الجمعة، 14 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : عندما تحدث عمرو خالد عن الإلحاد

في برنامجه “الإيمان والعصر” ناقش الدكتور عمرو خالد فكرة الإلحاد على مدار أربعة حلقات وحاول مناقشة الملحدين والرد على تساؤلاتهم، وفي هذا المقال سأناقش ما قِيل في الحلقة الأولى التي كانت تتحدث فقط عن وضع أسس للحوار دون الخوض في تفاصيل القضية، وسأبدي أوجه الموافقة والاعتراض على كلام عمرو خالد، ولكن بداية أريد أن أُبدي احترامي لمحاولته لتأسيس نقاش موضوعي غير متعصب للقضية لأن هذا نادرًا ما يحدث.

أبدأ مع أوجه اتفاقي مع ما قِيل في الحلقة الأولى.

القاعدة الأم

قبل البدء يجب التأسيس لقواعد، والقاعدة الرئيسية هنا كما قال عمرو هي “الموضوعية والتعقل”، مناقشة القضايا الكبري لا تستوي إلا بهذه القاعدة الجوهرية، الموضوعية تستبعد الأحكام المسبقة، كالحكم بأن الملحد إنما يريد أن يتحرر من تكاليف الدين ليزني ويشرب الخمر وأن الأمر لا يتعدي هذا. الموضوعية تستبعد التطرف في الرأي للدرجة التي تؤدي للشجار أو الاقتتال أو توجيه اتهامات. الموضوعية تجنبنا الحكم المنحاز بناءً على أهواء. الموضوعية تجنبنا الكثير من اللغط لنفهم القضية فهمًا صحيحًا. لهذا كانت بداية الحلقة موفقة للغاية.

الظاهرة

الإلحاد ليس ظاهرة جديدة فهو قديم قِدَمَ الإنسان، هو أيضًا ليس تهديدًا صارخًا وليس وحشًا مفترسًا، هو فكرة كغيره من الأفكار الكبرى التي لها معتنقوها ومعارضوها، يجب أن يؤخذ الأمر على هذا المحمل لا أكثر ولا أقل، فالإلحاد ليس عدوًا لك.
لا يمكنك إثبات أن الإيمان أو الإلحاد هو الفكرة الصحيحة بنسبة 100%، فهذا ليس علمًا تجريبيًا قائمًا على التجربة العملية التي تثبت الشيء وتحسمه، فالأمر جدلي والحجج في كلا الجانبين تتردد على الألسنة منذ القدم وليس هناك حسم قاطع للجدل، ولا أظن الجدل سيُحسم.
هنا أيضًا كان عمرو خالد موفقًا.

حق التساؤل

حق التساؤل هو حق أساسي كحق الطعام والشراب، حتى التساؤل الذي يصاحبه بعض “الشطح” هو حق للإنسان ولا يمكن بأي حال من الأحوال اقتطاع ولو جزء من هذا الحق، ويجب الإشارة لأن إجابة أسئلة المتشككين ليس فيها تَفَضُل عليهم فهذا حقهم.

و يجب على الآباء والأمهات والمعلمين ورجال الدين أن يعلموا هذا جيدًا لأن ردودهم الجاهزة أو استنكارهم للتساؤلات هو ما يزيد الأمر سوءًا خاصة لصغار السن، يجب أن يتم تقبل جميع الأسئلة ومحاولة الرد عليها أو التفكير فيها مع السائل، أما صده واتهامه بالكفر فهو الخطأ بعينه.

هذه أمور ذكرها عمرو خالد في حلقته الأولى كتأسيس لما سيأتي بعده، وأظنه كان موفقًا في النقاط السالف ذكرها.

اعتراضات على الحلقة

الإلحاد وفكرة الصراع

تحدث عمرو خالد عن أن منشأ فكرة الإلحاد هو “الرفض” وأنها فكرة “صراعية”، وأن الملحدين متناقضون عندما يتحدثون عن أن الدين سبب الصراع رغم تبنيهم فكرة “صراعية” في أصلها. هنا ظهر التحيز الواضح ضد الملحدين.

الصراع الفكري أمر طبيعي جدًا عندما تتناقض فكرتان، لم يتحدث أحد عن إنهاء الصراع طالما بقي في حدود الفكر، ولكن الصراع الآخر الذي تسبب به المتدينون أو باستخدام الدين كغطاء سياسي في أوقات عديدة هو صراع دموي، والفارق بين الصراعين لا يحتاج لشرح. كل الأفكار تتصارع فهذه طبيعة الأفكار، فالتصارع في حد ذاته ليس خطًا، ولهذا فاعتبار التصارع الفكري مأخذ على الملحدين أمر أعتبره محاولة للتجني و”التلكيك”.

تقبل الحوار بين المؤمنين والملحدين

تحدث عمرو خالد عن تطرف الملحدين، وأنهم مُعتدون برأيهم ولا يعترفون بالخطأ وهجوميون ونقاشهم لا يتسم بالهدوء إلا قليلًا منهم، وأن المتدينين أكثر هدوءًا وتعقلًا، وهذا تحيز واضح لا أراه في محله. المتدينون عند نشوء أي نقاش غالبًا ما يسبون الملحدين ويتحدثون بكفرهم وأنهم سيعذبون في النار، فيرد الملحدون الهجوم بالتسفيه من المعتقدات الدينية والسخرية من سذاجة المتدينين وغياب المنطق في كلامهم.

الأمر هنا متبادل تمامًا. طرف يصف الآخر بالغباء وغياب المنطق وطرف يعد الآخر بعذاب النار والتعاسة في الدنيا والآخرة، وهذا طبيعي في ظل الفجوة الرهيبة بينهما.
ما سيأتي من حديث ليس مما ورد في الحلقة.

الفجوة الفكرية

دعونا نتفق أولًا أن أقوى الخلافات هو الخلاف العقائدي، وسبب هذا أن أي متدين بدين حين يسمع شخصًا يقول كلامًا مغايرًا تمامًا لما يؤمن به يبدأ تلقائيًا في النفور ووضع هذا الشخص تحت تصنيف خطير للغاية وهو أن هذا الشخص “يعارض كلام الله”، أي أنه أخرج نفسه من الخلاف ووضع الله في مقابل الشخص الآخر، وهنا تبدأ المشكلة.

عندما يختلف شخصان فهذا أمر جائز ومقبول وليس بالكارثي، أما عندما يختلف مع الله فهي كارثة بالطبع، هنا نجد حاجزًا منيعًا يَحُول بين فهم الطرفين لبعضهما البعض ألا وهو “حاجز المقدسات”.

لن يسمعك المتدين حين تحاوره في أمر يثق هو تمام الثقة أنه قادم من عند الله، فهذا أمر خارج عن النقاش بالنسبة له. من جهة أخرى لن يستمع الملحد إلى آيات من كتابك المقدس أو يأخذ اعتقادك في الاعتبار، لأنها بالنسبة له خرافات ليس عليها أي دليل ويعتبرك ساذجًا لإيمانك بها.

ولكن، ما الحل؟

رحابة الصدر

رحابة الصدر في سياقنا تعني تقبل سماع آراء قد تكون مختلفة كلية عما تؤمن به وتناقض ثوابتك تمامًا، وأن تناقش هذا بهدوء دون تعصب.
أظن أن القصة القرآنية بين الله والنبي إبراهيم عليه السلام هي أكبر معلم لرحابة الصدر.

) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(

تقبل الله التساؤل من نبي برحابة صدر – إذا جاز التعبير – ورد عليه بدليل عملي، والبعض يستنكر تساؤل بعض الحيارى من الناس ويبدأ بوصفهم بالضلال والهرطقة.

لا أرى حلًا لتقليل اتساع الفجوة بين الضدين سوي “رحابة الصدر”، المؤمن يجب أن يتقبل تساؤلات الملحد والملحد يجب ألا يعتبر إهانة العقائد واجبًا مقدسًا له، وأن يتناقشا بموضوعية دون استفزاز طرف لآخر.

وليعلما أن أهمية النقاش تكمن في النقاش ذاته وليس في الإقناع، فتح باب الحوار وتقليل الإحتقان وزيادة ما بيننا من احترام متبادل هو الأساس، وهذا سيحدث فقط إذا كان صدرنا رحبًا.

الحلقة

 

The post عندما تحدث عمرو خالد عن الإلحاد appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست