السبت، 15 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : من أجلك ..ألف مرة وأكثر

شدتنى هذه العبارة السحرية التي قالها الطفل”حسان” لصديقه “أمير” وهو يركض ليحضر له الطائرة الورقية التي حلقت بعيدا في السماء بعد أن ربحا السباق فطلب منه أمير أن يُحضر له الطائرة قائلا “عُد بها”، فكان رد حسان “لأجلك .. ألف مرة وأكثر”.

شاهدت الفيلم أولا ثم بحثت عن الرواية لأقرأها ثم لو كان لدي المزيد من الوقت كنت قرأت الرواية مرة ثانية، وأظنني سأفعل في المستقبل. الرواية للكاتب الأفغاني الأصل الأمريكى الجنسية “خالد الحسينى” اسمهُا: “عدّاء الطائرة الورقية”.

وفي رأيي إن الكاتب أبدع في الوصف وفي السرد وفي عمق التعبير عن المعاني التي سلط الضوء عليها في روايته، كالصداقة والوفاء والشعور بالذنب وغيرها من المفاهيم والأحاسيس التي ستتوقف أمامها أثناء سير الأحداث، وأنت تقرأ الرواية ستجد نفسك تضع الكثير من الخطوط أو العلامات أسفل عبارات بعينها أو حوار كاملٍ.

وإن كنت تشاهد الفيلم ستجد نفسك تضغط على زر التوقف في كل مشهد تقريبا لتراجع الحوار مرة أخرى أو لأن هناك تعبيرا معينا تريد أن تتأمله بدقه، هكذا فعلت أنا ستتوقف أولا و(طويلا) عند مفهوم كلمة الصداقة حين ترى علاقة “أمير” و”حسان” وكيف تسير بهذا الشكل الذي يجعلك تقول هل هناك أصدقاء في الحياة يحبوننا مثلما أحب “حسان” سيده “أمير” هل هناك وفاء بهذه الدرجة؟

في البداية يبدأ الفيلم بمكالمة هاتفية لأمير في ولاية كاليفورنيا تخبره بضرورة العودة ربما ما زالت هناك فرصة للتكفير عن ذنب قديم والتخلص من مرارة الشعور بالذنب! يغلق “أمير” الهاتف، ويعود بذاكرته للخلف إلى مسقط رأسه في مدينة كابول في أفغانستان عام 1978 حين كان طفلا، قبل أن يحتلها الروس، وتظهر حركة طالبان حيث كان يعيش مع والده في منزل كبير ويعيش معه في نفس المنزل ولكن في غرفة صغيرة في حديقة المنزل صديقه وابن الخادم الخاص بوالده “حسان” الذي ينتمي إلى قبيلة الهزارة الفقيرة.

يهوى أطفال هذه المدينة تطيير الطائرات الورقية كما أنهم يقومون بعمل مسابقات تجمع الأطفال الماهرين بهذه اللعبة، ومن يقوم بإسقاط أكبر عدد من الطائرات المنافسة يكون هو الرابح، يمسك أمير ببكرة الخيط، بينما يقوم حسان بتطيير الطائرة عاليا؛ لتحلق في السماء وسط الطائرات الأخرى المنافسة، في محاولة مستميتة منه لإسقاط أكبر عدد من طائرات الأطفال المنافسة، في البداية توقفت عند هذا الحوار حين قام حسان بإسقاط الطائرة المنافسة له، وقد كان يفعل ذلك لأجل “أمير” الذي كان يجلس بالقرب لمشاهدته فذهبت الطائرة بعيدا وحلّقت عاليا، ليركض خلفها حسان، وخلفه أمير، حتى جلس الأول يلتقط أنفاسه، ودار بينهما هذا الحوار:

أمير: أنت تضيع وقتك -حسان- إنها لن تأتي من هنا.

حسان: لا ستأتي من هنا أنا أعلم.

أمير: وكيف تعرف؟

حسان :ثق بي أنا أعرف هل كذبت عليك من قبل؟

أمير: وكيف لي أن أعرف؟

حسان:أُفضل أن آكل التراب على أن أكذب عليك.

 
أمير: وهل إن طلبت منك أن تأكل ترابا ستفعل؟

حسان: إذا طلبت سأفعل!

وبالفعل تأتي الطائرة في نفس المكان الذي كان يجلسان به.

تتضح سمات شخصية أمير حين يتحدث رحيم خان صديق والده مع الوالد (والد أمير) عن الأحداث السياسية وأن الشيوعيين يقومون بعمل احتجاجات في الجامعات، وأنه سعيد بكون أمير صغيرا على التورط في مثل هذه الأمور فيخبره الوالد أن “أمير” لا يمكن أن يتورط أبدا في أي شيء، وأنه يراه أحيانا وهو يلعب مع أطفال الحي؛ فيدفعونه ويأخذون لعبه، ولا يرد بالمثل، فيتدخل حسان، ويتعارك عنه ثم يعُقِّب بقوله “هناك شيء مفقود في هذا الصبى” فيرد عليه صديقه رحيم خان بجملة أراها عبقرية، وتدرس كقاعدة أساسية في فن تربية الأطفال قائلا “يا صديقي الأطفال ليسوا كتاب تلوين تلونهم بلونك المفضل”.

ومن سوء حظ الطفل أمير أنه سمع هذا الحوار كاملا وسمع رأي والده السلبي في شخصيته، فيذهب إلى غرفته ليمارس هوايته الأساسية، وهى الكتابة، فيكتب قصة قصيرة تنال استحسان صديق والده رحيم خان الذي يشجعه على الكتابة، ثم يأخذ رأي صديقه حسان الذي يسأله في النهاية: لماذا اضطر الرجل لقتل زوجته في القصة؟ فيجيبه أمير: كي يصبح لديه ذهبا كثيرا فكلما سقطت دمعة تحولت إلى ذهب ولآلئ … فيجيبه حسان إجابة طفولية في غاية البراعة والبراءة تؤكد أنه هناك دائما طريقة أخرى للوصول إلى مرادك دون اللجوء للشر قائلا “لماذا كان عليه أن يقتل زوجته؟ لماذا لم يأكل بصلا؟”

توقفت مرة ثانية عند هذه الكلمات التي ألقاها والد أمير على مسامع طفله “أود أن أُفهمك شيئا، إنك لن تتعلم شيئا عن الأخلاق من أولئك الحمقى الملتحين،
هنالك فقط خطيئة واحدة هي السرقة، وكل الخطايا الأخرى من جنسها، عندما تقتل رجلا فأنت تسرق حياته، تسرق حق زوجته في زوجها وحق أطفال في أبيهم، وعندما تكذب فإنك تسرق حق الشخص في معرفة الحقيقة، لا يوجد رد فعل رهيب مثل السرقة”.

ثم في إحدى المسابقات الكبرى التي ينظمها أطفال المدينة يتمكن “أمير” بمساعدة صديقه “حسان” من إسقاط كل الطائرات المنافسة لهما، وتذهب الطائرة بعيدا فيركض حسان خلفها ليحضرها لصديقه أمير دون أن يعلم أن هناك “عمر” وأصدقاؤه الذين يكرهون هذه الصداقة ويعيّران حسان دائما ويلقبانه بالخادم أو طفل الهزارة بنبرة استعلاء وعنصرية حادة، ثم يحاولون الاستيلاء على الطائرة الورقية الخاصة بأمير فيرفض حسان بشدة؛ فيقوم الشاب الصغير أو يمكنك أن تقول المراهق، هو وأصدقاؤه باغتصاب الطفل حسان وفي هذه اللحظة يراه “أمير” الذي كان يركض خلفه ولكن لا يستطيع أن يفعل شيئا حيال ذلك؛ فيتولد لديه الشعور بالذنب الذي يظل يلازمه طوال حياته حتى بعد أن يغادر هو ووالده إلى ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ويحصل على بكالوريوس الطب الذي لا يريد أن يمتهنه، ثم يتزوج، ويكتب روايته الأولى التي يضع الإهداء عليها لصديق والده “رحيم خان” الذي شجعه على الكتابة، الذي بدأت أحداث الرواية بمكالمة هاتفية منه يخبره فيها أنه عليه العودة للتكفير عن هذا الذنب.

وبالفعل يعود “أمير” إلى مدينة “بيشاور” بباكستان حيث يقيم “رحيم خان” الذي ترك كابول وأفغانستان بعد أن استوطنتها حركة طالبان، ولم تعد مدينة آمنة حتى إنهم منعوا الطائرات الورقية التي يلعب بها الأطفال هنالك، يتعرف “أمير” من خلال “رحيم خان” على أكثر من مفاجأة بخصوص “حسان” و”سهراب” وغيرها من المفاجآت التي وجدها في انتظاره، التي لا أريد أن أقُصها عليكم، أريدكم أن تقرؤوها بنفس الشغف والفضول الذي قرأت أنا به هذه الرواية المليئة والتفاصيل.

ستجدون في الرواية -أيها الأصدقاء- الكثير من الصور المميزة التي استخدمها الكاتب لتعميق فكرته، أو توثيق هذه الحقبة الزمنية في تاريخ أفغانستان، مثل مشهد رجل وامرأة يرجمان حتى الموت في ملعب كرة، وفي الاستراحة بين شوطين كنوع من تسليط الضوء على الحكم الطالباني البغيض.

مشهد الطفل سهراب وهو يرقص كالدمية، مشهد ملجأ الأيتام والأطفال يتضورون جوعا، ومظهرهم يوحي بأنهم بحاجة ماسة إلى الملبس والطعام والرعاية… الكثير والكثير من المشاهد والعبارات ستتوقفون عندها صدقوني، إنها رواية من الصعب أن تغادرك ستترك أثرها في قلبك ورأسك، وستجعلك لفترة ما لا تستطيع تذوق طعم الروايات الأخرى، بعدها ستحتاج وقتا طويلا لتخرج منها، أو على الأقل ستبحث عن كل روايات الكاتب مثلما فعلت أنا لعلها تُشبع نهم روحك لمثل هذه الروائع الأدبية.

The post من أجلك ..ألف مرة وأكثر appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست