الاثنين، 17 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : بالفكر لا بالرصاص وحده

قبل أربع وعشرين سنة انهار جدار الشيوعية الذي كان يحيط بكثير من بلاد المسلمين بعد أن ظلت تحت براثن احتلال الشيوعية عقودًا طويلة، وفرضت أفكارها ومعتقداتها بالقهر والقوة على أهلها، وحاربت كل من يخالفها وبطشت بمعارضيها، ومارست ضدهم كل وسائل التعذيب الجسدي والقمع الفكري. وعقب كل ذلك كان من المتوقع أن تكون وطأة الشيوعية وشراستها التي جثمت على صدور أهلها سنين طوال قد أنستهم الإسلام ومحته من قلوبهم، ورسخت في نفوسهم قيم الشيوعية ومبادئها، فهل تحقق لها ذلك؟

فور سقوط الجدار سارعت كثير من الدول التي رزحت تحت احتلال الشيوعية إلى نبش ماضيها لاسترداد ما تم دفنه تحت ركام الشيوعية من عقيدة وتراث، وأذكر أن الأقدار حملتني مع بداية الانهيار السوفييتي إلى بشكيك عاصمة قرقيزستان، فزرت خلالها مدرسة شرعية في قرية داغستانية نزح أهلها من داغستان إلى بشكيك طلبًا للأمن وفرارًا من بطش السوفييت آنذاك، لم أعرف حينها أني في مدرسة إلا من خلال الكتب التي كانت بأيدي الطلبة، فقد غابت عنها ملامح المدرسة التي عهدتها، قابلت فيها المشرف عليها وكان شيخًا ثمانينيًا يدعى الشيخ إلياس، كان من كبار علماء تلك القرية، ويتحدث العربية بطلاقة تامة – قلت مخاطبًا إياه: الحمد لله الذي نجاكم من بطش الشيوعية، فأجاب: والله لا ندري بأي لسان نشكره، لقد هربت من داغستان إلى قرقيزستان بعربة البهائم وما علي إلا قميص داخلي فرارًا بديني لكننا نجونا وها نحن اليوم ندرس أبناءنا من جديد تعاليم ديننا.

ما أخفقت به آلة القمع السوفيتية في إجبار المسلمين على تغيير معتقداتهم واستبدال هويتهم كان درسًا يضاف إلى سلسلة الدروس التاريخية التي تقرر أن المعتقدات والأفكار لا تقاوم ولا تجابه بقوة السلاح وحده إنما بفكر مثله يفله ويقضي عليه. وذهبت الشيوعية وولت دولتها من غير رجعة، لكن نهج الشيوعية في مجابهة الفكر والعقيدة ظل متغلغلًا في نهج كثير من الدول، فحين ظهرت بعض الجماعات المتشددة دينيًا وفكريًا كان السلاح هو الخيار الأول والوحيد لتلك الدول في مواجهة تلك الجماعات دون أن تنجح في القضاء عليها، بل على العكس من ذلك ازداد انتشارها وتمددها في العديد من دول العالم وكثر أنصارها، بسبب رواج فكرها، بالرغم مما تقوم به تلك الدول من تضييق للخناق عليها واعتقال كل من يشم منه رائحة التعاطف معها، وخير شاهد على ذلك ما تبثه وسائل الإعلام بين حين وآخر عن اعتقال خلايا جديدة تابعة لتلك الجماعات، مما يؤكد أن إجراءات القمع والسلاح وحدها تظل قاصرة في مواجهة فكر التشدد بشتى صوره ومذاهبه.

إن مواجهة السلاح وحدها مع الجماعات المتشددة لا تفضي معهم في نهاية المطاف إلا لطريقين لا ثالث لهما، أولهما قتلهم وهو في عرفهم وأدبياتهم شهادة في سبيل الله توصل إلى جنانه، وثانيهما اعتقالهم وزجهم في السجون وتعذيبهم بأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي مما يكرس في نفوسهم الكراهية تجاه دولهم ويضاعف من رغبة الانتقام تجاه مجتمعاتهم، وهذا يعني أن القتل والاعتقال مهما بلغا في القسوة والشدة لن يثنيا أحدًا عن الاقتراب من تفكير تلك الجماعات ما داما (القتل والاعتقال) في أدبيات تلك الجماعات دربًا توصل إلى رضوان الله ومحبته. وفي المقابل نرى أن المسلمين على امتداد تاريخهم لم تسلم حقبة من حقبهم من جماعات تنغص صفو حياتهم وتكدره فهل قضوا عليها بقوة السلاح وبطش التعذيب؟ وهل كان السيف يعمل في رقاب المعارضين فيجزها ؟ – كما يحاول الكثير أن يسم كل التاريخ الإسلامي على اختلاف مراحله -.

حين تولى عمر بن عبد العزيز خلافة المسلمين كان الخوارج يزعزعون أمنهم ويثيرون الاضطرابات والقلاقل ويهددون وحدتهم، بيد أن عمر لم يسرع بإشهار السيف في وجوههم لكنه لجأ إلى سلاح المنطق والبرهان، ففي العام المائة للهجرة أعلن الخوارج في منطقة الجزيرة الفراتية ثورتهم ضد الدولة الأموية بقيادة بسطام اليشكري المعروف باسم (شوذب) فكتب عمر إلى عامله على العراق “ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دمًا، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا ذلك فحل بينهم وبين ذلك وانظروا رجلًا صليبًا حازمًا فوجهه إليهم ووجه معه جندًا، وأوصه بما أمرتك به” منطق التعقل والأخذ باللين في منهج عمر يسبق منطق الأخذ بالقوة والشدة ويبرز ذلك أكثر في الرسالة التي وجهها إلى شوذب – عقب الرسالة التي وجهها إلى عامله – عله يعود إلى رشده، يقول فيها: “إنه بلغني أنك خرجت غضبًا لله ولنبيه، ولست أولى بذلك مني.

فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا “لم يكتف عمر – رضي الله عنه – في معالجة فئة من المسلمين انحرفت عن جادة الصواب بالقوة لإدراكه العميق أن القوة وحدها لن تقضي على الخلل الذي أصاب العقل والفكر فانعكس على السلوك والتصرفات، ولأنه كان يعي أن جز الرؤوس لا يعني اجتثاث الفكرة واستئصالها، فهل نعي نحن ذلك (دولًا وشعوبًا)

The post بالفكر لا بالرصاص وحده appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست