة للدستور وكذلك كان الأمر في مصر قبل دستور عام 1923 ويقابل هذه الكلمة بالإنجليزية Constitution ومعناها التأسيس أو التكوين، ولم تستخدم هذه الكلمة إلا بعد الثورة الفرنسية وقد ارتبط الدستور بضمان الحريات والحقوق للأفراد في فرنسا، لذا فإن إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789 ينص في المادة السادسة عشر على: كل مجتمع لا يتأكد فيه ضمان الحقوق هو مجتمع ليس له دستور.
ببساطة يمكننا أن نعرف الدستور بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تحدد نظام الحكم في بلادك ومدى قيامها على الديمقراطية المباشرة أو النيابية، يوضح فيها السلطات العامة مثل القضاء، الحكومة، المجلس النيابي من حيث تكوينها واختصاصاتها وعلاقتها ببعضها البعض ومدى استقلالها أو تعاونها حسب تفسير الدستور نفسه لمبدأ الفصل بين السلطات والعلاقة بين هذه المؤسسات وبين المواطنين.
إلا أن للدستور العديد من المميزات التي تجعله يختلف تمامًا عن الكثير من القوانين والمراسيم التي يصدرها حُكام بلادك، تجعل منه أهم وثيقة قانونية في بلادك، تؤثر في حياتك بشكل مباشر.. لكن يبدو أنك لا تعرف الكثير عن ذلك!
الحقيقة الأولى: هُناك أكثر من طريقة لإنشاء الدستور!
هناك أربعة أساليب تنشأ من خلالها الدساتير تختلف من حيث ديمقراطيتها، فالطريقة الأولى المنحة أو الهبة من الحاكم؛ ومن خلالها ينشأ الدستور كهبة من الحاكم للمواطنين وفي العادة ينشأ هذا النوع من الدساتير في الأنظمة الملكية التي ترزح تحت ضغط شعوبها وقد يبدو هذا الأسلوب قديمًا إلا أن عددًا من الدول في العصر الحديث اتخذت هذا الأسلوب في نشأة دساتيرها ومنها أثيوبيا عام 1931.
أما الطريقة الثانية فهو أسلوب العقد حيث ينشأ باتفاق ما بين المواطنين والحاكم، حيث تتفق الإرادتان معًا على صدور الدستور وتعتبر هذه الطريقة أفضل من سابقاتها حيث يقطع فيها الشعب شوطًا من الطريق للديمقراطية ومن أمثلة الدول التي أنشأت دساتيرها عبر هذا الأسلوب الكويت عام 1962، أما الطريقة الثالثة فهي الجمعية التأسيسية حيث ينتخب الشعب جمعية نيابية تكون مهمتها الأساسية وضع الدستور وإقراره فيصدر عن ممثلي الشعب.
وهذا الأسلوب هو من الأساليب الديمقراطية المتقدمة في نشأة الدساتير أما الأسلوب الأخير فهو الاستفتاء الشعبي؛ فإذا كانت الجمعية التأسيسية هي التي توافق على الدستور بعد إقراره منها فإن الأسلوب الرابع يوجب على ممثلي الشعب في الجمعية التأسيسية طرح الدستور للاستفتاء الشعبي للموافقة عليه، ومن الدول التي أنشأت دساتيرها بهذا الأسلوب جمهورية مصر العربية.
الحقيقة الثانية: الدستور مقدس أكثر من أي قانون آخر
هذه ليست مبالغة؛ بل يطلق على هذا الأمر “مبدأ عُلو الدستور” وهو مبدأ مسلم به دون الحاجة للنص عليه في الدستور نفسه، حيث إن الدستور هو الذي يضع النظام القانوني للدولة وينشئ سلطاتها العامة ويحدد اختصاصاتها يجعل من الدولة ومواطنيها خاضعين لهذه النصوص لذا فإن أي نص في قانون يصدره المجلس النيابي أو إجراء تقوم به هيئة حكومية يخالف نصوص الدستور يعتبر غير دستوري.
كما أن نصوص الدستور تعدل بإجراءات أشد من تلك المتطلبة لتعديل القانون العادي، وبالتالي تعتلي النصوص الدستورية قمة الهرم القانوني في البلاد، مثلًا تعديل قانون عادي – كقانون التقاعد- يتطلب موافقة أغلبية أعضاء المجلس النيابي في حين أن تعديل نصوص الدستور قد يستدعي استفتاءً شعبيًّا أو تشكيل هيئة تأسيسية جديدة، وقد تُنشأ بعض الدول هيئات قضائية تتولى الرقابة على دستورية القوانين، حيث تقوم هذه الهيئة (المحكمة الدستورية مثلًا) بفحص القوانين والتحقق من عدم مخالفتها لأحكام الدستور.
الحقيقة الثالثة: الدستور خصم عنيد لأي ديكتاتور!
كل مجتمع لا يتأكد فيه ضمان الحقوق هو مجتمع ليس له دستور، هكذا يقول إعلان حقوق الإنسان في فرنسا لذا يُخَصص في العادة باب في الدستور يُسمى باب الحقوق والحريات، يحتوي هذا الباب على العديد من النصوص الدستورية التي تحمي حقوق الإنسان وحرياته مثل حرية تكوين الجمعيات، وحرية التجمع، وحرية المعتقد، وحرية التعبير، وبالإضافة إلى ذلك، عدم انتهاك حرمة المنازل ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون، على أن الدولة تضمن لكل مواطن حرية ممارسة شؤونه الدينية، لذا يعد الدستور خصمًا لأي ديكتاتور كون نصوصه تمنع هذه الأنظمة من ممارسة ما ترتكبه من انتهاكات لذا تلجأ العديد من الأنظمة الديكتاتورية لتعديل الدساتير حتى تتلاءم مع توجهاتها.
الحقيقة الرابعة: هل ينص دستور بلادك على الفصل بين السلطات؟!
ارتبط مبدأ الفصل بين السلطات بالفيلسوف السياسي الفرنسي “مونتيسكيو” الذي كان له الفضل في إبرازه كمبدأ أساسي لتنظيم العلاقة بين السلطات العامة في الدولة، وللتخلص من الحكومات المطلقة التي تعمد إلى تركيز جميع السلطات بين يديها، وهذا المبدأ يعني توزيع وظائف الحكم الرئيسية على هيئات ثلاث هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، حيث تستقل كل منها في مباشرة وظيفتها، ثم أصبح هذا المبدأ مبدأ دستوريًّا تحافظ الدول على النص عليه في دساتيرها كونه مرتبطًا بشكل كبير بالمظهر الديمقراطي للدولة.
إن الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات غالبًا ما يؤدي إلى ضعف السلطتين التشريعية والقضائية في مواجهة السلطة التنفيذية. فالعديد من السلطات التشريعية في الدول العربية تتنازل في كثير من الأحيان عن حقها التشريعي وعن الكثير من الحقوق والالتزامات التي يجب أن تقوم بها، وذلك لمصلحة السلطة التنفيذية مما يساهم في تدني الأداء البرلماني، كما أن وسائل الرقابية البرلمانية غير مفعّلة في كثير من الأحيان، لذا إذا كان حاكم بلادك يجمع بشكل ما سلطتين بيده مثلًا التشريعية والتنفيذية فلا يمكن أن نقول إن هذا الحاكم هو حاكم ديمقراطي مُطلقًا!
The post أربع حقائق يَجِب أن تعرفها عن دستور بلادك! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست