الأحد، 16 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : جدلية النصر والهزيمة في الواقع الفلسطيني، هل ينتصر الفلسطينيون حقًّا؟

تمرُّ القضية الفلسطينية عبر عديد محطاتها ومديد أزماتها بتباينٍ واضح، وانقسامٍ جَلِي في تفسير الشارع الفلسطيني والعربي لمختلف الإنجازات الفلسطينية، وذلك على الصعيد السياسي أو العسكري أو حتى الفني؛ فما إن تنتهي حربٌ أو خطوةٌ سياسية أو مسابقةٌ فنية حتى تظهر معالم الاختلاف في اعتبار ما حدث: أهو فوزٌ أم هزيمة؟ أهو نصرٌ أم شيء من هلام؟

ترجع جذورُ هذا التباين إلى هيمنةِ أيديولوجيتين في الساحة الفلسطينية، منقسمتين جغرافيًّا وسياسيًّا وعلى نحوٍ فكري أيضًا، أولهما: إسلامية، ومركز نفوذها غزة، تؤمن بالمقاومة المسلحة طريقًا للتحرير، وتعتبر ارتقاء الشهداء وهدم البيوت فاتورة طبيعية للخلاص من المحتل، وترى بأن التمسك والالتزام الديني خطوة نحو مجتمع مدني محافظ يستأهل نصر الله له وتمكينه على عدوه، ولا تؤمن بأن المجتمع الدولي من الممكن أن يقدم شيئًا للفلسطينيين ما لم يكن حذاء المقاتل الفلسطيني ممثلًا شرعيًّا في المفاوضات.

أما العقلية الأخرى فهي ليبرالية، ومركز نفوذها الضفة الغربية، تؤمن بأن الواقع أقوى من الجميع، وأن مزاريب السياسة هي المسار الأقل خسارة والأكثر براغماتية وسلمًا لقيام دولة المؤسسات العصرية الفلسطينية المنشودة، وأن الوسط الفني والإعلامي ساحة تستلزم حضور الفلسطيني إسهامًا بالترويج للقضية وحشدًا لمتعاطفين معها، بغض النظر عن التحفظات الدينية التي يدعو لها أرباب الإسلام السياسي.

ففنيًّا: تم تفسير نجاح عساف في مسابقة عرب آيدول وحصوله على اللقب بأنه نصر فلسطيني مؤزر، خرجت عقبه جحافل المثقفين والشباب اليافعين المهتمين في الشأن الفني بمسيرات احتفالية حاشدة جابت شوارع الضفة والقطاع، وكان قد سبقه حشد إعلامي مهول، ودعوات إعلانية ضخمة للتصويت عبر الهاتف المحمول، تجاوزت شركة جوال وبنك فلسطين ومئات آلاف الدولارات لتصلَ إلى مؤسسة الرئاسة نفسها، وحضور نجل الرئيس الفلسطيني نفسه ودعمه المباشر له؛ على اعتبار ما حصل تفوق فني فلسطيني يسهم في إثارة فضول المتابعين حول العالم لمختلف معالم القضية الفلسطينية، وتقديم السند والدعم لها.

 

في المقابل تعاطت قيادات التيارات الإسلامية بنوع من التحفظ والتجاهل مع الموضوع، وتعامت بشكل مُتعمَّد عن إظهار أيِّ شكلٍ من أشكال التأييد والمساندة لنجاحِ شابٍ في مسابقةٍ تُعتبر هدَّامة للقيم، حارفةً للبوصلة، بحسب أدبيات الفكر الإسلامي، حتى أنه مُنع من إقامة أي مهرجان غنائي في قطاع غزة. كما هاجم أنصار هذه التيارات ذلك النجاح، واعتبروه تألقًا في غير ميدان خير، وتميزًا في حقلٍ غير ذي جدوى، وأن جهود المُصوِّتين ذهبت لصناعة نجاح شخصي، ونجومية إنسان فرد، لن تنتفع منه القضية في شيء مستقبلًا.

عسكريًّا: وعقب أي عدوانٍ حربي يُفرض على الشعب الفلسطيني في غزة حصرًا دون الضفة، فإن الأصوات تبدأ جميعًا بدعم المقاومة المسلحة ومساندتها، ثم وما إن تضع الحرب أوزارها حتى تتفرق الأصوات إلى لائمٍ ومُلام، وتتفرع آراء الناس بين من يرى ما حصل فاتورة يدفعها الناس في غزة على غرار ما دفعته الجزائر وفيتنام من ملايين الشهداء. وبين من يرى أن المقاومة مطالبة بضبط النفس أكثر، وبعدم الانجرار لمستنقع حربٍ لا تتكافأ فيها قوى السلاح، ولا تتساوى فيها أحجام الخسائر، وترغب (إسرائيل) من خلالها إلى التمايز العنصري عن الوسط العربي والإقليم الشرق أوسطي كله؛ حفاظًا على هويتها وقوميتها العبرية.
سياسيًّا: وخلال مسيرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس “أبي مازن” في الأمم المتحدة، ونجاحه في تحقيق مقعد فلسطيني مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، فإن احتفاءً كبيرًا لمسه الشارع الفلسطيني لهذا النجاح، ونصرًا دبلوماسيًّا عظيمًا عده أنصار الرئيس لهذا الإنجاز، في مقابل تسفيه واضح وتقليل من الشأن لوحظ عند أبناء حماس وقياداتها، وتحدٍ منهم أن يجرؤ الرئيس باستثمار هذا المكان لمحاكمة (إسرائيل) كما وعد، على أي جريمة ترتكبها مهما كان حجمها.

ومن معالم هذه التراجيديا الفلسطينية المنقسمة والمثيرة للشفقة أن يلاحظ المرء توق الفلسطينيين لأي نصر يستعيد للإنسان الفلسطيني نشوته، ويدغدغ فيه شيئًا من عنفوانه ونيران قوميته؛ بسبب عديد أزماتهم ومديد حروبهم وانتكاساتهم؛ فنرى كيف يخرج مئات الشبان الفلسطينيين فرحًا في الطرقات عقب فوز أيٍّ من فريقي الكلاسيكو الإسباني، مع أنه لا ناقة ولا جمل لنا كفلسطينيين بهم، وهذا بالتأكيد نتاج أنظمة عمدت على صناعة الوعي الكاذب في أنفس أربابها من جهة، وجرَّعت الأجيال الهزيمة بطعم الانتصار المزعوم من جهة أخرى، عدا عن شظف بالعيش آخذ بالتزايد شيئًا فشيئًا.

وبالرغم من أن كلا الفريقين يؤمنان بضرورة الوحدة بين شطري الوطن، إلا أن حالة الاحتقان الآخذة بالارتفاع تزيد من فجوة هذا الانقسام شيئًا فشيئًا، ولا يكاد الإنجاز الفلسطيني أن يحسب في رصيد النجاح الحقيقي إلا وتتسبب حالة اللغط الكبيرة بتصنيفه في مربع الفشل، إذ إن الديماغوغية المتبادلة تؤدي لاتساع الهوة بين الفرقاء الفلسطينيين من جهة، وتحرمهم من استثمار جهودهم أو نجاحاتهم العسكرية أو الفنية بفوز سياسي حقيقي من جهة أخرى.

 
شخصيًّا، أرى بأن غياب الجسد الفلسطيني الموحد لكلمة الفلسطينيين، والمنفِّذ لخطوات رؤاهم وتطلعاتهم وأحلامهم، وفقدان ثقة هذا الشعب بقيادته؛ دفعته ولا زالت للتفكير أحادي الجانب وبنبرة من التشكيك حول مختلف ما سبق سرده، كما أن البون الشاسع بين برنامجي فتح وحماس (التسوية السلمية- المقاومة المسلحة) لا يزيد من حالة الاحتقان فحسب؛ بل ويحول أيضًا دون أن يَحسُن استثمار نجاح أي طرف في رصيد النجاح الفلسطيني العام.

ففنيًّا: أؤمن بأن أدبيات الشعوب تلقى رواجًا حينما تسبقُ فنونَها مستحدثاتٌ حضاريةٌ تبهرُ العالم، وبراءاتُ اختراعٍ تذهلُ الجميع، وتفوقٌ عسكري وتقني يحسب له ألف حساب، حينها وحينها فقط ستلقى أدبيات وفنون تلك الشعوب رواجًا كبيرًا، على النحو الذي تلقاه الفنون الأمريكية والأوروبية. وعلى النقيض فإن أدبيات وفنون الشعوب النامية كالأمة الأمازيغية وقبائل أفريقيا وجنوب شرق آسيا، لن تجد من يكترث لها ولا لفنونها وذلك بسبب مكانتها المتراجعة معرفيًّا وعلميًّا، وما الواقع الفلسطيني بأقل تخلفًا أو أشد تعاسة.

 
مع إيماني بذلك، إلا أن واقع الفلسطينيين يتطلب منهم حسن الترويج لقضيتهم ليس عبر الأغنية العربية فحسب، ولا عبر صناعة النجاح الشخصي فقط، فذلك أمر قد يحرف فعلًا بوصلة الأجيال، ولا يأتي إلا بمزيد مال وشهرة للشخصية ذاتها، بل إننا مطالبون بتشكيل هيئة فلسطينية فنية تجيد تعريف المشاهد العربي والأجنبي حول القضية وجوانبها، مشكلاتها وعقباتها، تطلعاتها وأحلامها، بشكل لا يتأثر بأي من أصحاب الأيديولوجيتين سابقتي الذكر. دون ذلك فإن أيَّ نجاح شخصي يحققه أي فلسطيني سيصطف في مربع الفشل إذا ما حامت حوله شياطين التقييم الحزبية المقيتة.

 

عسكريًّا: ستبقى إنجازات المقاومة المسلحة في رصيد نجاح أصحابها، وستتسبَّبُ في دغدغة عواطف الشعب لفترة مؤقتة سرعان ما ترجع عازفة على نفس قيثارة اللوم والانتقاد، ومرد ذلك إلى غياب وتفكك واضح في المؤسسة القيادية الموحدة لهذا الشعب من جهة، وغياب لأي حليف داعم من جهة أخرى.
سياسيًّا: يشكل غياب الجسد القيادي الواحد، الممثل للكل الفلسطيني انتكاسة واضحة المعالم لمسيرة التضحية الفلسطينية، التي تتطلب قيادة تحكم المزج بين الهوية الوطنية والانتماء القومي والمرجعية الدينية، بحيث لا يتصادم القرار أو السلوك القيادي عبر المحطات العسكرية أو السياسية أو الفنية بشكل أو بآخر مع ثوابتِ هذا الشعب الثقافية والقومية، ولا تُضيع في ذات الوقت فرصًا جديرة بالأخذ والاستثمار.

أخيرًا فإن الحراك الفلسطيني تائه الخطى يتلخص في كون مجهوده وتضحياته العسكرية لا تُتْبَع بحسن استثمار سياسي، وذلك بسبب غياب القيادة الحكيمة الموحدة، والحليف القريب الصادق. أما الحراك السياسي فهو لا يستند لأوراق قوة ذاتية كالمقاومة المسلحة، بل يحاربها وينبذها، مكتفيًا بالاعتماد على الضغط الدولي وتضامن الحكومات، وبذلك فإن الحراك الفلسطيني يسير بخطى تائهة وفي دروب تتشكل عليه وترسم له وليس منه، وعلى هذا الحال سيبقى الفلسطينيون يجنون على أنفسهم مزيدًا من الهزائم وإن أصابتهم قشعريرة النصر الهلامي الكاذب لبعض لحظات أو بضعة أيام.

The post جدلية النصر والهزيمة في الواقع الفلسطيني، هل ينتصر الفلسطينيون حقًّا؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست