الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : لماذا لا يسقط النظام ؟ (2/2)

كنا قد توقفنا في المقال الماضي (لماذا لا يسقط النظام 1) عند كيفية إدارة النظام الحالي المشهد والمصالح المشتركة بينه وبين الغرب حيث قلنا أن ما يفعله النظام الحالي هو الإدارة بالأزمات.

 
والإدارة بالأزمات ليست ذات أهداف سياسية فحسب، بل أن هناك أهدافًا اقتصادية أهم، تلك الأهداف لا يمكن تحقيقها دون افتعال أزمات، فمناخ الأزمات هو التربة الخصبة لنمو مثل هذه الأفكار فيما يعرف برأسمالية الكوارث.

و يعتبر ملتون فريدمان [1912-2006] – المرشد الكبير لحركة الرأسمالية المتوحشة والذى يعود إليه الفضل في وضع النظام الاقتصادي العالمي المعاصر – وهو المؤسس لفكرة العلاج بالصدمة الاقتصادية والتي تعني تحويل اقتصاديات دول إلى الرأسمالية بشكل جذري وإحداث تحول سريع عن طريق صدمات متتالية لا تمكن الناس من مقاومتها مما يؤدي في النهاية إلى إحداث تغيير ثقافي واجتماعي يتوافق مع القيم الغربية التي ينبغي أن تسود كما قال هنتنجتون وفوكوياما وبرنارد لويس (كما أشرنا في المقال الماضي).

تلك السياسات الاقتصادية تعتمد على ثلاثة محاور هي الثالوث المقدس للرأسمالية الليبرالية: الخصخصة، عدم الإنفاق الحكومي، تحرير التجارة.

وتعتبر أوقات الحروب والكوارث الطبيعية والانقلابات والأزمات السياسية، أرضا خصبة لمثل هذا الاتجاه، فالعملة تكون على وشك الانهيار، والديون وفوائدها تتراكم، والشعوب تكون في حالة خوف وقلق. وتبدأ الدول بالاستعانة بصندوق النقد والبنك الدولي والخزانة الأمريكية والتي تسيطر عليها أفكار جامعة شيكاغو الاقتصادية – وهم تلاميذ فريدمان! – من أجل إيجاد حلول لتلك الأزمات والمشكلات.

والفكرة إجمالا هي: “أسواق ليبرالية في ظل حكم سياسي استبدادي يدعمه قمع بقبضة حديدية يتم فيه بيع البلد للخارج وتكدس نخبته الحاكمة الأموال في حساباتها الخاصة”.

ويتم تقديم ذلك البرنامج بوصفه علاجا للأزمة الاقتصادية، وهو في واقع الأمر استغلالا للأزمة وليس علاجا لها، أي أن نخب الداخل عليها أن تدير الدولة بالأزمات عبر صناعتها وعلى الخارج أن يدير الأزمات التي صنعتها النخب المحلية! – وهذا ما عبرنا عنه باللعبة السياسية – وتلك الإستراتيجية يجري العمل بها منذ ثلاثة عقود، فقامت انقلابات عسكرية واضطرابات سياسية في كلّ من:

تشيلي (1973) – الأرجنتين (1976) – بولندا (1989) – الصين (1989) – روسيا يلتسين (1993) – المكسيك (1994) – روسيا بوتين (1999)

“من المثير للسخرية أن يلتسين في روسيا قد طلب تفويضا بصلاحيات واسعة يستطيع من خلالها إصدار تشريعات دون الحاجة لموافقة مجلس النواب من أجل أن ينهض باقتصاد البلاد ومن أجل الاستقرار ومكافحة المتشددين! وقد تم منحه ذلك نظرا للدور البطولي الذي لعبه في في مواجهة اتباع غورباتشيف الرئيس المعزول! وأما عن بوتين – الذي كان يعمل في المخابرات! – والذي تسلم الحكم خلفا ليلتسين في 1999 دون انتخابات! نظرا لأن البلاد كانت تواجه الإرهاب الذي ضربها فجأة بوتيرة متصاعدة ودون سابق إنذار وطبعا كان بوتين وقتها (الدكر) بتاع روسيا!’’

 

وغيرها من الدول التي مرت بأزمات منذ السبعينات وحتى الآن، أغلبها كانت أزمات مدبرة، وبعضها كان أزمات طبيعية تمر بها الدول، وفي كل مرة كان أبناء مدرسة شيكاغو الاقتصادية يستغلون تلك الأزمات نحو تحقيق أقصى استفادة ممكنة لصالح أمريكا وحلفائها ولصالح حفنة من المستثمرين الأجانب، بل أحيانا كانوا يساهمون في إطالة عمر الأزمة حتى توشك البلاد على الغرق!

وقد صاغ الجنرال العسكري السفاح بينوشيه الذي قام بانقلاب في تشيلي – صديق ملتون فريدمان المقرب والذي يعتبره نموذجا تطبيقيا يحتذى به!- المشروع الاقتصادي الخاص به في جملة واحدة: “جعل تشيلي أمة من رجال الأعمال، لا العُمال” وكان يطالب التشيليون بأن يستيقظوا فجرًا للسير إلى أعمالهم لتوفير نفقة المواصلات ويتقشفوا في الغذاء وأن يقوموا بترشيد استهلاكهم من الكهرباء!

“لمعرفة الأهداف الاقتصادية للنظام الحالي والتي تتوافق مع نظام بينوشيه في تشيلي
يمكن مراجعة التسريبات من (هنا)”

وكل تلك الدول شهدت حالات فقر مدقع وانهارت فيها الطبقة الوسطى واستحوذت مجموعة قليلة من رجال الأعمال على مقدرات الشعب كلها، في حين ظلت أغلبية الشعب تترنح تحت خط الفقر، وزادت معدلات البطالة، وانتشار الجريمة والعنف، وأعمال الدعارة ففي كوريا الجنوبية وبعد الأزمة المالية التي عصفت بدول النمور الآسيوية وبسبب تطبيق تلك السياسات “الإصلاح الهيكلي” كانت الأسر الكورية تبيع بناتها لشبكات الدعارة من أجل الحصول على أموال! وقد قارن المبعوث الدولي ومسؤول ملف مصر في صندوق النقد “كريستوفر جارفيس” بين مصر وكوريا على اعتبار أن كوريا نموذجا، وإن كان بشكل عابر في مقال (كيفية الجمع بين الاستقرار الاقتصادي ورفع مستويات المعيشة في مصر).

 

 
كما أن الرجل دافع عن النظام الحالي معتبرا رفع الدعم عن الوقود خطوة في الاتجاه الصحيح لأن من يستفيد به أصحاب السيارات الفارهة ولا يستفيد به الفقراء! ولكن السيد جارفيس لا يذكر ضمن سياسات رفع الدعم وتقليل الإنفاق الحكومي تلك الزيادات المتتالية للقضاة ورجال الشرطة والجيش!

ولم ينطق السيد جارفيس حول انتهاكات حقوق الإنسان، ربما لأن انتهاك حقوق الإنسان هو الشريك الصامت لحملة الأسواق الحرة العالمية الشرسة، فحتى تلك الدول التي ذكرناها آنفا، شهدت أعنف حكم قمعي من تعذيب، واختفاء قسري، وقتل في الشوارع، وتحت التعذيب في السجون، واعتقالات بلغت عشرات الآلاف. “فالسياسات التي تكبح الفقراء لا تستطيع الصمود إلا بقمع الحرية” ولكن كل ذلك يقدم تحت شعار “من أجل الفقراء والمحرومين!”

تلك الفوضى والأزمات والتي يستخدم فيها وسائل التضليل النفسي والخداع الجماهيري، هدفها هو إعداد الناس نفسيا لتقبل أى قرارات تتخذ من النخبة العسكرية والتي غالبا ما تكون في غير مصلحة الناس، ورغم ذلك يوافقون عليها بسبب الخوف من الفوضى والإرهاب الذي يأتي وقت اللزوم ويغيب وقت اللزوم! – وقد تجاوزت تلك القرارات 319 تشريعًا بقوانين تم إصدارها في عهد عدلي منصور والسيسي دون رقابة من مجلس الشعب منذ 3 يوليو 2013 وحتى نهاية مارس 2015 فقط، وهي أغلبها قرارات ذات طبيعة اقتصادية وأمنية.

“للاطلاع على قائمة القوانين التي تم إصدارها من (هنا)”

 
وكما أشرنا في المقال الاول فإن الدولة القومية العلمانية التي تأسست في عصور الاستعمار والإمبريالية الغربية كانت ولا تزال خادمة تابعة للهيمنة والنظام العالمى سواء القديم أو الجديد. وتتسم تلك الدول بعدة خصائص وهى الاستبداد والفساد والتبعية والتخلف.

 

 
فتفكيك المجتمعات وإفشال الدولة هو الهدف الأول والأخير من حروب الجيل الرابع، فإفشال الدولة طبيعة متأصلة في تلك النظم، فهى نظم لا ولن تسعى لإحداث أي تنمية ولا أي نهضة حقيقية، لأن التخلف هو من عوامل بقائها، وانتشار الجهل والفقر والمرض هو من أساس وجودها.

تلك هي طبيعة الصراع، وهو أبعد من مجرد صراع سياسي على الشرعية الدستورية، إنه صراع وطن يراد له الخضوع، وطن يختطف بيد من يحملون جنسيته ويتقلدون أعلى المناصب فيه لصالح دول الغرب التي تريد أن تهيمن على منطقتنا وترى في معركتها المعركة الأخيرة للبقاء، فالحضارة العربية الإسلامية هي آخر حصن تبقى في وجه العولمة الغربية، ويجري تفكيكه وإفشاله بخطى ثابتة ومستمرة.

 

 
فهل هي دعوة لليأس؟! بالطبع لا، لسبب بسيط هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}” حديث شريف متفق عليه.

كما في قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:139-140]

إنما هي دعوة للوعي فلم يعد النصر حليف الأقوى إنما الأذكى، فساحة الحرب أصبحت في العقول فهي حرب أفكار لا حرب عضلات، حرب تحتاج لعمل دؤوب ومستمر وجاد لا استعراض شجاعة وحماسة وصراخ.

والله أعلم ،،،

 

The post لماذا لا يسقط النظام ؟ (2/2) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست