السبت، 1 سبتمبر 2018

ثقفني اون لاين : إحياء النفوس خير من قتلها (الرجم)

في رحلة البحث التي بدأت خوضها قبل سنوات اكتشفت أننا نؤمن بأشياء نعتبرها مسلمات، لكنها في واقع الأمر ليست سوى تخمينات قام بها أفراد قد يصيبون وقد يخطئون آو أمور مختلف فيها، ولعل الرجم كان أحد هذه الأمور.

نعم حد الرجم في الإسلام على الزاني المحصن (المتزوج) رجلًا كان أو امرأة إو الذي سبق له الزواج والدخول، وذلك بعد ثبوت الزنا، ويثبت الزنا بالإقرار (الاعتراف) أو البينة، وهي شهادة أربعة رجال عدول يشهدون حدوث الزنا بإدخال آلة الذكر في فرج المرأة، والغريب أن الكثير من الفقهاء أقروا بالعقوبة والبقية التي أنكرت هذا سميت غالبًا بالمعتزلة، لكن كيف! ولماذا توجد عقوبة كهذه، رمي بالحجارة حتى الموت.

عقوبة كهذه تجعلني أتساءل: لماذا؟ ما الغاية من عقوبة قاسية كهاته؟ دائمًا ستجد إجابة جاهزة عند غالبية رجال الدين مفادها أن الزنى من الكبائر، وأن فيه مفاسد عظمى وخرابًا في النسل، لكن انتظر فهناك آثام اخرى تُعتبر من الكبائر أيضًا، لكن باب التوبة فيها مفتوح، فالمرتد إذا رجع عن ردته خلي سبيله، والقاتل إذا غَفَر له أهل المقتول لا يقام عليه الحد.

الغريب أن العقوبة متفق عليها بين العامة ويكاد يُكَفَرُ كل من لا يؤمن بها رغم أنه لا توجد أي آية في القرآن تتحدت عن الرجم، كيف بعقوبة كبيرة كهذه لا تذكر القرآن؟ بل إن عقوبات أيسر منها ذكرت. لقد حرم الله قتل النفس إلا بالحق، وفرض شروطًا صارمة للخوض في هذا الأمر، وهذا إن ذل فإنه يدل عن قيمتها عند الله، فكيف من الممكن لتشريع يبيح قتلها أن لا يذكر في القرآن، بل حتى الآية التي تتحدث عن الجَلد كعقوبة للزاني غير المتزوج تشير إلى أن عقوبة الجَلد قاسية: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.

 لا تأخدكم بهما رأفة تشير إلى أننا قد نضعف لشدة عقوبة الجلد فكيف بعقوبة كالرجم! ومن ثم فإن الدليل المستخدم على ثبوت حد الرجم هو الأحاديث النبوية كحديث عبادة «عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد 100 ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد 100 والرجم».

وحديث عمر عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب، أنه قال: «إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله: «آية الرجم» فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله، ورجمنا بعده»، بغض النظر عن أن أصل التشريع هو القرآن، لكن الغريب هو آية الرجم التي تحدت عنها عمر «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة…» حيث قال إنها رُفعت من القرآن لكن حكمها باق، وهذا وحده يجعلك تتساءل عن صحة هذا الحديث، لماذا هاته الآية رفعت لكن حكمها باق؟ ولماذا ترفع أصلًا فهذا مناف لوحدة القرآن، حتى اصطلاحها غير بليغ كباقي آيات القرآن، أما قضية أن الرسول صلى الله عليه وسلم رجم، فرغم أن الامر مستبعد إلا أنه لو كان صحيحًا فإنه من الراجح أن الأمر وقع قبل نزول سورة النور، أي انه لم تكن تشريعات في الإسلام بخصوص الزنا، فكان يُلجأ إلى الثوراة حيث كان الرجم هو الجزاء، لكن قدوم سورة النور التي وضعت أحكام الزنا نسخ ما في الأحاديث، أي أنها لم تعد صالحة في التشريع بعد نزول السورة.

ربما لن تصدق أن هناك آيات في القرآن تشير إلى العكس، تشير لعدم وجود الرجم في الإسلام، وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”، يقصد هنا أنه إذا تَزوَجتَ بأمة (جارية) مؤمنة وأتت الفاحشة، أي زنت فإن لها نصف عذاب المرأة الحرة (ذكرت الآية مصطلح العذاب، وليس الموت) ، إذًا فجزاء الزانية الحرة المتزوجة العذاب، وليس الموت.

ولعل الآية التالية من سورة النور توضح لك الأمر، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. تتحدت الآية هنا عن زوج يتهم زوجته بالزنا ويشهد أنها قامت بالفاحشة لكن من جهة أخرى الزوجة تنفي اتهام زوجها، هنا ستجد الآية تقول: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ.

لو كان الرجم حتى الموت هو العقاب فليس من المنطقي أن نجد في الآية: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ، بل الأحرى ان نجد ويدرأ عنها الموت، الموت وليس العذاب، لا تقل لي إن العذاب هو الموت، فهناك آيات كثيرة تقول بعكس هذ:ا وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وفي آية أخرى: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إذًا فما هو العذاب المقصود؟ كلمة العذاب في الآية معرفة، إذًا نحن على دراية سابقة بمعنى الكلمة.

وهذا ما سنجده في الآيات السابقة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. أي أن العذاب المقصود هو 100 جلدة، وبهذا يكون حد الزاني المحصن كغير المحصن لا استناء فيه.

ربما قد تقول لي إن الصحابة قد طبقوا حد الرجم ومن المؤكد أننا لا نفقه في الدين أكثر منهم، رغم استبعادي للأمر إلا أنه علينا أن نتفق أولًا أن الصحابة الكرام ليسوا أنبياء رغم اجتهاداتهم العظيمة، كما أن الرجم قد يكون عقاب تشديد، وليس فرضًا، كما هو الحال في عقوبة الزاني غير المتزوج، فالجلد عقوبة مفروضة، لكن إبعاد الزاني عن قريته مدة سنة لم يذكر في القرآن، بل فقط في حديث عبادة وهو من باب التشديد، «عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد 100 ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد 100 والرجم.» هنا السؤال: لماذا اعتبر غالبية رجال الدين أن تهجير سنة تشديد، وليس فرضًا، لكن الرجم أقروا وصمموا على وجوبه؟

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ. إن إحياء النفوس خير من قتلها.

The post إحياء النفوس خير من قتلها (الرجم) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : في الكتَابَة.. ابدَأ من هذه النقطَة!

من بين الأسئلَة الأكثر تردّدَا حولي عندما ألتقي كُتّابًا في بدايَة مشوارهم، والتي أصادفها بين الموهوبين أو محبّي المطالعة والكتَابَة على حدّ سواء خاصة الكتابة الأدبيَة المتعلّقة بالقصَص، الخواطِر وحَتّى الروايَة هذا الجنس الأدبي الذي لاقى رواجًا في المدّة الأخيرة بالوطن العربيّ بين الشبَاب، استفسَارهم عن الطريقة المُثلى لتطوير قدراتهم الكتابيَة، كيف تكون؟ ولَم أجد طريقَة فعّالَة عَمليَة يوميَة في الآن ذاتِه تجدي نفعًا كتَدوين اليَوميَات، لكن لماذا تدوين اليَوميات تحديدًا؟

صَافح قلوبَ الناس بكلماتِك، بالطريقَة الأكثر تميّزًا!

حين أقول تدوين اليَوميات فأنا حتمًا لا أقصد كتابَة كل ما جرى على مدار اليوم في آخره – أتمنى أن تكون فهِمتَ هذا – بَل أن تمنح نفسَك فرصَة نقل أبرز ما يجذبك في محيطك إلى أوراقك البيضاء، ترسيخ الذكريات الجميلَة بأسلوب مُميّز ولَو في عبارة واحدة تصف بهَا اليومَ كاملًا بدلَ البقاء منكبًا على الدفتَر ساعة كاملَة تسردُ التفاصيل حرفيًا في نصّ طويل مملّ، أمّا تلكَ التي تستحق أكثر من عبارة وحتى تكون مبدعًا فعلًا، عليكَ اقتناصُ المشهد، الصورَة أو الشيء الذي يتغافل عنه الناس العاديُون والكُتّاب التقليديُون والمقلّدون، لا تكتف بوصف شروق الشمس وغروبهَا أو تجعَل زقزقة العصافير حدثًا مركزيًا في نصّك، تلكَ الأمور التي كتب عنها الأوّلون أهملها إذا لم تترك لمستك الخاصة تطفو للقارئ وتبهره ووتلك التي لم يتوقف المتأخرون من بعدهم عن الخوض فيها دعها جانبًا، الأمر يستحق عناءَ الكتابَة بلمسَة خاصَة وواضحة تختلف عن الآخرين وتميّزك عنهم حتى وأنت تكتب عن نفسيَتك ومشاعرك فكّر كيف تتجاوَز السخط والتذمّر عندما تكتب عن السوداوية مثلًا، باختصار اختَر ألفاظك بعنايَة وركّبها على مهل في مصفوفَة تبهر القارئ ويَقول عندَ قراءة العبارة: واو! وعندَ الانتهَاء من النصّ كيف فعَل هذا؟ وأنت عليك أن تتساءَل أيضًا، كيف أصِلُ إلى هذا المستوى؟

رُويدًا، رُويدًا قد يصير من الشغفِ جُنونًا!

أنت لا تتخيل كم سيكون مدهشًا أن تسيرَ في الشارع، تركَبَ الحافلَة أو تتوقّف عن القيَام بأي شيء فتغرق في صمت رهيب وتُتَمتِم حروفًا، تركّب جملة وتسند عبارة إلى أخرى!

في تلك اللحظة غالبًا ستفتضح بابَ الجنون على الكتابة، كأنك بوَاد عَبقر، لولا أن الزمن تجاوز فكرَة راجت وقتها أن الشاعر يردّد قولًا يوحي به شيطانٌ يتحدّث على لسانه أو جان، الأجمل مع كلّ هذا أن تقرأ أكثر ويُصبح في يدك سلاحان، تقرأ وتكتب وسلاح آخر يأتي بعد حين، هو من يجعلك تدرك الخطأ من الصواب ممّا قرأت وفيمَ تكتب.
في مرحلة ما ستمزج بين محيطك، يومياتك والعالم الذي قرأت عنه، وتكون كاتبًا! عندمَا يصبح لمحيطك دور في إلهامك وخلق شخصياتِ قصصك بعد أن كنتَ تدوّن يومياتك ببساطَة انتقلتَ إلى اختزالها في عبارة، ثمّ توسيعها في نصّ مميز، فالوصول إلى جعل مكان وزمان ما حيّزًا تعيش فيه الشخصيات التي قمت بخلقها فيه، مُتَسوّل الشارع، أستاذ الفصل، زميل القسم، شيخٌ في المقعد المقابل بالحافلَة، الجارة الشمطاء والأخرى الكريمة وغيرهم ملامحهم، تصرفاتهم، انطباعاتهم، أسلوب عيشهم، وكلّ هذا سيكون نُصبَ عينيكَ، ليسَ كحارس يراقب الناس، بل كمصوّر يلتقطُ من زاويَة معيّنة صورة ليست كغيرها من الصور على حقيقة الواقع بلمسَة من جمال!

فهل تساءلت في خضمّ كل هذا من سيقرأ لك ليعرف ماذا كتبت إن كان جيدًا؟

نصيحَة مجّانيَة!

يتوجّه البعض بعد كتابة شيء إلى آخرين مشهورين من كتّاب انتفخت ذواتهم أو مشغولون جدًا، يقفون عندَ بابهم طلبًا منهم أن يقرأ هذا الكاتب نصّه، لا أنصح بهذا بتاتًا لأنه غالبًا لن يتفرّغ لك أو يقرأ نصّك، وإن أبدى لك هذا.

ذات يوم التقيتُ كاتبًا أخبرني عن عدد النصوص التي تصله ليقرأ لهم، كان صريحًا معي، قال: أمرّ سريعًا على النصوص وأعطى انطباعًا بسيطًا دون أن يشعر المرسل بذلك، كم نص ستظلمه بهذه الطريقة، والذي هو مولودك وخاصّتك وملكك رمَيت به إلى شخص آخر لم يعطه كامل الوقت ونصيبه من الاهتمام!

لذلك دع مسألة اختيار القرّاء جانبًا، حتى أولئك المبتدئين والهواة الذين بدأ أغلبهم الكتابة حديثا قد يتحرّك شيء ما في داخلهم ويعبث برأيهم ويقصفون النصّ بما فيه بقولهم: لا بأس به.. جميل نوعًا ما.. وغير ذلك، هذا القول وارد إذا لم يقلها صراحة: نصّ بسيط، لم يعجبني.. ليسَ.. وإذا طلبت نقدًا بناء، احتجّ لك أنه غير متفرّغ للأمر… فأيّ حلّ قد ينفع مع كلّ هذا؟

مِحنة الارتيَاب وقوّة الحديث في نصّ ما

عندما تتجهّز بعتاد اللغة وتملك فكرة سليمة ثم تباشر بالكتابة عنها، مدركا ما هو قادم من جلد وتبريك، اصطدام وعناق، إعجاب واشمئزاز وغير ذلك، ستتجاوز بعد حين خوفك من المستقبل إذا كان نصّك يستحق النشر أم لا، قرأت لكاتب سيناريو معروف من المشرق عن خوفه رغم شهرته قبلَ عرض مسلسل لأنه أدخل نوعًا جديدًا وتعمق في الحبكة ونسج الأحداث، لكن المسلسل أحدث ضجّة وحقّق نجاحًا باهرًا، هذا المسلسل كان سببًا في إعادة إحياء مجد الرواية المقتبسة منه ونظر إليها القراء بطريقة مختلف، جاءت متأخرة، لكن أعادت إليها حقّها ومكانتها فلماذا قد تودّ أنت في أول الطريق استعطاف الناس من حولك من أجل نص كتبته أو تحبّبهم فيه؟!

هذا ليس طبق معكرونة تسأل عن الملح واللذة، ليس لباسًا ترى كم هو مناسب لأحدهم ومقاسه يوافقه أم لا!

إنه نصّ تضغط على نفسك بقوة وتعتصر عقلك كي تكتبه، قد يجيء بمفاهيم لمَا ذكرته أولًا لذيذًا يستسيغه القارئ، أو حامضًا كحبّة الليمون، تحتاج إضافة بعض الأشياء؛ مهلًا! نحنُ نتحدث عن نصّك!

نصك يحتاج تلك الأشياء المُسمّاة قراءات (بعاطفة وبدون عاطفة) ، نظرة ممن يعرفونك وممن لا يعرفون من أنت، ممن يتفرغون له كي يقدموا نقاط القوة فيه والضعف،  اِجمع ما يقولونه من آراء وقس بنفسك إلى أي مدى الآراء التي قِيلت صحيحة، مناسبة وقوية، ابحث بعدها عن آراء نقدية وخذها كي تتطور، هل هذا كافٍ؟

الكتَابة كالحُب وحده لا يكفي، في علاقتك بالورق!

يمكنني إضافة شيء هنا؛ إيّاك والأخطاء الإملائية، لن يغفر لك أحد تدنيس الورقة، هنا تكمن أهمية القراءة ولك أن تلاحظ كم هو متراكب متكامل الأمر وجميل يمُارس بشغف وحبّ، لا أظنّك ستكون سعيدًا بمواجهة حكَم يفتّش عن خطأ ولو بسيط، عن زهرة ذابلَة وسطَ حديقَة غنّاء زااهيَة بالجمال والفراش وذنبكَ أنه أهمل الجميلَ وتوجّه إلى ما يغريه.
هاك وجهة نظر أخرى، احتفظ بيومياتك  التي تدونها لنفسك – لَم أنسَ ما بدأنا به فلا تنسَ – قد تحتاجها ذات يوم حين تصبح كاتبًا كبيرًا مشهورًا لتدوين سيرتك ومذكّراتك كشاهد على العصر ونفسك، ماذا تنتظر؟

هيّا انطلق القطار لن ينتظرك.

اقرأ كثيرًا، تأمل أكثر وتَخيّر ما تكتب عنه وما تقرأه بعناية.

The post في الكتَابَة.. ابدَأ من هذه النقطَة! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : قراءة في رواية «الطريق»

رواية «الطريق» في أعماقها ليست إلا صرخة احتجاج مؤلمة ضد العجز، ودفاع حار عن الإنسان الذي لا يتوقف عن تلمس الطريق إلى المعرفة واليقين وإن افتقد معالمه واختلطت عليه الأمور وكبله ماضيه، وفي النهاية ينتفي اليقين المطلق كنتيجة منطقية لطبيعة الأحداث، يضيع طريق البحث، وتُعجِز الاحتمالات بطلَ الرواية صابر سيد الرحيمي، فلا يشعر إلا بعدم الجدوى من الاعتماد على الآخرين، ويُنهي محفوظ الرواية بأفضل جملة يُمكن أن تُقال كدلالة عن العجز التام عندما يهز صابر منكبيه ويقول: «فليكن ما يكون.».

الاتـجـاه الـتـعـبـيـري فـي الـروايـة

– الرمز

الاتجاه التعبيري الذي استخدمه نجيب محفوظ هنا لا يعنى بتقديم صورة مفصلة للبيئة أو الأحداث، ولا يهتم برصد أطوار الشخصية والكشف عن أبعادها، وإنما يسعى إلى خدمة الفكرة وإبرازها بوسائل مختلفة، وأولى هذه الوسائل هي الرمز.. أكثَرَ محفوظ من استخدامه في الرواية سواء على مستوى الشخصيات أو الصور الجزيئة، وكان في كلتا الحالتين عميق الدلالة حتى يحقق ما يريده من دعم الفكرة الأساسية أو إثراء إحساس القارئ بأعماق الشخصية الروائية.

فسيّد الرحيمي والد بطل الرواية هذا ليس إلا رمزًا للحياة النظيفة المطهرة، حياة الكرامة والحرية والسلام التي أبت على صابر أن ينشدها ويسعى لبلوغها، والتي افتقدها صابر الرحيمي إثر وفاة أمه وبقائه وحيدًا بلا مال ولا أهل ولا عمل، كذلك تُعد شخصية الشحاذ الذي اتخذ مكانًا ثابتًا في مواجهة الفندق الذي نزل صابر به بالقاهرة رمزًا حيًا لحالة الاستجداء المعنوية التي يعانيها صابر والتي من أجلها ترك الإسكندرية إلى القاهرة. وإذا كانت كريمة الشابة الفاتنة زوجة عم خليل مثالًا للذة الحسية التي انغمس فيها صابر إرضاءً لعواطفه ونزواته، وهربًا من يأسه في العثور على ما ينشده، فإن إلهام الفتاة التي كانت تعمل بقسم الإعلانات بجريدة أبو الهول تُعد نموذجًا لعشيقة الروح التي يحس معها بسكينة النفس وراحة البال، «إلهام سماء صافية يجري تحتها الأمان وكريمة سماء ملبدة بالغيوم تنذر بالرعد والبرق والمطر»، وكم كان إحساس صابر بالحيرة بينهما، ولكنه أذعن أخيرًا لعشيقة الجسد فأردته هاوية الشقاء والتعاسة إلى الأبد.

– الإيـجـاز

ثاني الاتجاهات التعبيرية الهامة هنا هو الإيجاز.. من السمات الواضحة التي تُلاحظ بسهولة اكتنازُ السرد وإضمار الكثير من الأحداث، فلم يكن من همِّ محفوظ الإسهاب في وصف الوقائع والإطالة في شرح تفصيلاتها وجزئياتها على نحو ما يبدو في المذهب الواقعي الذي استخدمه في رواياته الاجتماعية، وإنما جنح إلى الإيجاز في الوصف والاقتضاب في العبارة والوصول إلى المعنى من أقصر طريق.

سنجد في هذه الرواية نموذجًا مهمًا يبرز عناية محفوظ بهذا التركيز، وعدم الإفاضة في شرح المقدمات والذيول، حتى إن كل جملة أو عبارة تحمل – في الغالب – معنى جديدًا، الأمر الذي يُنبِّه القارئ إلى ضرورة اليقظة في متابعة السياق، وهذا هو النموذج:

وفي الشتاء سرعان ما تجنح الشمس للمغيب وترتفع أمواج الظلام. ولدى رؤيته عم محمد الساوي سأله عمن يعرف من رجال الله القارئين للغيب فدلَّهُ على رجلٍ بالدرب الأحمر يدعى الشيخة زهرة. ولما بلغ مسكنه وجده مغلقًا مختومًا بالشمع الأحمر وقيل له إن البوليس قبض عليه بتهمة الدجل. وتساءل صابر متى كان الدجل تهمة؟ وعندما رأى الفندق وهو راجعٌ إليه آثار فيه شعورٌ برتابة البيت وكآبة السجن. وجلس في الاستراحة وهي آهلة تضج بالأصوات وتختنق بالدخان.. ومن عجب أن الأحاديث لا تكاد تتغير رغم أن الوجوه تتغير كل يوم. وسمع رجل وهو يتساءل:
– ألا يعني هذا فناء العالم؟
فقال بلا وعي:
– في ألف داهية!
وتعالت ضحكات فأيقظته، وسأله سائل:
– حضرتك مع الشرق أم الغرب؟
فقال وهو آسف على تورطه في حديث لا يهمه:
– لا هذا ولا ذاك!
ثم تذكر جملة متاعبه فقال بتأفف:
– أنا مع الحرب.

– الـحـلـم

كان الحلم وسيلة فنية أخرى اتكأ عليها نجيب محفوظ في النفاذ إلى باطن الشخصية الروائية وتكثيف أعمق خواطرها النفسية الكامنة في اللا وعي، وبما أن الحلم – كما يقول فرويد – هو ترجمة عن الرغبة المكبوتة في اللا شعور، فإن ذلك لا يتم وفقًا لمنطق العلاقات الطبيعية في الحياة، بل يشتمل على خلط عنصري الزمان والمكان وسائر القيم التي تتصف بها الأشياء موضوع الحلم، لكن محفوظ استخدم الحلم المناميّ استخدامًا شبيهًا بحلم اليقظة من حيث البعد عن الخلط في عناصره المُكَوِّنة له وإبراز الرغبة الكامنة في أعماق الشخصية الروائية بصورة صريحة مباشرة، كما حدث في الحلم الذي رآه صابر، فقد جاء فيه:

ورجع إلى سريره بعد أن أغلق الباب وعناقها لاصقٌ به كالعبير، واستلقى في ارتياح عميق فسرعان ما زحف عليه التخدير، وقال إنه يشعر لأول مرة بأنه يحتمل أن يستغني عن أبيه، ولكنه عندما لوح له الساوي بسماعة التليفون هرع إليه كالريح ثم هتف بجزع:
– آلو؟
وإذا بصوتٍ جاد يسأل:
– صابر سيد صاحب الإعلان؟
– نعم أنا هو!
– أنا سيد سيد الرحيمي فماذا تريد؟
– لا بد من مقابلتك.
– أنا منتظرك بمحل فتراكون، هل تعرفه؟
– نعم سأكون عندك في خلال دقائق.

ونقرأ بعد ذلك أنهما التقيا في الزمان والمكان المحددين وكانت جلستهما على المائدة التي كانت تجلس إليها صديقته إلهام، وبعد حديث تعارف قصير تأتي إلهام فيحييها الرجل بحرارة على حين تقبل هي يده ويعرف صابر أنه والدها، «وبسرعة غير متوقعة غادرت إلهام المحل قبل أن يستطيع منعها»، وما لبث صابر بعد ذلك أن قدم للرجل «الصورة الجامعة بينه وبين أمه التي رأى نصفها في الإعلان، ووثيقة زواجه بأمه، وشهادة ميلاده ومشاهدة تحقيق الشخصية» فنظر الرجل إليها واحدة بعد الأخرى بهدوء، وبحركة سريعة راح يمزقها، وعبثًا حاول صابر منعه من ذلك فقد كان الأون قد فات، وعندئذ صاح به:

– أنت تمحو وجودي محوًا فالويل لك.
فقال الرجل دون أن يخرج عن هدوئه المثير:
– ابعد عني، لا ترني وجهك، دجال كأمك، ولا شأن لي بك، اذهب..
ودفعه عنه فتقهقر حتى اصطدم رأسه بحافة البوفيه.
واستيقظ. فتح عينيه وهو يتنفس بصعوبة، فرأى الحجرة الأثرية على ضوء النهار الذي ينضج به الشيش. وأدرك أنه عارٍ تمامًا تحت الغطاء فتذكر الليلة المنطوية بجميع ملابساتها، وتنهد بارتياح، ولكنه شعر -لشدة انفعاله بالحلم- بإعياء وحزن.

ففي هذه الفقرة اختلطت الذكرى بما يجري في الواقع وبرزت الصورتان معًا في لقطة واحدة دون أدنى فاصل بينهما.

اقرأ أيضًا: رواية «ميرامار» والواقعية الرمزية.

نـحّـات عـبـقـري لـلـصـور الـبـيـانـيـة

في مجال الصور البيانية استطاع نجيب محفوظ أن يجدد ويبتكر، لم يعتمد على الشائع المألوف من هذه الصور التي حفظتها اللغة في ذاكرتها منذ عهدٍ بعيد. وكانت معاناته الفنيّة للتجربة الروائية وإحساسه المرهف بكل أبعادها ودقائقها مصدر إلهامه في نحت هذه الصور الجديدة حتى جاءت مشحونة بكل المعاني والدلالات التي أرادها منها. وتتمثل جدة الصورة هنا في إقامة علاقات وصفية بين أشياءٍ لم تقم بينها مثل هذه العلاقة من قبل، وقد يحدث أن تتبادل مدركات إحدى الحواس أوصاف مدركات حاسةٍ أخرى والذي يمكن أن نطلق عليه اسم «تراسل الحواس»، وميزة الصورة حينئذ أنها تكون مشعة تثير في النفس الكثير من الأطياف والظلال، وتشف عما يُراد التعبير عنه من فكرة وإحساس، دون تحديد واضح له.

ولذلك نجد الوصف أميل إلى الغموض والخفاء، فالإسكندرية كما كان يراها صابر ساعة فراقه لها مسافرًا بالقطار إلى القاهرة:

مدينة الأطياف مغروسة في حلم الخريف.

ورؤية عم خليل الكليّة يصفها نجيب محفوظ بقوله:

واحتارت في عينيه الناضبتين نظرة باهتة ممصوصة كأنما لم تعد تعنى برؤية العالم.

ويصف موقع إلهام رمز السكينة والقيم والسامية من نفس صابر لحظة احتدامها بالرغبة الجنسية في كريمة بأنها تنزوي

 في ركنٍ كالندم عند طغيان الجريمة.

الـعـبـقـريـة فـي اسـتـخـدام تـيـار الـوعـي

يصف نجيب محفوظ حيرة صابر عقب إحدى مقابلاته مع إلهام بمحل فتراكون بميدان التحرير فيقول:

العقل ينصحه بأن يهجر الهدم ولكنه لا يستطيع، هي كأبيه فيما تعده به وفي أنها حلم عسير التحقيق. أما كريمة فامتداد حي لأمه فيما تهبه من متعة وجريمة. ارجع إلى الأسكندرية واعمل قوادًا لأعدائك، اقتل واغنم كريمة ومالها، استخرج الرحيمي من الظلمات وتزوج إلهام. آه.. وشتاء القاهرة قاسٍ لا يضمر المفاجآت ولا يعزف موسيقى السماء، وما أزحم شوارعها ومحالها فهي سوق تتلاحق فيها الأجساد والسيارات، وأكثر من امرأة تجد فيك ما تبحث عنه بنظرة واحدة على حين تشقى أنت عبثًا في البحث عن سيد الرحيمي.

من هذه الفقرة يتضح الكثير من خصائص تيار الوعي الذي يستخدمه محفوظ بعبقرية، أولها هو هدم الاعتراف بمنطق تقسيم الزمان إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل بحيث يختص كل منها بوجود مستقل، وإنما يذوب الحاجز بينهما فينساب الماضي في الحاضر في المستقبل المتخيَّل ويختلط بهما فنرى مشهدًا قد حدث في الماضي يشتبك مع مشهد آخر يقع في الحاضر أو يتخيل وقوعه في المستقبل، وذلك لأن سمة الوعي نفسها تستلزم نوعًا من الحركة لا يتقدم بالتقدم الآلي للساعة، بل تستلزم بدل ذلك حرية التنقل إلى الخلف وإلى الأمام.

كذلك لا يعترف تيار الوعي بالحدود الفاصلة في المكان بل يمحو هذه الحدود، وتتداخل الصور المتباعدة في المكان على نحو يشق تميزه على القارئ ولا يهتدي إليه إلا بعد جهد ومعاناة، وكلا الأمرين يمكن أن نطلق عليهما اسم «المونتاج» كاستعارة من صناعة السينما، وإذا قسمنا المونتاج إلى قسمين، الأول زمني.. أي صور أو أفكار من زمن معين على صور أو أفكار من زمن آخر معًا، والآخر مكاني.. أي الذي يبقى فيه الزمن ثابتًا على حين يتغير العنصر المكاني، إذا انطلقنا من هذه التقسيمة سنجد أن محفوظ قد استخدم كلا النوعين في الرواية، ومن الأمثلة على هذا التداخل الزماني والمكاني في السياق الروائي لتوضيح ما أقصد ما جاء في وصف رؤية صابر لكريمة، حيث استحوذت على مشاعره منذ أن وقعت عليها عيناه بالفندق الذي نزل فيه بالقاهرة، وأثارت في نفسه ذكرى مطاردة غرامية قديمة مع إحدى بنات حي الأنفوشي بالإسكندرية، وبعد أن تبادل معها طرفًا من الحديث حول سيد سيد الرحيمي الوجيه المفقود الذي جاء يبحث عنه مضى السياق الروائي على النحو التالي:

والتقط في اللحظة المناسبة نظرة من عيني الفتاة قبل أن تستردها، قرأ فيها شكًّا وما يشبه السخرية وكأنها تتساءل عما دعا هذا الوجيه إلى النزول بفندقها المتواضع، ولم يضايقه ذلك وقال إن الحقيقة ستنجلي عندما تعرف مهمته وسوف تعرف عاجلًا أو آجلًا. ترى هل تذكرته؟ وشعر بغرز الأظافر في ساعده عقب المطاردة البارعة التي بدأت من ساحل الصيادين بالأنفوشي واستقرت في الركن المظلم بعطفة القرشي، ولفح هواء البحر بدعابته القاسية نصفه العاري، ولكن أين كان أبوها في ذلك الوقت؟ ومتى انتقل بها إلى إدارة هذا الفندق؟!

في هذه الفقرة اختلطت الذكرى بما يجري في الواقع وبرزت الصورتان معًا في لقطة واحدة دون أدنى فاصل بينهما.

ومـضـات مـتـفـرقـة مـن الـروايـة

فكّرتُ كثيرًا عمّا سأنهي به المقال، كتبت ومسحت، ولم أجد في النهاية سوى هذه الومضات المتفرقة كأنسب وأبلغ ما يمكن أن أنهي به كلامًا كتبته عن محفوظ، فلا خاتمة مناسبة لما كتب محفوظ سوى ما كتبه هو نفسه من رأيي.

-1-

– لعله قد مات..
– ولعله حي..
– وهل أُضيِّع عمري في البحث عن شيء قبل التأكد من وجوده؟
– ولكنك لن تتأكد من وجوده إلا بالبحث، وهو خير على أي حال من بقائك بلا مال ولا أمل.

-2-

أغمض الرجل جفنيه ثم تمتم:
– أبشرك بالصبر.
وقطب مغتاظًا ثم قال:
– لم تقل شيئًا.
فقال الشيخ محولًا عنه رأسه:
– قلت كل شيء.

-3-

– كيف فقدته؟
– تاريخ قديم سأحدثك عنه في ظرفٍ آخر.
– ولم لا يريد أن يتصل بك؟
– آه هذا هو العذاب الغامض المليء باحتمالات لا حصر لها.

-4-

أحيانًا نجري وراء غاية معينة ثم نعثر في الطريق على شيء ما نلبث أن نؤمن بأنه الغاية الحقيقية!

-5-

– أنا أعني شيئًا واحدًا بكل إصرار وهو أنني غير أهلٍ لكِ.
– أرفض هذا السخف: أنت تعلم أنني أحبك.
– وهذه هي جريمتي، نحن للأسف لا نفر أمام الحب إلا في الحب فقط.
– ولماذا هي جريمة؟
– لأنه كان يجب أن أقدم لكِ نفسي على حقيقتها.

The post قراءة في رواية «الطريق» appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : عفوًا ترامب.. الأتراك ليسوا عربًا

إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : من جلد «الزناة» وإعدامهم إلى الثورة الجنسية.. تاريخ الجنس في الغرب

إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo