تضايقت كثيرًا من حال الناس التي تمشي في شوارع مدينة غزة وتتحدث مع حالها كثيرًا، فجأة ظهر لي طفل صغير كان يلح عليّ بأن أشتري منه علبة سكاكر فصرخت في وجهه أن يكف عني والسبب بأني لا أحمل مالًا، لذلك صرخت في وجهه.
فأنا متأكد أن الطفل صاحب الـ11 ربيعًا لا يعرف سبب صراخي، فنظرت إلى وجهه فرأيت دموعه تذرف على خديه الحمراوين، فرجعت إليه وقبلت جبينه نوعًا من الاعتذار، ولقد ذرفت دموعي مما لاحظ بعض المارة ذلك، فاعتقدوا بأني فقدت أحد أقاربي.
لا استطيع تحمل شاب وهو جالس بجانبي ويقول لي “أتمنى منك أن تعطيني جزءًا من مالك لكي استطيع الذهاب إلى منزلي في رفح جنوب قطاع غزة، والسبب بأن مالي سقط مني سهوًا” فأنا متأكد أنه لم يسقط منه شيء، وهو لا يعلم بأني لا أمتلك مالًا، وتشعر من طلبه أن هناك بضع من الكرامة وعزة النفس.
لا أستطيع تحمل سائق سيارة الأجرة والذي تجاوز عمره الـ60 عامًا، حيث يعمل طوال اليوم على سيارته المتواضعة ويمسح عرقه بقطعة قماش، حيث أتوقع بأنه ليس عرقًا وإنما دموع، جراء الألم في ركبتيه وقد آلمته كثيرًا.
لا أستطيع تحمل عمره الكبير وصحته المترهلة، بحيث لو جلس عن عمله ليومين متتاليين سيضطر أن يمد يده لأقاربه أو جيرانه طالبًا منهم أن يطعموه مما ملكت منازلهم، ما يعني جلوسه في البيت دون ممارسة عمل سيموت من الجوع.
ويعمل هذا السائق طول اليوم مضطرًا بحيث يعود إلى البيت نهاية اليوم فيجد أولاده وزوجته الصابرة بانتظاره على باب المنزل لكي يعرفوا ماذا جمع من النقود، ويتساءلون؟ هل استطاع جلب طعام وشراب لنا؟!
لا أستطيع تحمل صديق الطفولة الحاصل على درجة البكالوريوس تخصص هندسة مدنية قبل عدة سنوات، ينام من الساعة 7 صباحًا حتى أذان المغرب، لأنه فقد الأمل في الحياة وبشكل كبير جدًا، ويعرف وهو متأكد بأن الانتحار حرام، ولكنه ينتحر بطريقته الخاصة بالحلال من خلال الهروب من الواقع المؤلم والمرير عبر النوم لساعات وساعات.
لا أستطيع تحمل نفسي لعدم استطاعتي التأقلم مع الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة في قطاع غزة، وأنا كنت أجعل الحجر على قارعة الطريق يضحك من كثرة تفاؤلي بالحياة، لكن الآن لا أستطيع الضحك إلا في حالة طفلة رضيعة جميلة المنظر تلوح بيديها وهي على كتف والدتها في سيارة الأجرة.
لا أستطيع تحمل معاملة الدول العربية وشعوبها لسكان قطاع غزة وخاصة عندما يذل الأخير في المطارات الدولية والمعابر على الحدود، وخاصة معبر رفح الواصل بين قطاع غزة والشقيقة مصر، ومعايرة بعض الدول عبر توريدهم المواد البترولية الداعمة لسكان القطاع والتي تعمل على تشغيل محطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، وأموالهم التي يدعمون بها غزة ووقوفهم لجانبنا؟!
لا استطيع تحمل شاب في أواخر العشرينات من عمره عندما يتحدث معه شخص آخر ويقول له “لماذا لا تتزوج حتى الآن رغم أن أبناء جيلك تزوجوا وأنت لم تقدم خطوة واحدة في هذا المجال”، فيرد عليك بابتسامة تقطع القلوب والأفئدة لأنك تشعر بأن الشاب يشعر بالحزن الكبير ويقول رغم التفاؤل المتصنع “إن شاء الله قريب” وهو لا يمتلك شراء أبسط مطالبه.
لا أستطيع تحمل الفتاة التي تشتري الكثير والكثير من ملابس ومواد الزينة، حتى تتزين وتخرج بين شوارع غزة للفت أنظار شاب مقبل على الزواج، لأن مجتمعنا لا يرحم فتاة تقدمت في العمر ولم تتزوج، وممكن تسميتها بعد تجاوز منتصف العشرينات بأنها “عانس”.
The post لا أستطيع التحمل appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست