الخميس، 31 مارس 2016

ثقفني اون لاين : هيكل والعبث بحقائق التاريخ

قراءة نقدية في كتابات هيكل عن الملكية المصرية

زعم الأستاذ محمد حسنين هيكل في الحلقة السابقة، بأن القوات البريطانية في مصر كانت تنعم بأجواء من الهدوء والسكينة خلال السنة الأولى من أحداث الحرب العالمية الثانية، ودلل على ذلك بحالة الاسترخاء التي انتابت قادة هذه القوات مما شجعهم لممارسة طقوسهم المعتادة كالاستجمام والرياضة وقرض الشِّعر. غير أن الأستاذ هيكل ترك الحالة السياسية لمصر في تلك السنة وانعطف بحديثه ليخوض بسوء نية في سلوكيات وأخلاقيات رجال حكم العصر الملكي.

وفي هذه الحلقة يواصل الأستاذ هيكل ادعاءاته السابقة ويتحدث عن تدني نزاهة رجال السياسة في الحقبة الملكية، واتهامهم بما ليس فيهم وطعنهم بتهم العمالة والخيانة بغير دليل منطقي أو سند عقلي.

حديث الأستاذ هيكل في هذه الحلقة يبتعد كثيرًا عن الحقيقة ويخرج من نطاق التاريخ ولنا عليه عدة وقفات.

يقول هيكل: 

وكان السير مايلز لامبسون يراقب ويتابع، وتكشف الوثائق أن واحدًا من مصادره في ذلك الوقت كان الأمير محمد علي ولي العهد.

ويكتب مايلز لامبسون في أحد تقاريره: ذكر لي الأمير محمد علي أن علي ماهر (رئيس الوزارة) طلب من محمد محمود خليل (رئيس مجلس الشيوخ) إبلاغ السفير الإيطالي الكونت ماتزوليني، «أن مصر لن تعلن الحرب على ألمانيا رغم أن ذلك مفروض عليها بالمعاهدة».

وفي مرة ثانية نقل مايلز لامبسون عن ولي العهد: «أنه ذهب إلى القصر «ينذرهم» بأن عدم دخول الحرب ضد ألمانيا قصر نظر سياسي منهم»، وأضاف الأمير: «قلت لهم إن أخي (عباس حلمي) فقد عرشه لأنه تردد في موقف مماثل، ثم إنني كنت الخلف الطبيعي له على العرش، ولولا أن الجنرال ماكسويل (القائد العام للقوات البريطانية في مصر) فهم خطأ كلمة قلتها له، وظن أنني أتردد، لكنت أنا الآن سيد قصر عابدين وليس فاروق»، أضاف محمد علي: «قلت لهم ذلك في وجههم ولم يفهموا لأن فاروق لا يريد أن يتعلم شيئا!».

ثم بدأ الشك البريطاني يتخلى عن تحفظه عندما وصلت «معركة المصائر إلى جنوب البحر الأبيض وإلى مصر، وفي المرحلة التي كانت بريطانيا تقف فيها وحدها في ميدان القتال ضد هتلر».

وهنا جاء الطلب البريطاني بخروج علي ماهر (باشا) من رئاسة الوزارة في مصر بصيغة الأمر؛ لأن الأوضاع لم تعد تحتمل، وكان خروج علي ماهر إثر برقية بتوقيع وزير الخارجية البريطانية أنتوني إيدن إلى السفير البريطاني في القاهرة السير مايلز لامبسون، نصها أربع كلمات: «علي ماهر يجب أن يذهب» (Aly Maher must go).

وقد طار السير مايلز لامبسون من القاهرة إلى الإسكندرية يوم 13 يونيو 1940 ليقابل الملك فاروق وينقل إليه الأمر بنفسه موضحًا (حسب نص تقريره) «أن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تصبر على وجود رئيس وزراء مصري لا تثق فيه، ولا يثق فيه الشعب المصري نفسه لأنه لا يمثله»، وعندما حاول الملك فاروق أن يتذرع باستقلال مصر، رد عليه لامبسون بقوله: «أرجوك لا تلعب بالنار، وأن تحاول بدلا من ذلك إجراء مشاورات تجيء بحكومة تمثل الأغلبية في مصر وربما «رأيت» – جلالتك – أن يكون النحاس (باشا) ضمن من تتشاور معهم»!

وكتب السير مايلز لامبسون تلك الليلة إلى وزارة الخارجية في لندن ليقول: «إنني لم أطلب ما هو أكثر ولم أحاول أن أصر – مثلا – على أن تدخل مصر الحرب رسميا، لأني لا أرى من ذلك كسبا يتحقق لنا».

ولم يقاوم الملك فاروق كثيرا في إخراج علي ماهر بل إنه – بناء على نصيحة رئيس ديوانه أحمد حسنين (باشا) جاء إلى رئاسة الوزراء بصديق للإنجليز هو حسن صبري (باشا)، لكن الرجل لم يقض في رئاسة الوزارة غير بضعة أشهر، ثم فاجأته نوبة قلبية قضت عليه واقفا أمام الملك فاروق يلقي خطاب العرش في قاعة مجلس النواب في البرلمان المصري، ومرة أخرى اختار الملك لرئاسة الوزارة صديقا آخر للإنجليز هو حسين سري (باشا).

[ولم يكن هؤلاء الرجال من أمثال حسن صبـري وحسين سري عملاء للإنجليز، وإنما ساسة يعتقدون بضرورة التفاهم مع بريطانيا لبلوغ المطالب المصرية لأن ذلك أسـلم من مواجهة غير متكافئة معها، في زمـن حرب لا تستطيع مصر أن تؤثر في مجراها، وعلى فرض أنها كانت تستطيع، فقد كان رأي هؤلاء الساسة أن «الشيطان البريطاني» الذي يعرفونه أفضل من «الشيطان الإيطالي أو الألماني» الذي يدخل بلدهم بقوة السلاح في حرب عالمية].

التعليق:

نلاحظ بالقراءة السريعة، بل ومن الوهلة الأولى لحديث الأستاذ محمد حسنين هيكل في الفقرة السابقة، أن الأستاذ هيكل لا يريد أن يسرد تاريخًا بل كان جل اهتمامه هو إهانة رجال حكم العصر الملكي والدليل على ذلك بأنه يصدر أحكاما مسبقة دون أسانيد أو براهين عقلية أوحتى تفسيرات مقبولة.

فعلي ماهر باشا رئيس الوزراء في ذلك الحين تصرف بما تمليه عليه مصلحة مصر، لأنه المسؤول الأول سياسيا، لذلك سانده وعضده الملك فاروق وفقا لواجبه الوطني وكملك دستوري، أما القول بأن علي ماهر كان يحابي دول المحور فهذ كلام ليس بصحيح فكل تعاملات علي ماهر بدول المحور في ذلك الوقت كانت في إطار الاتفاقيات والأعراف الدولية بحكم أن مصر دولة محايدة.

ولأجل إجلاء الغموض في حديث الأستاذ هيكل وإثبات سوء نيته فسوف نقوم بتفسيره مفصلا وفي عدة نقاط:

أولا: يقول الأستاذ هيكل أن الأمير محمد علي ولي العهد كان أحد المصادر المعلوماتية للسفير البريطاني، لكن الأستاذ هيكل كان يقصد بهذا الأمر أن الأمير محمد علي كان أحد رجال السفير البريطاني في القصر الملكي، أي أنه أحد عملاء الإنجليز، وبالتالي يمكن صبغه بتهمة الخيانة، لكن الحقيقية أن الأمير محمد علي بصفته ولي العهد فمن الطبيعي أن يكون له علاقات شتى مع كثير من السفارات في مصر وأيضًا علاقات خارج مصر، لكن سوء نيته الأستاذ هيكل أخرجت حديثه من مجراه الطبيعي وهو العلاقات المتبادلة بين رجال الحكم في مصر والدول الأخرى إلى علاقات العمالة والخيانة.

أما القول بأن الأمير محمد علي أخبرالسفير البريطاني بأن رئيس الحكومة علي ماهر باشا والملك فاروق يعملان ضد الإمبراطورية البريطانية، فسوء نية الأستاذ هيكل تقصد به أن هناك خصام وصراع داخل العائلة المالكة المصرية على الحكم، لدرجة أن قيام بعض أفراد هذه العائلة بأدوار العمالة والخيانة من أجل الحكم، وهذا هو هدف الأستاذ هيكل وهو وصم العائلة المالكة المصرية بتهم العمالة والخيانة.

ثانيا: إن الحكومة المصرية برئاسة علي ماهر تصرفت بما يضمن المصالح المصرية، وعدم تعرض تلك المصالح للخطر وذلك طبقا للأعراف الدولية، ولكن بريطانيا ممثلة في سفيرها لدى القاهرة السير مايلز لامبسون أرادت الضغط على مصر لدخول الحرب العالمية الثانية بجوار بريطانيا خاصة بعد إعلان إيطاليا انضمامها لألمانيا، وإن عدم انصياع الحكومة المصرية لذلك يعتبر عدم تعاون، وعندما تأكد لامبسون أن علي ماهر لن يقبل موضوع دخول مصر الحرب، بدأ يتذرع بالعديد من المواقف التي تمكنه من تحقيق كل رغباته وفي مقدمتها الإطاحة بعلي ماهر، وقد أعلن علي ماهر في شهادته أثناء نظر قضية اغتيال أمين عثمان عام 1946، أن السفير البريطاني قد طلب منه أن يعتقل الوزير الإيطالي في المفوضية الإيطالية بالقاهرة، وأن يقوم بتفتيشها.

كما طالبه أن يفتش أمتعة الدبلوماسيين الإيطاليين وجيوبهم وقت السفر، وألا يسمح لإيطالي بالسفر إلا للسفير وموظفي المفوضية، ويضيف علي ماهر: لقد كان ردّي: إذا اعتقلتم أنتم إنجلترا الكونت جراندي سفير إيطاليا في لندن أعمل المثل أنا في مصر، وأما التفتيش فإنني أرفضه. وقلت: وإذا أردتم فتشوا أنتم ومن ناحيتي فلن أحتج وقلت لهم أيضًا: إن هذا التفتيش في الواقع لن يكون، لأن الكونت جراندي موضع التكريم في بلادكم فلن أعاملهم أنا إلا بقواعد العرف الدولي، والذين يسافرون معه لن أحجزهم إلا إذا تبينت موقف المصريين في روما وما يتخذ بشأنهم.

ونرى أن هذا الموقف من علي ماهر ينم عن دهاء سياسي، فهو يريد أن تقدم بريطانيا لاتخاذ ما تراه بشأن الإيطاليين المقيمين في مصر، حتى يبدو أمام الطليان وكأنه مغلوب على أمره، ومن جانب آخر فهو يضمن سلامة الرعايا المصريين المقيمين في إيطاليا.

وأمام الضغط المتزايد على علي ماهر، فقد أشار عليه الملك فاروق بنقل القضية – دخول مصر الحرب – إلى البرلمان ليتخذ بشأنها ما يشاء – ويعد قرار البرلمان صدمة أخرى للسفير، حيث أقر البرلمان وجهة نظر الحكومة بأن المعاهدة لا تلزم مصر بدخول الحرب، وأنها ستكتفي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، ولن تعلن عليها الحرب إلا إذا اعتدت عليها بإحدى الطرق الآتية:

( 1 ) إذا بدأت القوات الإيطالية بغزو الأراضي المصرية.

( 2 ) إذا ضربت إيطاليا المدن المصرية بالقنابل.

( 3 ) إذا شنت غارات جوية على مواقع الجيش المصري.

وفي يوم 13 يونيه 1940، بدأ السفير البريطاني يتبع سياسة جديدة لا تتفق أحيانا مع توجيهات الخارحية البريطانية، بل تحقق نفس الغرض وهو ضرورة الحصول على تعاون علي ماهر، وعدم التنازل عن أي شيء أكثر من نصوص المعاهدة، مما جعل لامبسون يقول عنه: إن علي ماهر يتبع سياسة ذات وجهين بين بريطانيا وإيطاليا، وأنه يعمل على تسهيل الأمور للإيطاليين، وأنه يتلاعب بطريقة مقلقة فيما يختص بالجيش المصري.

ومن الواضح أن الخلاف بين إنجلترا وعلي ماهر كان السبب في استقالته، وهو خلاف قائم على التشكك وفقدان الثقة من الجانب البريطاني في علي ماهر، اعتقادًا بأنه على علاقة بالمحور، ووفقًا لما ذكره الدكتور هيكل «الدكتور محمد حسين هيكل الأديب والسياسي صاحب قصة زينب، ورئيس حزب الأحرار الدستوريين قبل عام 1952» فإن بريطانيا وجهت إلى الملك فاروق تبليغا بأن حكومته لا تقف منها موقف الصديق وأنها في ريب من نواياها.

وعلى هذا فقد ادعت السلطات البريطانية، أنها اكتشفت من بين الوثائق الألمانية التي عثر عليها، أن علي ماهر كان يتلقي مساعدات من المحور عن طريق بنك درسدنر، بالإضافة إلى أنه يعمل لحساب الألمان، إلا أن مثل هذه الاتهامات لا يمكن تقبلها على أنها حقيقة مجردة، وخصوصًا إذا ما تضاربت المصادر البريطانية في هذا الصدد، فإن اللورد ويلسون القائد العسكري للقوات البريطانية في مصر يقول تعقيبا على هذا: «أنه لما يدعو إلى الدهشة، أن المعلومات التي وصلت إلى المحور من مصر، كانت ضئيلة القيمة، ولا أعرف حالة واحدة تضمنت معلومات عن تحركاتنا أو عملياتنا العسكرية تسربت إلى العدو في الوقت المناسب الذي يتيح له استخدام تلك المعلومات لمواجهتنا».

وهذا يعد دليلا على عدم وجود علاقة من نوع ما بين وزارة علي ماهر والمحور، ولذا فإننا نرى أن علي ماهر لم يكن يحابي دول المحور، ولكن كان سياسيا مصريا، حاول أن يستغل لعبة الأمم وصراعاتها في تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلال.

وهذا هو الموقف الحقيقي لعلي ماهر باشا وحكومته تجاه بريطانيا إبان أزمة اشتراك مصر في الحرب العالمية الثانية، لكن الأستاذ محمد حسنين هيكل أراد تشويه صورة رجال حكم العصر الملكي واتهامهم بتهم مغرضة والغريب أن اتهامات هيكل هذه متناقضة مع بعضها، فمرة يتهم الأمير محمد علي بتهم الخيانة والعمالة للإنجليز، ومرة ثانية يتهم علي ماهر باشا بتهمة مجابهة ومعارضة بريطانيا العظمى بتصرفات حمقاء مما ينتج عنه تعرض البلاد للخطر، ولكن السؤال هنا: هل هجوم هيكل هنا ضد علي ماهر بسبب أنه أحد رجال الحكم الملكي بالرغم من محاباة علي ماهر لضباط انقلاب يوليو1952 أصدقاء هيكل في كثير من الأمور عقب الانقلاب مباشرة، أم أن هناك أسبابا أخرى؟ والإجابة: إن هجوم هيكل تجاه علي ماهر ليس فقط بسبب أنه أحد رجال العصر الملكي ولكن بسبب آخر وهو أن علي ماهر عندما اختير لرئاسة الوزراء أثناء انقلاب 23 يوليو 1952، تعاطف كثيرًا مع ضباط يوليو، ولكنه بعد ذلك عارض تدخل هؤلاء الضباط في أعمال وزارته.

وفي هذا الأمر تقول برقية للقائم بالأعمال البريطاني في السفارة البريطانية بالقاهرة المستر كريزويل في 27 يوليو 1952: «اتصلت بعلي ماهر للاعتذار عن الاتصالات غير الرسمية التي قمت بها مع اللواء محمد نجيب وليس معه، فكان جوابه أن دعاني إلى زيارته هذا الصباح لتجاذب أطراف الحديث الودي، واعترف رئيس الوزراء بأنه يواجه أحيانًا بعض الصعاب في التعامل مع الجيش».

ولم تستمر وزارة علي ماهر إلا شهرا واحدا فقط، فقد تطورت تدخلات ضباط يوليو في أعمال هذه الوزارة حتى وصلت لحد الصدام، مما اضطر معها علي ماهر إلى تقديم استقالته.

ولأن الأستاذ هيكل كان من أنصار ضباط انقلاب يوليو و أيضًا من ضمن واضعي مخططاتهم، أراد هنا الانتقام من علي ماهر باشا بسبب معارضته (أي علي ماهر) لهؤلاء الضباط أثناء تولي وزارته الأخيرة.

ثالثا: بالرغم من ذم الأستاذ هيكل لرجال العصر الملكي، إلا أنه في حالة الحديث عن حسن صبري باشا وحسين سري باشا نجده يدافع عنهما بل ويمتدحهما، ففي الجزء الأخير من حديث هيكل هنا يبرر لكل من حسن صبري باشا وحسين سري باشا دوافع صداقتهما للإنجليز، ويقول عنهما أنهما لم يكونا من العملاء ولكن كانت سياستهما التفاهم وعدم الصدام مع الإنجليز وهدا أسلم وأصلح لمصر…. إلخ، ولكن لماذا يمتدح هيكل كلًّا من حسن صبري باشا وحسين سري باشا بالرغم من كونهما من ضمن رجال العصر الملكي؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إنه من المعروف تاريخيا أن حسين سري باشا بالرغم من أنه له صلة قرابة بالملك فاروق (خال الملكة فريدة الزوجة الأولى للملك فاروق) إلا أنه عقب انقلاب يوليو23 يوليو 1952، قام بشهادة مشكوك في نزاهتها ضد الملك فاروق أمام إحدى المحاكمات التي أقامها ضباط يوليو لرجال العصر الملكي. وهذا الأمر أسعد كثيرًا الأستاذ هيكل الناقم على عصر الملكية المحب لعصر انقلاب يوليو،

وفي هذا الصدد نعرض جزءًا من شهادة حسين سري باشا أثناء محاكمة كريم ثابت (المستشار الصحفي للملك فاروق) بتهمة الفساد، أمام محكمة الانقلاب (يقال عنها محكمة الثورة) برئاسة البكباشي عبداللطيف البغدادي وعضوية كل من أنور السادات وحسن إبراهيم، والتي نشرت وقائعها جريدة الأهرام يوم 16 / 10 / 1953.

رئيس المحكمة (عبداللطيف البغدادي) يسأل الشاهد (حسين سري باشا):

رئيس المحكمة: هل كان كريم ثابت (المتهم) من ضمن الشلة التي أفسدت الملك؟

الشاهد: يجب أن ننظر في عقلية الملك، كل إنسان كان يعتقد  أن الملك ولي من أولياء الله، وأن الشلة اللي حواليه هي التي أفسدته، ولكن أقول كلمة للتاريخ، الملك نفسه ماكانش كويس وكان يتلذذ بأن يسمع كلامًا يرضي شهوته، يعني أخلاقه الشخصية وتكوينه ماكانش كويس، وكان بطبيعة الحال لو اجتمع بناس كويسين، يمكن كان انصلح بعد مدة.

*(جريدة الأهرام في 16/10/1953 – الصفحة 11)

أما حسن صبري باشا فإن قصر عمر وزارته، لم يعطِ هيكل فرصة للتشفي منه بكونه أحد رجال العصر الملكي، فقد لقي ربه بعد تشكيله لوزراته بخمسة أشهر فقط، وهو يلقي خطاب العرش بالبرلمان في حضور الملك فاروق. وإن كان تبرير هيكل لأعمال وزراته بمثابة تثمين وإثابه لحياته السياسية.

والسؤال الأهم هنا، كيف تكون مصر دولة مستقلة بحكم معاهدة 1936، ونرى مثل هذه التدخلات في السياسة المصرية من جانب بريطانيا؟

الحقيقية أن مصر استقلت قبل عام 1936، فهناك اتجاة يقول إن مصر استقلت عام 1914 بعد انفصالها عن تركيا، واتجاه آخر يقول إن مصر استقلت فعليا بعد ذلك، وبالتحديد يوم 28 فبراير 1922 عقب تصريح 28 فبراير الشهير الذي أصدرته بريطانيا بشان أستقلال مصر، لكن بريطانيا احتفظت في هذا التصريح بحقها بحماية مصالحها في مصر، لذا كانت تدخلاتها في السياسة المصرية حتى عام 1936 بما يحفظ تلك المصالح، وبعد توقيع معاهدة 1936 حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، أقتصر تدخل بريطانيا في السياسة المصرية بما لا يعرضها ويعرض قواتها بمصر للخطر، أما بعد ذلك فتكاد تدخلات بريطانيا في الحياة السياسية المصرية لا تذكر، واقتصرت على إبداء النصائح للأطراف السياسية المشاركة في الحكم والأطراف السياسية الأخرى الفعالة في الواقع السياسي المصري، ولكن منذ ذلك الوقت بدأ النفوذ الأمريكي في الظهور وأخذ يملأ الفراغ البريطاني.

وبناء على ذلك نجد وتيرة تدخلات بريطانيا زادت حدتها بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبما أن بريطانيا دولة عظمى في ذلك الوقت ولها قوات كبيرة بمصر فضلا عن ضغوط الحرب العالمية الثانية، فإنه من الطبيعي أن يكون لها تدخلات في السياسة المصرية. ولاتوجد دولة واحدة في العالم حتى الآن لا تذعن لمصالح الدول العظمى، فنجد دول أوروبا اليوم متفقه تماما مع المصالح الأمريكية، حتى دول الشرق الأوسط يتغلغل فيها مصالح الدول الكبرى، ومصر بعد 1952 نجدها سقطت تحت النفوذ الأمريكي منفردًا حتى بداية عام 1957، ثم بعدها انخرطت في أحابيل النفوذ السوفييتي والأمريكي معًا حتى مشارف عام 1972، ومنذ ذلك التاريخ ومصر ترزح تحت الطغيان الأمريكي إلى اليوم. أما من يقول بغير ذلك فقد كذب!

وخلال الفترة بين توقيع معاهدة 1936 ونهاية الحرب العالمية الثانية، نجد الملك فاروق وأغلب حكومات تلك الفترة قاومت تدخلات السلطة البريطانية بقدر ما تستطيع بما يتفق ومصلحة مصر، وهذا إنجاز يحسب لهم، ولكن الأستاذ محمد حسنين هيكل اجتهد في قلب الحقيقية بتحويل هذا الإنجاز إلى انتكاسة ومهانة وضعف وذلك باتهامه بغير دليل واقعي أو سند حقيقي لتلك الحكومات والملك فاروق بالرضوخ للضغوط البريطانية، ليس إلا نكاية في سياسة ورجال العصر الملكي وتبرير قيام انقلاب يوليو 1952.

وأخيرًا نجد الأستاذ محمد حسنين هيكل قد وقع في أخطاء تاريخية شنيعة في حديثه هذا، فهو يقول إن أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا هو الذي أصدر إنذارًا بخروج علي ماهر في 13 يونيو 1940، ولكن الحقيقة أن الذي أصدر تبليغ بتغير حكومة علي ماهر هو اللورد هاليفاكس وزير الخارجية البريطاني وكان ذلك يوم 17 يونيو 1940،

أيضًا يقول هيكل إن الإنذار البريطاني للملك فاروق كان بصيغة الأمر هو أن علي ماهر يجب أن يرحل، لكن الحقيقية أن هذا الطلب كان عبارة عن تبليغ بريطاني للملك فاروق وقد صيغ في صيغة دبلوماسية بليغة وهو «أن حكومته لا تقف من إنجلترا موقف الصديق وأنها في ريب من نواياها»، فلا يعقل أن الخارجية البريطانية تصدر تبليغًا ضد الأعراف الدبلوماسية وخارج عن اللياقة الأدبية، لكن الأستاذ هيكل بسوء نية يريد قلب الحقائق وترديد الشائعات، فعبارة الإنذار البريطاني بوجوب خلع علي ماهر كانت شائعة ويقف وراءها الصحفي محمد التابعي الذي أخذ منه هيكل تلك الرواية الملفقة.

لم تتوقف أخطاء هيكل التاريخية عن ذلك بل تمادى فيها بذكرأن أحمد حسنين باشا (رئيس الديوان الملكي) نصح الملك فاروق بأن يكلف حسن صبري باشا بتشكيل الحكومة بعد إعفاء حكومة علي ماهر، فكيف يكون هذا الأمر؟ وأحمد حسنين باشا لم يتولَّ رئاسة الديوان الملكي إلا بعد تكليف حسن صبري باشا برئاسة الحكومة بحوالي شهر، فقد عهد الملك فاروق لحسن صبري باشا بتأليف الوزارة في 28 / 6 / 1940، وتم تعيين أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي يوم 27 / 7 / 1940.

إن الأخطاء التاريخية هذه، والتي صدرت من الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي يعتبره البعض أحد مصادر التاريخ المصري الحديث، لا يصح أن يقع فيها تلاميذ المدارس الابتدائية المصرية.

وللحديث بقية إن شاء الله.

 

The post هيكل والعبث بحقائق التاريخ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : لماذا يكرهون الثورة

العسكردائما يتحدثون بضجيج وادعاء عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية، حتى يحسبون أن ما قالوه قد فعلوه، وأنه لم يبق شيء عظيم أو جيد لم يفعلوه، إن من آصل وأرسخ وأشهر مواهبهم أن يعتقدوا أنهم قد فعلوا الشيء لأنهم قد تحدثوا عنه، فهذا مشروع قناه السويس، قد استطاع أن يجني تكاليفه في بضعه أيام فترى الاحتفاء والتهليل للقائد العسكري الملهم الذي أمر بالبدء في ذلك المشروع ثم تنظر إلى نتائج المؤتمر الاقتصادي الذي تم أيضًا برعاية نفس الطغمة العسكرية الحاكمة فتجد أنه مجرد شو إعلامي لأبطال من ورق.

أبطال لم يطلقوا طلقة واحدة على عدونا بل أداروا كل فوهات المدافع إلى صدورنا عندما صرخنا من ألم الذل والقهر والعبودية، لنجد أن تلك المدافع لا تطلق نيرانها إلا في صدور أبناء هذا البلد إن تجرأوا وقرروا أن يطالبوا ببعض من الحرية.

لقد طغى العسكر على البلاد والعباد وخططوا ودبروا لكي يسرقوا من عقل المواطن المصري وظيفته فاعتاد ذلك العقل أن يأخذ الأشياء قضية مسلمة وألا ينظر أو يفكر أو يبحث أو يشك، بل اعتاد أن يأخذها أخذ تسليم بدون فهم وبدون رغبة في الفهم وبدون أن يرى ذلك مطلوبًا، فأصبح من أخلاقه التي تكاد تكون طبيعية أن يصدق كل شيء و/أو يقبل كل شيء وألا يحاول فهم شيء وصار التصديق وتبلد الحاسة العقلية من الصفات المميزة له والمسيطرة عليه، فبالتصديق آمن بكل الخرافات التي يلقنها بدون عناء حتى صار أعجوبة في استسلامه المخجل لكل بطولة زائفة وكل شطحة خيالية من زعيم من ورق.

لقد تبلدت الحاسة العقلية عند المواطن المصري وقف دون الأشياء ودون النفوذ فيها ودون فهمها بل ودون الرغبة في فهمها، حتى عد الشك فيما يقوله الضابط ذو البزة العسكرية من خصال الخائنين والممولين، بل تعدى ذلك إلى اعتبار المشكك من الكافرين والملحدين والمارقين واعتبر سرعة التصديق وسهولته والوقوف أمام الأشياء ببلاهة وبلادة كوقوف الأصنام أمام عابديها، اعتبرها من علامات الوطنية والاخلاص والوفاء للبطولات الزائفة لذلك الجيش الذي أنقذه من يد الإخوان المفسدين.

لقد غيب العسكر عقول المصريين بالجهل على مدار عقود حكمهم لهذه البلاد، وغيبوا أجسامهم بالقتل والاختفاء القسري لمن يفتح فمه ويعترض على الظلم، أو بالمرض بمبيدات مسرطنة، ومياه غير صالحة للاستهلاك الآدمي، لقد طبق المصريون عبر عقود فكرًا أقرب إلى فكر العبيد منه إلى فكر الأحرار، لقد رفعو شعارًا، «إذا كنت قويًّا هابك الناس ولعنوك وإذا كنت ضعيفًا احتقروك، قاصدين أن يذلوك وأن يعلنوا عن ضعفك وعن الشماتة بك وعن تفوقهم عليك، وقاصدين أيضًا أن يدافعوا عن ضعفهم بضعفك. إن ضعفك وضآلتك يتحولان إلى كرم وإلى تمجيد للعسكر ومن يحمل بيده الكرباج. أما إذا كنت فاضلًا أو تقيًّا أو نظيفًا فقط فإنهم لن يهابوك ولن يحمدوك وأيضًا لن يحبوك» انا أخجل من خوف المصريين من مواجهة جلاديهم، اخجل من كونهم ادمنوا التصفيق للقوى،اخجل من كونهم راضون بمجرد، كونهم احياء يعملون يأكلون يتناسلون فقط !!! ماذا يربح اي انسان من مثل هذه الحياة ؟ إن الحياة الحقيقية هي أن تكون حرًّا تملك إرادتك،عندما تبدي رأيًا تجد من يحترمه ويقدره حتى ولو كان رأيا سخيفا لا يحمل قيمة أو وزنا.

ففي النهاية أنت مواطن مصري لك حقوق وواجبات تنازلت عنها بمحض إرادتك لعسكري غشوم جهول، قرر أن يجعل منك كائنا يجيد التصفيق لا التفكير، يجيد الثناء والحمد لا الهجاء والنقد، لقد علم العسكر الشعب المصري أن يكره من يواجه الظلم، علمهم أن يكرة الثوار والثورة لأنهما خطر على وجود العسكر، فيستخدم إعلامه ليجعل ممن خدعهم وغيبهم من الشعب المصري يواجهون أحرار هذا الوطن الذين رفضوا أن يعيشوا تحت ظل الطغاة، هؤلاء الطغاة يعلمون أن الثوار لا يمكن أن يصنعوا وحدهم الحرية، لكنهم نسوا وتناسوا أن الحرية تحفر طريقها بلا تشريع بلا ثورة كما يحفر النهر مجراه، بمواصلة السير في جوف الصخور والتراب، بمقاومته للطبيعة.

إن الحرية لا توجد بالإرادة، أو الخطة، أو لأمر، إن الحرية توجد بالتعامل مع الأشياء الصعبة، والمتناقضة والمضادة، إن الحرية هي التعود على السير في طريق مسدودٍ بالمتناقضات والأحزان.

إننا نتعلم الحرية كما يتعلم الأعمى السير بين حقول المهالك مبصرًا بعصاه، وقريبا سيولد جيل من رحم المغيبين يرفض أفكارهم ويلعن الطغاة في كل وقت يحب عبق الحرية، ولا يستطيع العيش إلا بنسيمها.

جيل يهجو الطاغية ويثني على الحرية والمدنية والثورة، إن الطريق طويل وبناء جيل حر شاق وصعب، ولكنها ضريبة يدفعها الأحرار الآن في السجون والمعتقلات، وتروى بذرتها بدماء زكية أريقت ليتعلم أبناء هذا الوطن أننا حاربنا من أجل حريتهم ليس بالسلاح ولكن بكلمة حق في وجه عسكر لا يعرفون إلا لغة الدم والسلاح وإننا واجهناه بالكلمة وإن الكلمة لو كانت من أجل الحق فهي أقوى من كل أسلحة العالم.

 

The post لماذا يكرهون الثورة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : القابلية للاستبداد

«لماذا لا يثور المصريون»؟ هذا السؤال الذي عَنوَن به علاء الأسواني كتابه ما يزال يُحيرني كثيرًا، وما زلت أبحث له عن جواب، خاصة بعد كل مُلمة تلم بالبلاد، أو تدهور يصيب الاقتصاد وزيادة في الأسعار، وارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، أو تبخر المشاريع الكبرى، وزيادة نسبة البطالة، أو تراجع الاحتياطي النقدي، وزيادة نسبة الدَّين الداخلي والخارجي، أو انخفاض عائدات السياحة، أو توغل الأجهزة الأمنية في الحياة المدنية، وشيوع الفساد والمحسوبية …إلخ.

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير أصاب المصريين، والقائمة في زيادة منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 وحتى الآن.

لماذا لا يثور المصريون؟ وقد ثاروا بالأمس القريب في الخامس والعشرين من يناير 2011 لأسباب ودواع؛ هي نفسها اليوم، ولكنها تتفاقم وتتضخم. ومع ذلك فالشعب المصري لن يثور مرة ثانية، فقد استطاعت الثورة المضادة شيطنة الثورة، حتى كفر بها الناس ورضخوا للأمر الواقع وأغلقوا أفواههم وساروا بجوار الحائط مخافة التنكيل والبطش فلا تكاد تسمع لهم همسًا، حتي وقفات بعض المهنيين كحاملي الدكتوراة وأوائل الخريجين أو الأطباء، أو بعض الاضرابات العمالية والفئوية قليلة التأثير، والتي لا تستغرق سوى ساعات وترجع أدراجها قافلة، وتستمر حركة الحياة في الدوران.

ويُرجع الأسواني السبب: «أن هناك في الشخصية المصرية ما يمكن تسميته بمركب الإذعان، ذلك الميل المتوارث للسكوت عن الحق إيثارا للسلامة والتعايش مع الظلم وممالأة للسلطة» هذا الميل يعتبره «غوستاف لوبون» نزعة عامة لدى كل فئات الجماهير، حتي وإن تجسدت بأنواع ودرجات متفاوتة، فكتب في سيكولوجية الجماهير «أنها تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلًا من أشكال الضعف وما كانت عواطفها متجهة أبدًا نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس، وهي لا تقيم تلك النصب التذكارية العالية إلا لهم. وإذا كانت تدعس بأقدامها الديكتاتور المخلوع؛ فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقرين وغير المهابين «وهذه النزعة نراها واضحة لدي كثير من المصريين في أفعالهم وتصرفاتهم وحتي أقوالهم بأن مصر لا يصلح لها سوى حاكم عسكري، والعراق لا يناسبه سوي صدام حسين».

وكان مالك بن نبي قد طرح نظريته الشهيرة «القابلية للاستعمار» فقال: « كل قصة استعمار سبقتها قصة شعب قابل للاستعمار» . كذلك تتضح في شعوبنا «القابلية للاستبداد» وأن «وراء قصة كل مستبد وطاغية قصة شعب قابل للاستبداد والظلم وراضٍ عن المستبد» هذه الشعوب التي طال عهدها بالاستبداد حتى ألفته. وأنا هنا أُشخص حالة عامة ولكل قاعدة شواذ، وليس معنى هذا أن الشعوب ومنها المصريين لم يكن لهم مواقف شجاعة ونضال وتضحيات! لا، بل ثار المصريون وناضلوا وقاوموا المستعمر وقدموا في سبيل ذلك الشهداء والتضحيات. ولكن دائمًا ما تتنازعنا قوتان متساويتان كما يقول الأسواني «حب الحق من جانب، ومركب الإذعان من الجانب الآخر.. فإذا انتصر حب الحق ثار المصريون وانتزعوا حقوقهم، كما حدث في كل الثورات المصرية، أما إذا تملكهم مركب الإذعان فإنهم يلوذون بالصمت ويتركون الطغاة يعيثون فيهم فسادا». ومن سيكولوجية الجماهير «أنها مستعدة دائمًا للتمرد علي السلطة الضعيفة، فإنها لا تحني رأسها بخنوع إلا للسلطة القوية، وإن نمط البطل العزيز علي قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القيصر. فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها، وسيفها يرهبها». ومن يظن بأن من ثار سيثور فهو واهم لأن «الاعتقاد بهيمنة الغرائز الثورية علي الجماهير يعني الجهل بنفسيتها، فعنفها وحده هو الذي يُوهمنا بخصوص هذه النقطة. فانفجارات الانتفاضة والتدمير التي تحصل من حين لحين ليست إلا ظواهر عابرة ومؤقتة. فالجماهير محكومة كثيرًا باللاوعي».

وهذه «القابلية للاستبداد» جعلت المؤرخ المصري «جمال حمدان» يُلقي بمسؤولية الاستبداد كاملة علي كاهل الشعب، يقول: «لقد درجنا تقليديًا على أن نبرئ ساحتنا كشعب بمقولة «أننا شعب مغلوب على أمره مفترى عليه، وأن الفاعل المباشر هو الطغيان والمجرم الأكبر هو الاستعمار».. غير أن الحقيقة التاريخية التي تثبتها مرارًا وتكرارًا تجربة ألفي سنة ما زالت مُستمرة معنا حتي اليوم، هي أن كُبرى الآفتين ليست الاستعمار الأجنبي ولكن الطغيان المحلي، ذلك أن الذي مكن للأول غالبًا، بل استدعاه واستعداه أحيانًا إنما هو الحكم المطلق الداخلي بعجزه عن حماية الوطن فعلًا، أو بخيانته له علنًا ومساومته وتواطؤه مع المستعمر؛ ليحفظ علي نفسه عرشه أو مركزه، تذكر فقط الخديوي توفيق. والشعب نفسه ولا أوهام في ذلك، هو المسئول الأول والأخير، الأصلي والأصيل، حتمًا وبالضرورة، فإذا كان الحكم في مصر مأساة أو ملهاة، كارثة أو مهزلة، فإن سببها الشعب وحده نظريًا وعمليًا». وهذا مالخصه الكواكبي: «إن مبعث الاستبداد هو غفلة الأمة».

ومن ثم فالشعب عند حمدان لا عذر له «ومرفوض مرفوض المنطق الانهزامي المعكوس الذي يعتذر للشعب أو عنه بأنه مغلوب علي أمره لا قدرة له علي الثورة. فالطغيان لا يصنعه الطاغية وإنما الشعب هو الذي يصنع الطاغية والطغيان معًا. والمثل المصري يقول: «يا فرعون من الذي فرعنك؟ قال: لم أجد من يمنعني». والمثل الإنجليزي يقول: «القوة المطلقة مفسدة، كل سلطة فهي مفسدة». وهكذا «تتحول القضية إلى مسألة داخلية، مسألة عائلية بحتة، وبهذا يبدو الخطر الحقيقي علي مصر ينبع من داخلها، هو مصر نفسها، أكثر من الآخرين أو الغرباء، هو بطش وعجز الحاكم من جانب ورد فعل الشعب أو سلبيته من الجانب الآخر، هو قضية الديكتاتورية ضد الديمقراطية».

وتأتي «قابلية الاستبداد» من غياب عقول الجماهير في الخيال والتفكير، وتكون كجسم فقد مناعته وأصبح كفريسة لكل فيروس أو ميكروب ينال من الجسد الواهن، وبالتالي تكون مُهيأة للتأثير العميق، «فالصورة التي يثيرها في نفوسهم شخصية ما أو حدث ما أو حادث ما لها حيوية وقوة نفس الأشياء الواقعية ذاتها». ولذلك   «فإن الجوانب الساحرة والأسطورية من الأحداث هي التي تدهش الجماهير دائمًا وتؤثر عليها».

ومن أسبابها «الخيال الشعبي» وهو من أكبر داعمي سلطة المستبد. قال نابليون في مجلس الدولة الفرنسي: «لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرتُ بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرتُ بأني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا. ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبًا من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان». ولما تمكنت من الشعب «قابلية الاستبداد»  كان المستبد عقوبة لهم ولرضاهم مصداقًا للحديث القائل « كما تكونوا يُوَلَّى عليكم» أو كما يقول المثل الفرنسي «لكل شعب الحكومة التي يستحقها» والشعب عند حمدان «لا يُعفى من اللوم، وليس له إلا أن يلوم نفسه أساسًا، فهو الجاني مثلما هو المجني عليه، الفاعل والضحية، ظالم لنفسه كما هو مظلوم بحاكمه».

ويُرجع حمدان «الأوضاع السيئة التي يتردى فيها وإليها الشعب كل يوم تكون العقاب الطبيعي المستحق لتفريطه في حق نفسه وتهاونه في الدفاع عن حريته وكرامته وعزته وسيادته، فالحاكم الرديء الطاغية إنما هو عقاب تلقائي وذاتي لشعبه الذي سمح له بأن يكون ويبقي حاكمًا (وقديمًا كان قادة التتار والمغول من عتاة السفاحين والطغاة يتوعدون ضحاياهم بقولهم عن أنفسهم إنهم لعنة الله علي الأرض أرسلهم نقمة وعقابًا!). أي أن خير عقاب لمصر دائمًا علي ما هي فيه، هو ما هي فيه بالفعل، وكأنها بهذا أيضًا تعاقب نفسها بنفسها بانتظام.

وأخيرًا وليس آخرًا (قل لي من حاكمك أقل لك من أنت) أو (قل من الحاكم أقل لك من الشعب).

The post القابلية للاستبداد appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : دروس من تجربة شيخ المجاهدين أحمد ياسين

«ونحن نرقب ذلك اليوم الذي يتحول فيه الحجر بأيدي حماس إلى رصاص، ويتبدل الحجر، وتحل القنبلة والبندقية».  عبد الله عزام – قبل استشهاده بستة أشهر

(1) شيخان

شيخان من فلسطين، ومن حركة الإخوان المسلمين، كان لهما نصيب الأسد من حركة الجهاد الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين: عبد الله عزام، وأحمد ياسين!

وعزام أصغر من ياسين بأربع سنوات، لكن سبقه إلى الشهادة بخمسة عشر عاما، وكان عزام يلقب قرينه أحمد ياسين بـ «رمز صمود الحركة الإسلامية»[1]، وهما مثلان في علو الهمة وعظمة النفس، فالإنتاج الفكري لعزام ضخم كأنما هو إنتاج شيخ متفرغ للعلم مع أنه شيخ المجاهدين العرب في أعظم ملحمة جهادية في القرن العشرين (حرب أفغانستان)، وأما ياسين فقد صار مثلا في التاريخ: قعيد يؤسس حركة مقاومة في ظروف مستحيلة!

ومن المؤسف أن تراث الشيخين لا يُعامل بالاحترام ولا بالاهتمام اللائق به من شباب المسلمين، وفي القلب منهم شباب الحركات الإسلامية الذين يفورون بالغضب والطاقة، ولئن كان البعض يتهيب الإقدام على الإرث الكبير لعزام، فما هو عذر من يتخلف عن الاهتمام بالحلقات الثمانية الوحيدة التي تمثل خلاصة فكر وتجربة الشيخ أحمد ياسين؟! (وأعني بها: حلقات شاهد على العصر).

والشيخان امتداد أصيل لحسن البنا وسيد قطب، وكلاهما يعترف لكليهما بالفضل والأثر في نفسه وفكره، ولقد كتب عزام كتابا عن قطب سمَّاه «عملاق الفكر الإسلامي»، وكان ياسين يجتهد في شبابه لإدخال وتدريس الظلال إلى قطاع غزة بطباعته ونشره، ومن المثير للأحزان الآن القول: بأن نجاح الشيخين في عملهما هو بمقدار ما فارقا فيه النهج الذي صارت إليه الجماعة الأم في مصر، وهو ما سنرى بعضه بعد قليل، وربما نتعرض لبعضه الآخر في مقالات لاحقة.

وكنا قد وعدنا في المقال الماضي أن نستكمل بعض الدروس من سيرة وخلاصة تجربة الشيخ أحمد ياسين، فالله المستعان.

(2) مرحلة الاستضعاف

لم يقبل الشيخ ياسين أن تكون الحركة الإسلامية في أي وقت من الأوقات تحت تحكم السلطة العميلة أو حتى «رفاق الكفاح» (!!) العلمانيين، لو صحَّ التعبير، صحيحٌ أنه سعى ما وسعه الجهد ألا يثور اقتتال داخلي بين حماس وبين فتح أو سلطة فتح فيما بعد، إلا أنه في الوقت نفسه لم يُرق كرامته وكرامة الحركة الإسلامية سعيا لهذا التوافق ولم يجعل يده الأدنى والأسفل ليشتري سلاما مع فتح ومع السلطة.

لقد دخل الشيخ ياسين مواجهات بعضها دموي مع فتح منذ الثمانينات، وبدأ هذا حين أرادوا وضع شيوعيين ومسيحيين في مجلس أمناء الجامعة الإسلامية (فرع الأزهر بغزة) فوقف الإسلاميون ضد هذه المحاولة وأفشلوها، وكانت جهودهم تلك تصب في صالح محمد عواد العميد القديم للجامعة رغم أنه لم يكن صالحا بل لا يحب نصرة الإسلام كما يصفه الشيخ ياسين، لكن الحفاظ على إسلامية الجامعة كان هو الهدف الأول والأكبر، وهو ما تمّ، وكان هذا في عام (1980م).

بعد ذلك بعامين كانت الحركة الإسلامية تخوض مواجهة أخرى ليكون رئيس الجامعة إسلاميا فيحفظ لها هويتها ومظهرها الإسلامي ورشحوا لها د. محمد صقر المشهود له بالعلم بدلا من رياض الأغا العلماني ذي الفساد المالي والاتصالات مع اليهود والذي تتكرر منه الشكوى، وتمسكت الحركة الإسلامية بمرشحها ووصل الأمر إلى صدام دموي بين الشباب في الجامعات واغتالت فتح واحدا من الأساتذة الإسلاميين، وفي النهاية فرضت الحركة الإسلامية رأيها وفشلت بلطجة فتح في انتزاع الجامعة وتلقى شبابها ما يستحقون، وخرجت الحركة الإسلامية منتصرة في هذه المعركة، وانتهى زمن إجبارها علنا على شيء لا تريده لتبدأ بعدئذ مرحلة التفاهم.

لكن مرحلة التفاهم «العلني» يصحبها كذلك محاولات اغتيال وتصفية سرية، فقد حدث أن أدخلت فتح قناصا تابعا لها إلى قطاع غزة لاغتيال بعض عملاء إسرائيل، فدسَّت في قائمة العملاء أسماء تابعة للحركة الإسلامية، فلما اكتشف الشيخ ياسين هذا حذرهم وهددهم «أوعى، والله بتحرقوا البلد أنتم»! فكفُّوا وانتهى الأمر.

ثم انتقل الأمر لنزاعات الشباب، وتجرأوا ذات يوم على جرح فتاة في وجهها وإلقاء «ماء نار» على شاب فأصيب بالعمى، فكان الرد جاهزا، يقول الشيخ: «فمش معقول نتحمل أن واحد يفقد عينيه وهم بيتفرجوا عليه، وست طالبة في الجامعة يروحوا يضربوا بالشكل هذا، كلام مش منطقي.. ناخد قرار بضرب عناصر معينة منهم اللي إلها يد في هذا، فهم قاموا بالرد وضربوا عناصر منا.. بس الأغلبية كانت منهم، يعني الضرب منا واحد بس، هم انضربوا كذا واحد، واتكسروا وانتهت بعد هيك بمصالحة يعني ضمنية، تهدئة داخلية بدون صراعات تانية».

والملاحظ في هذه الوقائع جميعا أن الحركة الإسلامية كانت في بداياتها الأولى، أي أنها في «مراحل الاستضعاف» بالتعبير المشهور، لكنها مع ذلك لم تستلذ البقاء في هذه المرحلة ولم تسكت عن كل حق نزولا عند «سمات المرحلة»، وإنما كان الاستضعاف هو التحدي الذي تحاول دائما مغالبته والتخلص منه والتحول عنه.

وقد تطور الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك فيما بعد، وذلك أن حركة فتح منذ أن صار لها سلطة عملت على القضاء على الحركة الإسلامية والانفراد تماما بالساحة، وجرت في هذا الصدد مواجهات أخرى، لكن الشيخ ياسين كان حاسما في عدم السماح بالقضاء على الحركة الإسلامية، وآل الأمر إلى إغلاقات شكلية للمكاتب لكن الأنشطة تظل كما هي.

(3) حدود المواجهة

في المقابل ينبغي أن نذكر كذلك أن هذه المواجهات هي مواجهات محسوبة لا مفتوحة، ومنضبطة لا مندفعة، وهي بغرض الردع لا بغرض إشعال حرب، وهو من فقه المرحلة كذلك، فمثلما ابتلينا بمن استلذ بمرحلة الاستضعاف ابتلينا كذلك بمن يريد القفز من مرحلة الولادة إلى مرحلة التمكين، أو كما يقول أحد إخواننا العقلاء: نحن بين منهج «سلميتنا أقوى من الرصاص» ومنهج «بندقيتنا أقوى من الصواريخ والطائرات والبوارج»!!

إن الشيخ الذي أعد شبابه لمثل هذه المواجهات هو نفسه من منعهم من محاربة السلطة الفلسطينية حتى بعد توقيعها اتفاقية أوسلو لئلا يؤدي هذا إلى حرب داخلية، لا سيما إن كانوا لا يستطيعون حسمها لصالحهم، وهو نفسه الذي عاقب بعض شبابه لأنه في غمرة الحماس هاجم مبنى الهلال الأحمر (وكان حينئذ قلعة الشيوعيين) ودمَّر خمارة وكازينو، وأخبرهم أنهم بهذا أشبه بالعملاء الذين ينفذون رغبة الإسرائيليين بإشعال اقتتال داخلي، بل ويضعون أنفسهم أداة لفتح (التي استثارتهم) في حربها مع الجبهة الشعبية (اليسارية الشيوعية)، وهي معركة يجب ألا تحشر الحركة الإسلامية نفسها فيها، كذلك أخبرهم أن الخمارة والكازينو وغيرهما إنما هو «عدو مؤجل» بينما ينبغي الالتفات لأصل المرض وهو الذي سمح بوجود هذه الخمارات والكازينوهات من الأساس.

وهو نفسه الذي أصرَّ ألا يكون ثمة اقتتال بين فصائل الشعب الفلسطيني ما وسعه ذلك، وقبل أن تناور السلطة سياسيا بالإغلاق الشكلي للمكاتب الإدارية التي تمثل واجهة نشاط الحركة الإسلامية، مع بقاء الأنشطة كما هي.

لكن أمرا هنا ينبغي الالتفات له، وهو حرص الشيخ على الاستفادة حتى من أخطاء شبابه، فأولئك الذين تحمسوا وهاجموا مبنى الهلال الأحمر (قلعة الجبهة الشعبية) ودمروا خمارة وكازينو، أثاروا على الحركة الإسلامية هياجا إعلاميا واتهامات بالعنف والإرهاب … إلى آخر هذه الترهات، وطُلِب منه أن يصدر بيان استنكار فرفض، وقال: لسنا متهمين حتى نصدر بيانات، فليثبتوا هم أولا أننا نحن من فعلنا. ثم كان تقييمه للحدث (رغم رفضه له) أن له وجها إيجابيا وهو «إظهار قوة الحركة الإسلامية على الساحة».

وهذا درس ينبغي أن يستفيد منه من يعاني من إسهال الاستنكار والإدانة حتى لو لم يكن له أي علاقة بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد!

(4) دروس في بناء التنظيم

كان الشيخ ينفصل عمليا عن تنظيم الإخوان القديم في فلسطين، وكان يعرف أنه يبدأ طورا جديدا من الحركة الإسلامية، أو بتعبيره هو «أنا لا يعنيني الأسماء، أنا يعنيني الجوهر، ويهمني الجوهر، أنا الآن بدي أبدأ طور جديد من الحركة الإسلامية في المواجهة والمقاومة، فسأعطي هذا الطور من الحركة الإسلامية اسمًا جديدًا يتمشى مع الواقع، والواقع يحتاج أن يكون هنا مقاومة، ولذلك لابد أن تسمى الحركة بحركة المقاومة الإسلامية».

ومن كان هذا شأنه لا بد أن يؤسس عمله على:

أ. صبر مديد: لا يسع من بدأ في عمل جماعي إلا أن يبذل الكثير والكثير والكثير من المجهود والعنت، مع الصبر والمشقة، وهذا الشيخ القعيد النحيف الضعيف يحكي أنه بدأ العمل بعشرة أفراد فقط، لكنهم بعد وقت صاروا اثنين أو ثلاثة فحسب! فلم يصبه هذا بيأس أو بتردد وإنما تابع العمل وواصل البناء.

وظل الشيخ ياسين ينتظر ثلاثة عشر عاما حتى تحول عمله إلى تيار، إذ بدأ عمل الأسر منذ سنة 1967، واستمر بلا انقطاع حتى تحول إلى تيار بعد 1980.

ب. مغالبة الأقدار بعضها ببعض: وهي سنة كونية، ولا نحتاج أن نذكرها إلا لأن بعض الشباب في غمرة الحماس يظن أنه سيبدأ المواجهة الآن مع «النظام العالمي» كله، ويظن أنه قادر على اختراق كل الحدود والقيود لمجرد عدم اعترافه بها.. وهو أمر لم تفعله حركة مقاومة من قبل، بل كل حركة تبدأ من واقع هي خاضعة فيه لظروف لا تملك منها فكاكا، فتظل تعمل تحت السقوف القائمة وبالحدود المتاحة وبالقوانين المفروضة عليها، وهي في كل هذا تتحين الفرصة لتعديل وضعها وتقوية نفسها حتى تصل إلى خرق هذه السقوف والحدود والقوانين.

هذا الشيخ أحمد ياسين بدأ العمل في نشاطه الإسلامي «المعلن» بتصاريح من الإسرائيليين، وأسسوا الجمعية الإسلامية بتصاريح من الداخلية الإسرائيلية، وتحالف في بعض الأحيان مع فتح ضد اليسار كما في انتخابات الهلال الأحمر، وكان يلتقي ويتفاوض مع مسؤولين من فتح، وقَبِل بكثير من الأوضاع التي فرضتها السلطة الفلسطينية ومن قبلها الإسرائيلية مما لم يمكنه دفعه، أو كان دفعه يترتب عليه ضرر أشد. وكل هذه أمور يحتاج الشباب المسلم العامل أن يعيها ويفقهها، كي لا يكون وقودا لشعارات وعبارات خيالية تحرق الجهود في معارك عبثية وعدمية.

جـ. الشورى الحقيقية والمؤسسية: كان الشيخ ياسين مؤسس التنظيم، لكنه لم يكن التنظيم كله، بل إنه في لحظة ما عرف أن التحقيقات الإسرائيلية ستقود إليه، فترك التنظيم تماما ليتولاه غيره، فلما اعتقلوه فعلا (1984م) لم يتوقف التنظيم ولم يتأثر بغيابه، ثم لما خرج من الاعتقال أخذ إجازة سنة من التنظيم لئلا يتتبع اليهود أمر التنظيم، ثم لما عاد إلى التنظيم عاد جنديا لا في القيادة.

وكثير من مراحل المواجهة مع فتح أو السعي للتسلح أو غيره تم والشيخ ياسين في السجن أو خارج التنظيم. ولما اندلعت الانتفاضة كرر هذا الأسلوب، يقول: «اعتقلوا قبلي، واعترفوا عليَّ كمؤسس، واللي بدأ الانتفاضة، والسلطة (الإسرائيلية) من هنا وجدت أنه مش في مصلحتها تعتقلني، فسابتني في الخارج لكي تصطاده من حولي، وتعرف الأمور، أنا في تلك الفترة اعتزلت كل العمل، وتركت العمل لآخرين يشتغلوا في عمل الانتفاضة والخطة وكله كل شيء».

د. الانضباط والاتزان: اعتمد الشيخ ياسين نهج رصد وتصفية عملاء الاحتلال قبل نهج العمليات ضد الاحتلال نفسه، فأول عمليات الجهاز العسكري كانت محاولات كشف شبكات العملاء التابعين للإسرائيليين، وكانوا يقصدون القبض عليه والتحقيق معه لكشف شبكة العمالة، وكان التحقيق مع العميل يصوَّر ثم تعرض اعترافاته على لجنة تقوم بعملية التحليل والمحاكمة في نفس الوقت، قبل أن تصدر حكمها عليه، ولم يكونوا يقدمون على ذلك قبل الاشتباه الأكيد في أمره، واستطاعوا كشف العديد من الشبكات ومن أساليب الإسقاط. ومع ذلك، فهم لما قتلوا مشتبها به بالعمالة قبل أن يثبت عليه هذا بشكل قاطع دفعوا الدية لأهله.

هـ. السرية: اعتمد الشيخ كذلك نهج السرية، فلم يكن يعلن لا عن تصفية عملاء، ولا في المرحلة التالية عن العمليات التي قاموا بها ضد الاحتلال أو المستوطنات، يقول: «ولم تكن بيانات، كنت أحب العمل وأُبْقي العدو تائها».

 (5) درس في طبائع الشعوب

من بين كل كلام الشيخ علق بذهني هذه العبارات التي تمثل بحد ذاتها درسا في طبائع الشعوب التي يجب أن يفققها العاملون للإسلام، يفقهونها ليعملوا على بصيرة لا لينشغل بعضهم بشتم هذه الشعوب، يذكر الشيخ وهو يصف صعوبة البدايات أن الناس كانت تحب عبد الناصر وتكره الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، حتى أنهم هتفوا لما مات «الله حي وناصر حي»، وذلك لأن «الدعاية المصرية في غرس المقاومة العربية في ذلك الوقت فظيعة جدًا.. فظيعة جدًا، لا تتصورها قد إيش»، و«كان الناس في ذهول عند موته» حتى إن بعض الخطباء لما خطب ضد عبد الناصر هاجمه الناس، ويحكي الشيخ عن رجل كبير جاءه بعد الخطبة واستنكر عليه عدم ثنائه وترحمه على عبد الناصر، وقال له: ماذا تريد من عبد الناصر؟ يطبق الإسلام أم يحارب إسرائيل، فقال الشيخ ياسين: «الاثنين واحد، إذا لم يأخذ الإسلام سلاحه معناه إنه مهزوم، ولذلك هو لم يؤدي الأمانة اللي ربنا استأمنه عليها».

ويضيف الشيخ أن الدعاية والإعلام يجعل الناس مخدرين، ويضرب مثلا على ذلك بحال الشعب المصري بعد هزيمة يونيو 1967، «كان الشعب المصري اللي طلع يهتف لعبد الناصر بعدما استقال.. طيب ما هو الثاني مخدر خالص، طيب.. واحد حقق هزيمة، وقال: أنا بأتحمل الهزيمة، وبيتحملها وبيرجع يمسك المسؤولية تاني، وبيهتفوله فمعناها برضه إن الشعب مخدر خالص، مافيش في العالم واحد بيتحمل هزيمة وبيرجع على الكرسي تاني، لكن هذا الواقع هو اللي صار في بلدنا».

 

The post دروس من تجربة شيخ المجاهدين أحمد ياسين appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : هل حقًّا باع البشمور أبناءهم لأجل الخراج؟

تكملة لمناقشة كاتب مقال «ما لن تجده في مناهج التاريخ المصرية: ثورة المسيحيين عام 831م» فيما أثاره من أن المسلمين أرهقوا أقباط مصر بأموال الخراج والجزية، أناقش الكاتب فيما ورد بمقاله، ولعلي في مقال لاحق أقف على الأسباب الحقيقية لتمرد البشموريين، إن شاء الله.

يقول كاتب المقال: «منذ دخول المسلمين مصر، فرضوا الجزية على غير المسلمين، وتراوحت فترات الاضطهاد والتسامح في هذا الأمر بحسب تطور الظروف التاريخية، وتقلب الأمزجة الشخصية للولاة، كما فرضوا أيضًا الخراج على أراضيهم، في حين كان المفترض أن تعامل أراضي المسلمين بنظام الزكاة «تحصيل العشر»، لكن تحول المصريين إلى الديانة الإسلامية كان سيؤثر بالسلب في تلك الحالة على خزينة الدولة الخراجية، التي تستفيد كثيرًا من ضريبة الخراج؛ لذلك قرَّرت الدولة ألا تعفي أرض المتحولين إلى الديانة الإسلامية من ضريبة الخراج، فالأرض كافرة وإن أسلم صاحبها، وذلك ما يفسر اشتراك المسلمين من أصحاب الأراضي الخراجية في الثورة البشمورية».

وفي هذه الفقرة ثلاث مغالطات -مع افتراض حسن الظن في الكاتب- نذكرها ونفندها فيما يلي

  1. يفترض الكاتب أن الجزية لم تكن معلومة المقدار وكان تقديرها يخضع للأهواء الشخصية للولاة، وكذلك الخراج.
  2. كما يغمز بأن المصريين تحولوا إلى الإسلام نفاقا لتقليل مبلغ الخراج، لكن الدولة تعنتت معهم ورفضت تحويل الأراضي إلى أراض عشرية؛ لأن ذلك يؤثر على خزينتها؛ ليوهمك بضخامة مبلغ الخراج قياسا إلى العشر.
  3. كما يوهمك أن المسلمين الذين ثاروا في تلك الفترة هم من الأقباط المتحولين إلى الإسلام، وأنهم ثاروا للسبب نفسه الذي ثار من أجله البشموريون.

وتفنيد هذه المغالطات يقتضي بداية التفريق بين الأراضي الخراجية والأراضي العشرية، فنقول إن الأراضي العشرية هي التي أسلم أهلها وهم عليها، فلا يثبت بها حق للغانمين، ولكن يؤدي أهلها زكاتها، وهي العشر. وأما التي فتحت صلحا وبقي أهلها على شركهم، فما اتفقوا عليه في شروط الصلح من الخراج، فيؤخذ منهم ولا يزاد عليهم، كما حدث مع بني تغلب، الذين صالحوا على دفع ضعف ما على المسلم من التكاليف المالية. وأما الأرض التي فتحت عنوة فقد صارت فيئا للمسلمين، وللإمام فيها أحد أمرين؛ إما أن يقسمها بين الفاتحين فتكون أرضا عُشرية، وإما أن يبقيها في أيدي أهلها، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويؤدوا خراجها، فإذا ما أقرهم عليها، فليس له أن يأخذها بعد ذلك منهم، وهم يتوارثونها ويتبايعونها، ولا يكلفون ما لا يطيقون، ويكون ما يؤدونه من الخراج بمثابة الأجرة للأرض. (انظر: كتاب الخراج، ص 63، 69، المبسوط 2/ 207)

وتكمن أهمية هذه التفرقة في عدة نقاط

  1. أرض الخراج هي أرض فتحت عنوة، فهي حق للمقاتلين الفاتحين، وإبقاء أهلها عليها لا يغير من هذه الحقيقة، وما يدفعونه من الخراج هو بمثابة الأجرة للأرض؛ وتحول أهلها إلى الإسلام لا يلغي هذه الحقيقة، وتظل أرض خراج، وهذا يبطل فرية أن نصارى الأقباط تحولوا إلى الإسلام هروبا من الجزية والخراج.
  2. تحول ملكية أرض الخراج من المشرك إلى مسلم بالبيع أو الإجارة أو الهبة لا يحول حقيقة وضعها، وتظل أرض خراج (بدائع الصنائع 2/ 55)، وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه «كان لعبد الله بن مسعود أرض خراج، وكان لخباب أرض خراج، وكان للحسين بن علي أرض خراج، ولغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وكان لشريح أرض خراج فكانوا يؤدون عنها الخراج». «الخراج لأبي يوسف، ص 62»
  3. إذا تحول صاحب الأرض الخراجية إلى الإسلام، أو اشترى المسلم أرضا خراجية، فإنه لا يجمع عليه بين العشر والخراج، ولكنه يدفع خراجها فقط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع العشر والخراج في أرض رجل مسلم».
  4. كما تكمن أهمية التفرقة بين نوعي الأرض، في اختلاف مصارف كل منهما، فالأراضي العشرية تصرف عشورها في مصارف الزكاة الثمانية التي حددها الله تعالى في سورة التوبة «الآية 60»، وأما الأراضي الخراجية فيصرف خراجها في مصارفه التي حددها الله تعالى في سورة الحشر «الآيات 7 – 9».

وبهذا يتبين خطأ ما ادعاه الكاتب من أن تحول المصريين إلى الإسلام كان يضر بخزينة الدولة، فتعنتت معهم واعتبرت الأرض «كافرة»، كما يقول الكاتب، يجب فيها الخراج لا العشر. وأما بيان كذب ادعائه أن المسلمين الثائرين في ذلك الوقت كانوا من الأقباط المتحولين إلى الإسلام، فيكفي في دحضه أن ترجع إلى أي كتاب تاريخ لتكتشف أن الثائرين كانوا من القبائل القيسية واليمنية، أي أنهم من العرب المسلمين الذي توطنوا الحوف الغربي.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل فتحت مصر عنوة أو صلحا؟

يذكر المقريزي أن الإسكندرية فتحت عنوة، بينما باقي مدن مصر فتحت صلحًا بفريضة دينارين دينارين، ما خلا الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية (1/ 294)، يعني أن أهل مصر لم يكونوا يدفعون إلا ما اتفق عليه في شروط الصلح، وهو ديناران، وأهل الإسكندرية فقط يدفعون الجزية والخراج لعدم وجود عهد معهم، فعلى الكاتب ألا يثق في رواية ابن المقفع ويجعلها رواية مسلمة.

لكن إذا افترضنا خطأ رواية المقريزي، وإذا كانت مصر فتحت عنوة -مع أن هذا يخالف ما يدعونه هم اليوم من وجود عهد صلح من عمرو بن العاص- فهل كان حقا مبلغ الخراج بالضخامة التي تجعل نصارى القبط لا يتحملونه، ويضطرون إلى بيع أبنائهم لتسديده لشدة العذاب الواقع عليهم، كما يزعم ساويرس بن المقفع؟. «تاريخ البطاركة 2/ 810» وهل ضاعف الوالي حقا الخراج؟ وهل حقا كان المأمون يعرف ذلك جيدا، كما يزعم الكاتب؟! وهل تقدير مبلغ الخراج موكل إلى الوالي؟.

ينقل الكاتب عن سلوى بكر أنه «منذ عهد الفراعنة كانت غلة الأرض توزع علي أربعة أنصبة: ربع للفرعون، وربع للمعبد، وربع للفلاح، وربع لإعادة الإنفاق على العمل الزراعي، وعندما جاء العرب لم يطبقوا هذا النظام، وكانوا يطالبون بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية، ومن هنا أصبح هناك إجحاف بالفلاح الفقير».

طبعا هذا النص يفترض أن العرب جاءوا إلى مصر وهذا النظام لم يزل مطبقا، متجاهلًا أنه تعاقب على مصر بعد عهد الفراعنة الإسكندر وخلفاؤه البطالمة، والرومان، وأن الربع المفروض للفرعون بالتأكيد لم يعد له وجود. كما يتجاهل أن المصريين كانوا قد تحولوا إلى النصرانية وأن الربع المفروض للمعبد كذلك لم يعد له هو وجود. وأنا مع ذلك سأتبنى وجهة النظر هذه على سخافتها، وأناقش الكاتب وصاحبة «البشموري» فيما تبنياه.

ونذكر في البداية أن الوثائق التاريخية والبرديات تثبت أن المصريين لم يكونوا يملكون الأرض، وإنما كان المالك الوحيد للأرض منذ عهد الفراعنة وإلى عهد الرومان هو الملك، وكانت الأرض مقسمة قسمين؛ أراض يتولى الملك استثمارها بنفسه، «فيقوم موظفو الإدارة المالية بطرحها في مزاد علني في كل عام، ويتقدم إليها من يجد في نفسه القدرة على زراعة الأرض، ومن يرسو عليه المزاد، يقوم بتوقيع عقد مع رجال الملك تحدد فيه بدقة التزاماته» «تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان، ص92». والقسم الثاني هو أراضي العطاء، وهي الأراضي الممنوحة للمعابد، والإقطاعات العسكرية، وأراضي الهبات التي تمنح لكبار الموظفين، وهي قابلة للاسترداد في حال ترك صاحب المنصب منصبه.

وإذا كان حكام البلاد قد انهزموا وتركوا أملاكهم وهربوا، فقد آلت هذه الأملاك للفاتحين، وسبقت الإشارة إلى أن الإسكندرية فقط هي التي فتحت عنوة ويطبق عليها نظام الخراج إضافة إلى الجزية، بينما باقي المدن والقرى المصرية قد صالحت على دفع دينارين سنويا عن كل شخص.

ومع هذا تشير صاحبة رواية البشموري إلى أن الفلاح كان يحصل على الربع فقط مما أخرجته الأرض، وثلاثة أرباع ما ينتجه لا تصل إليه يداه، ولا ترى في ذلك إجحافا بالفلاح الفقير، بينما ترى أن العرب «المسلمين» هم الذين أجحفوا بالفلاح الفقير، وطالبوا بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية! والسؤال: كم كانت هذه الضريبة الزراعية؟

يقول السرخسي: «وأما خراج الأرض فالأصل فيه حديث عمر رضي الله عنه فإنه وضع على كل أرض تصلح للزرع على الجريب درهما وقفيزا، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطبة خمسة» «المبسوط 10/ 79».

فإذا كان الجريب أربعة أقفزة (القفيز 16 كيلوجراما)، فإن الخراج بلغ في عهد العرب «المسلمين» ربع المحصول فقط، بينما تحصل الفلاح على ثلاثة أرباع المحصول، لا ينفرد الخليفة ولا الوالي ولا قائد الجيش بربع كالفرعون!

ولما ولي عبد الملك بن مروان، استقل ما كان يدفعه أهل الشام فحمل الأموال على قدر قربها وبعدها، فجعل على كل مائة جريب زرع مما قرب دينارا، وعلى كل ألف أصل كرم مما قرُب دينارا، وعلى كل ألفي أصل مما بعُد دينارا، وعلى الزيتون على كل مائة شجرة مما قرب دينارا، وعلى كل مائتي شجرة مما بعد دينارا، وكان غاية البعد عنده مسيرة اليوم واليومين وأكثر من ذلك، وما دون اليوم فهو في القرب. «كتاب الخراج، ص 41»

فإذا كان الدينار يساوي 4.25 جرام ذهبا عيار 24، وكانت المائة جريب تساوي 6400 كيلوجرام، فليت الكاتب وليت صاحبة «البشموري» يذكران لنا كم بلغت قيمة الخراج! إنها ببساطة تساوي 1/ 17 من قيمة المحصول، أرأيتم كيف كان العرب جائرين ظالمين؟! لذا كان من العدل وضع رواية ساويرس بن المقفع تحت المجهر للوقوف على الأسباب الحقيقية لتمرد البشموريين بعيدا عن فكرة تضخم مبلغ الخراج، وبيع الأبناء لتسديد قيمته، خاصة إذا علمت أن كتاب الخراج الذي أكثرت النقل منه في هذا المقال ألفه القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى للخليفة الرشيد أبي المأمون حين سأله أن يضع له كتابا يعمل به في الخراج والعشور والصدقات، وكان أبو يوسف يرى عدم جواز الزيادة على ما فرضه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإن كانت الأرض تطيق الزيادة، وإن كان محمد بن الحسن ذهب إلى جواز الزيادة إذا أطاقت الأرض ذلك، كما أنه ينقص منها إذا قل ريعها (انظر: المبسوط 10/ 79). ويبقى ذلك كله في نطاق إطاقة الناس ولا يحمَّلون ما لا يطيقون، كما سبقت الإشارة، لقول عمر لعثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان عامليه على العراق: (لعلكما كلفتما أهل عملكما ما لا يطيقون). فبينا أنهما تركا ضعف ما أخذاه. (الخراج ص 37، المبسوط 10/ 79)

The post هل حقًّا باع البشمور أبناءهم لأجل الخراج؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo