الاثنين، 29 فبراير 2016

ثقفني اون لاين : الفضيلة بين الشريعة والفلسفة من منظور ابن رشد

إذا كانت الشريعة جاءت لتدعو الناس إلى الفضيلة فإن الفضيلة وسبل اقتنائها مبحث من مباحث الفلسفة أيضًا، وهي مما يدعو إليه الحكماء، ويوجهون الناس إلى اقتنائها، كما أن الشريعة توجب على الناس فعل الفضائل واكتسابها، ويعرف أرسطو الفضيلة بأنها: “استعداد ما بإزاء الانفعالات ناشئ من نمو قوة بالمران، وبيانه أن كل فعل إنما تسبقه قوة من نوعه، والفضيلة قوة الفعل الخلقي ولكنها ليست مجرد قوة وليست انفعالًا مؤقتًا كالغضب أو الشفقة، وإنما هي استعداد أو ملكة أو حال مكتسبة بالمران وموقف دائم بإزاء الشهوات من حيث أن التكرار يولد طبيعة ثانية”[1].

فــ”ليست الفضيلة طبيعية وإنما الطبيعي فينا قوى واستعدادات، وتكتسب الفضيلة بمعاونة الطبيعة أي بطبعها على حالات معينة، فالفضيلة تتعلم كما يتعلم أي فن بإتيان أفعال مطابقة لكمال ذلك الفن، وتفقد الفضيلة بإتيان أفعال مضادة”[2] وهي الرذائل، ولذلك الحكماء يوجبون على الناس اتباع الشريعة إذا كانت في الأصل تدعو إلى الفضائل و”لأن المشي على الفضائل الشرعية هو ضروري عندهم، ليس في وجود الإنسان بما هو إنسان بل وبما هو إنسان عالم. ولذلك يجب على كل إنسان أن يسلم مبادئ الشريعة، وأن يقلد فيها، ولا بد، الواضعَ لها”[3].

وأيضا فإن “الشرائع مبادئ الفضائل… فإذا نشأ الإنسان على الفضائل الشرعية كان فاضلا بإطلاق”[4]، ثم إن “القوم (الفلاسفة) يظهر من أمرهم أنهم أشد الناس تعظيما لها (الشرائع)، وإيمانا بها. والسبب في ذلك أنهم يرون أنها تنحو نحو تدبير الناس الذي به وجود الإنسان، بما هو إنسان. وبلوغه سعادته الخاصة به. وذلك أنها ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان، والفضائل النظرية والصنائع العملية. وذلك أنهم يرون أن الإنسان لا حياة له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية. ولا حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية. وأنه ولا واحد من هذين يتم ولا يبلغ إلا بالفضائل الخلقية…

والفضائل الخلقية لا تتمكن إلا بمعرفة الله تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة لهم، في ملة ملة، مثل القرابين والصلوات والأدعية، وما يشبه ذلك من الأقاويل، التي تقال في الثناء على الله تعالى وعلى الملائكة والنبيئين. ويرون بالجملة أن الشرائع هي الصنائع الضرورية المدنية التي تأخذ مبادئها من العقل والشرع – ولا سيما ما كان منها عاما لجميع الشرائع – وإن اختلفت في ذلك بالأقل والأكثر… وللوصول إلى هذه الفضائل بعد النظر لا بد من تحقيق العمل… والجميع متفقون على أن مبادئ العمل يجب أن تؤخذ تقليدا، إذ كان لا سبيل إلى البرهان على وجوب العمل، إلا بوجوب الفضائل الحاصلة عن الأعمال الخلقية والعملية”[5].

ولذلك “فقد تبين من هذا القول: أن الحكماء بأجمعهم يرون في الشرائع هذا الرأي، أعني: أن يتقلد (الإنسان) من الأنبياء والواضعين مبادئ العمل والسنن المشروعة، في ملة ملة. والممدوح عندهم من هذه المبادئ الضرورية هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال الفاضلة، حتى يكون الناشئون عليها أتم فضيلة من الناشئين على غيرها، مثل كون الصلوات عندنا: فإنه لا يشك في أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر،كما قال تعالى.

وأن الصلاة الموضوعة في هذه الشريعة يوجد فيها هذا الفعل أتم منه في سائر الصلوات الموضوعة في سائر الشرائع، وذلك بما شرط في عددها وأوقاتها وأذكارها، وسائر ما شرط فيها من الطهارة، ومن التروك، أعني ترك الأفعال والأقوال المفسدة لها”[6] ولذلك الفلاسفة يؤمنون بالمعاد وهو موجب للفضيلة لأنه ينبئ بوقوع إما السعادة وإما الشقاء مما يجعل الناس في حذر فيعملون بالفضيلة ليحصلوا على سعادتهم في الآخرة، وذلك أن “الأمر فيما قيل في المعاد فيها (الشريعة) هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها”[7].

لقد قسم ابن رشد الفضيلة حسب تقسيم الفلاسفة لها، وهي أربع: فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء. ويريد ابن رشد بذلك أن يؤكد على أن كل السنن الكونية قائمة على تحقيق هذه الفضائل، وأن حصول الفضائل في المجتمع لا يكون إلا بالأخلاق الحميدة، فإن صلاح المجتمع في حسن الأخلاق وجمال الأفعال، وفساده في سوء الأخلاق وقبح الأفعال، وذلك “أن الناس لا يتم وجودهم إلا بالاجتماع والاجتماع لا يمكن إلا بالفضيلة فأخذهم بالفضائل أمر ضروري لجمعهم”[8].

هذا “ولما كانت النفس الناطقة جزأين: جزء عملي وجزء علمي، وجب أن يكون المطلوب الأول منه هو أن يوجد على كماله في هاتين القوتين. أعني الفضائل العملية والفضائل النظرية. وأن تكون الأفعال التي تُكسِب النفس هاتين الفضيلتين هي الخيرات والحسنات، والتي تعوقها هي الشرور والسيئات”[9]، وكذلك “لما كان تقريرُ هذه الأفعال أكثرُ ذلك بالوحي، وردت الشرائع بتقريرها، ووردت مع ذلك بتعريفها والحث عليها. فأمرت بالفضائل، ونهت عن الرذائل، وعرَّفت بالمقدار الذي فيه سعادة جميع الناس في العلم والعمل، أعني: السعادة المشتركة”[10]، و”عرَّفت من الأمور النظرية ما لا بد لجميع الناس من معرفته، وهي: معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة الملائكة ومعرفة الموجودات الشريفة ومعرفة السعادة.

وكذلك عرَّفت من الأعمال القدرَ الذي تكون به النفوس فاضلة بالفضائل العملية. وبخاصة شريعتنا هذه، فإنه إذا قويست بسائر الشرائع وُجد أنها الشريعة الكاملة بإطلاق. ولذلك كانت خاتمة الشرائع”[11]، وكان اليونانيون يحثون في أشعارهم على الفضائل “فلم يكونوا يقولون أكثر ذلك شعرا إلا وهو موجه نحو الحث على الفضيلة أو الكف عن الرذيلة أو ما يفيد أدبًا من الآداب أو معرفة من المعارف”[12]، وكذلك عن طريق المحاكات “إذا كان ذكر الفضائل مفردة لا يوقع في النفس خوفا من فواتها ولا رحمة ومحبة، فواجب على من يريد أن يحث على الفضائل أن يجعل جزءًا من محاكاته للأشياء التي تبعث الحزن والخوف والرحمة”[13].

ومن هنا نستنتج أن الفنون والآداب يمكن أن تكون خادمة للفضيلة وكذلك العكس تكون هذه دافعة إلى الرذيلة مثل ما نراه من أنواع الفنون والآداب في بلادنا العربية والإسلامية، والصواب تسخير الفن والآداب للفضيلة لا للرذيلة.

يقول ابن رشد: “قال (أريسطو): والاستدلال الفاضل والإدارة إنما تكون للأفعال الإرادية. وأكثر ما يوجد هذا النوع من الاستدلال في الكتاب العزيز – أعني في مدح الأفعال الفاضلة وذم الأفعال غير الفاضلة – وهو قليل في أشعار العرب. ومثال الإدارة في المدح قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾[سورة إبراهيم، الآية:24]. إلى قوله: ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾[سورة إبراهيم، الآية: 26]. ومثال الاستدلال قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾[سورة البقرة، الآية: 261].

ولكون أشعار العرب خالية من مدائح الأفعال الفاضلة وذم النقائص أنحى الكتاب العزيز عليهم واستثنى منهم من ضرب قوله إلى هذا الجنس”[14]، و”ينبغي أن تعرف قبل هذا أن ما يكفي في وصفها بالقول لا يكفي لإخراجها إلى الفعل في المدن وعند الأمم، إذ لا بد من قوة العقل”[15]، فيسوس الإنسان مجتمعه حتى يصل إلى الكمالات، “والكمالات ثلاثة: فضائل نظرية وفضائل خلقية وصنائع عملية”[16]، وهذا ما تقرره الشريعة أيضا إذ “السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية، فمنها ما يرجع إلى تعظيم من يجب تعظيمه وشكر من يجب شكره، وفي هذا الجنس تدخل العبادات. وهذه هي السنن الكرامية، ومنها ما يرجع إلى الفضيلة التي تسمى عفة وهذه صنفان:

السنن الواردة في المطعم والمشرب، والسنن الواردة في المناكح، ومنها ما يرجع إلى طلب العدل والكف عن الجور. فهذه هي أجناس السنن التي تقتضي العدل في الأموال، والتي تقتضي العدل في الأبدان، وفي هذا الجنس يدخل القصاص والحروب والعقوبات. لأن هذه كلها إنما يطلب بها العدل، ومنها السنن الواردة في الأعراض، ومنها السنن الواردة في جميع الأموال وتقويمها، وهي التي يقصد بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء، وتجنب الرذيلة التي تسمى البخل… ومنها سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة الإنسان وحفظ فضائله العلمية والعملية، وهي المعبر عنها بالرياسة، ولذلك لزم أيضًا أن تكون سنن الأئمة والقوام بالدين.

ومن السنة المهمة في حين الاجتماع السنن الواردة في المحبة والبغضة والتعاون على إقامة هذه السنن، وهو الذي يسمى: النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وهي المحبة والبغضة: أي الدينية التي تكون إما من قِبل الإخلال بهذه السنن، وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة.

وأكثر ما يذكر الفقهاء في الجوامع من كتبهم ما شذ عن الأجناس الأربعة التي هي فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء، والعبادة التي هي كالشروط في تثبيت هذه الفضائل”[17]، فهذه جملة الفضائل الواردة في الشريعة وقد قسمها ابن رشد حسب تقسيم الحكماء للفضيلة التي هي: فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء. وقد أوجبت الشريعة العلم بها ليتبعه العمل وذلك من أجل سعادة الدنيا والآخرة، فالفضيلة إذن طريق السعادة.

_________________________________________________________________________________________________

1 تاريخ الفلسفة اليونانية، ص: 248.

2المصدر نفسه، ص: 246.

3 تهافت التهافت، ص:510.

4 تهافت التهافت، ص: 511.

5 المصدر نفسه، ص: 554- 556.

6 المصدر نفسه، ص: 556- 557.

7 المصدر نفسه، ص: 557.

8 المصدر نفسه، ص: 43.

9 الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 200.

10 المصدر نفسه، ص: 200.

11 المصدر نفسه، ص: 201.

12 تلخيص كتاب الشعر، ابن رشد، مركز تحقيق التراث، 1987،  ص: 61.

13 المصدر نفسه، ص: 85.

14 المصدر نفسه، ص: 100- 101.

15 الضروري في السياسة، ص: 79.

16 المصدر نفسه، ص: 147.

17 بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص: 2320- 2321.

 

The post الفضيلة بين الشريعة والفلسفة من منظور ابن رشد appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : ضعف القيم الأخلاقية بعصر الطوائف بالأندلس

يقول ابن خلدون: “أن من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس”. ويقول أيضا: “إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طرقها, فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة, ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم”.

هكذا كان حال المسلمين الأوائل في الأندلس؛ تأرجح موقفهم بين القوة والضعف وفقًا لمقدار تمسكهم بالصفات والخلال الحميدة, وكانت الدولة الأموية بالأندلس قوية ما دامت متمسكة بتلك القيم, وحينما تخاذلت عنها؛ فقدت ملكها بالتدريج وأفل نجمها ليخرج من رحمها عصر جديد هو عصر ملوك الطوائف.

وغلب على ملوك الطوائف حب الدنيا والسعي للمصالح الذاتية وإشباع الغرائز, فضلا عن حياة اللهو والترف.

ولعل أبرز أسبابها هو الضعف الذي بدأ يطرأ على الوازع الديني لملوك الطوائف والذي أوجزه ابن حزم في كلماته الرائعة:

“اللهم إننا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم, وبعمارة قصور يتركونها عما قريب, عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم, وبجمع أموال ربما كانت سببًا في انقراض أعمارهم, وعونًا لأعدائنا عليهم عن حاجة ملتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة والذمة, وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك…”.

وانشغل أهل الأندلس وملوك الطوائف بشرب الخمر وارتكاب المعاصي وسماع العيدان, وبدلًا من المنافسة في مجالات مفيدة تنافسوا في شراء الذخائر الملكية.

وفى ذلك يذكر ابن الكرديوس:

“مشغلون بشرب الخمر, واقتناء القيان, وركوب المعاصي, وسماع العيدان, وكل واحد منهم يتنافس في شراء الذخائر الملكية”.

إلى جانب ذلك أصيب حكام الطوائف بالضعف المعنوي “الهزيمة النفسية”؛ فهذا هو المعتصم صاحب ألمرية أقام مجلسًا للهو والخمر ليخفف من حزنه على وفاة إحدى حظاياه, هكذا كانت قمة المهزلة؛ ملك من أشهر ملوك المسلمين في الأندلس! يخفف حزنه على وفاة والده بشرب الخمر وما يصاحبه من فواحش أخرى ترتب عليها فبدلا من بذل الخير لوالده والدعاء له نراه ينغمس في ملذات الحياة وينسى أو يتناسى أنه به لحق.

ولعب التكاثر المادي دورًا كبيرًا في التعجيل بزوال دولة الإسلام في الأندلس, فالكثير من ملوك الطوائف كانوا لا يتورعون عن أي وسيلة يرون أنها تزيد من كسبهم أو تعينهم على تحقيق مصالحهم الشخصية.

قام المعتضد بن عباد “صاحب إشبيلية” بعد أن تولى الحكم بعد أبيه بتصفية رجال الدولة؛ لينفرد بالحكم ويستبد بالأمر “فمنهم من أماته صبرًا – ومنهم من نفاه خارج البلاد – ومنهم من أماته خمولًا وفقرًا إلى أن تم له ما أراد من الاستبداد بالأمر”.

واستولى على أموال الناس بالباطل، ونال بطشه وطمعه الجميع بما فيهم العميان! فيروى أنه استولى على أموال رجل أعمى, وحينما علم أن الأعمى يدعو عليه؛ غضب من ذلك وأرسل إليه من يقتله.

وقتل كذلك رجلًا من المؤذنين من أهل إشبيلية – كان يكثر من الدعاء عليه – فتعقبه ولكن المؤذن فر منه إلى طليطلة, فأرسل إليه من يقتله. إلى هذا الحد من الغرور والتعجرف وصل الحال بهذا الملك! فهو يخاف من دعاء الأعمى ويخاف من دعاء البصير على الرغم من قلة حيلتهم وعدم امتلاكهم شيئًا سوى التضرع إلى الله بالدعاء.

ويروى أن حاكم الثغر الأعلى بالأندلس “المقتدر بالله”أجبر رعيته على دفع المال له، فلما اعترض عليه أحد الصالحين قتله.

وأدت كثرة الظلم في جمع الأموال من الرعية وتحصيلها بأي وسيلة ممكنة إلى قول أحد المعاصرين:

“إنه ليس في الأندلس في ذلك الوقت درهم حلال ولا دينار طيب يمكن القطع بأنه حلال عدا ما يستخرج من وادي لاردة من ذهب”.

وكان طبيعيًا مع التصارع في جمع الأموال دون وجه حق, ومعاقبة كل من يجرؤ على معارضة الحاكم أو الدعاء عليه, كان من الطبيعي أن تكون سمة هذا العصر التنازع بين ملوك الطوائف مع بعضهم البعض, وذلك للأسف في الوقت الذي كانوا فيه بحاجة شديدة إلى الوحدة, ويا ليت الأمر اقتصر على ذلك! بل لجأ بعضهم إلى التنازل عن جزء معين من أرضه مقابل مال معين يحصلون عليه, فقد تنازل حاكم مدينة (شليطش) عن مدينة للمعتضد بن عباد نظير مبلغ من المال.

هكذا كان حال ملوك الطوائف؛ فالراضي منهم كان يضمر التوسع, والساخط ينوي الثأر والانتقام, وقد كان الواحد منهم حينما يحشد الحشود لمحاربة أحد جيرانه من ملوك الطوائف يبالغ في ذلك؛ حتى أن كل واحد من ملوك الطوائف حينما يسمع بتلك الحشود يتوقع أنه توجه نحوه ويظن أنه لا يريد سواه.

والداء العضال لهذا العصر هو الترف والإسراف, يا ليت ملوك الطوائف أنفقوا الأموال التي أخذوها في أشياء مفيدة تنقذ الأمة من محنتها؟ ولكن كيف ذلك فمن يأخذ الأموال بدون وجه حق لابد أن يصرفها في غير وجه الحق وهذا ما حدث, فمن أباح لنفسه أخذ المال بوجه الباطل كيف له أن ينفقها في الحق أو يفكر في وجه من وجوه الخير؟

فيذكر أن زوجة “المعتمد بن عباد” صاحب إشبيلية رأت ذات يوم نساء يلعبن في الطين, وهن رافعات عن سوقهن فقالت له: “أشتهي أنا أفعل أنا وجواري مثل هذه النسوة”.

فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد وجعل منهم طينًا في القصر وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين.

ويذكر أنه حينما يتشاجران تقول له: “ما رأيت منك خيرًا قط” وكان يقول لها: “ولا يوم الطين؟” تذكيرًا لها بهذا اليوم الذي أنفق فيه من الأموال ما لا يعلمه إلا الله.

ومن أجل صور الضعف في القيم الأخلاقية الخلاعة والمجون, واتضح ذلك الأمر في التعلق بالجواري والشغف بهن وما صاحب ذلك من خلاعة ومجون, والاسترسال في هذا الأمر دون مبالاة بتعاليم الدين, ويذكر ابن حيان: “أن قرطبة – عاصمة المسلمين – كانت مرتعًا خصبًا لمزاولة تلك الراذائل”.

وكان ملوك الطوائف إذا احتاجوا شيئًا من الملهيات يرسلون رسلهم إلى قرطبة للبحث والتنقيب عن الأوصاف التى يريدونها من الجواري.

وليس أدل على ذلك من أنه ورد على “أبي الوليد بن جهور” بقرطبة في يوم واحد: كتاب من “ابن صمادج” صاحب ألمرية يطلب فيه جارية بصفات محددة، وكتاب من ابن عباد يطلب فيه جارية رائعة الجمال.

ويقول ابن حيان: “أما هذيل بن خلف بن رزين – صاحب شنتمريه – فقد كان من أرفع ملوك الطوائف همة في اقتناء القنيات حيث اشترى جارية بثلاثة آلاف دينار”.

وكان طبيعيًا أن يرتبط بظاهرة حب القنيات شرب الخمر وانتشاره بين الناس عامتهم وخاصتهم, حيث يذكر ابن حزم: “أن بيع الخمر في بلاد المسلمين – آنذاك – أصبح أمرًا مباحًا”.

ومع شرب الخمر والإعجاب بالقنيات والجواري؛ كان لابد أن تقل النخوة وتنعدم الغيرة أو بالأحرى تنعدم الرجولة, يقول ابن حزم: “رأيت بين الحاضرين أمرًا أنكرته, وغمزًا استبشعته, وخلوات الحين بعد الحين, وصاحب المجلس كالغائب أو النائم, فنبهته بالتعريض فلم ينتبه, وحركته بالتصريح فلم يتحرك, فجعلت أكرر عليه بيتين لعله يفطن وهما هذان:

إن إخوانه المقيمين بالأمن                أتوا للزنا لا للغناء

قطعوا أمرهم وأنت حمار                 موقر في بلادة وغباء

وبدلًا من أن تتحرك النخوة في صاحب المنزل, أنكر على ابن حزم ذلك القول فترك ابن حزم المجلس متحسرًا على ما وصل إليه حال المسلمين بالأندلس.

وهكذا أصبحت الفرصة سانحة لهزيمة المسلمين بالأندلس وطردهم خارجها, فالكاتب الجزائري “مالك بن نبي” كان بارعًا حينما أسس لنظرية “القابلية للاستعمار”, التي يرى فيها أن الاستعمار لابد وأن يكون له تربة مهيأة وممهدة في الداخل حتى يستطيع أن يرمي بذوره فيها بنجاح, وهذا ما حدث بالأندلس وظهر تفسيره جليًا في أقاويل الطرف الآخر الذي كان يتربص بالمسلمين بالأندلس ويتحين الفرصة المناسبة لدحرهم وطردهم منها.

فهذا ألفونسو السادس – ملك قشتالة – يقول لرسول “المعتمد بن عباد” حينما قدم إليه: “كيف أترك أقوامًا مجانين تسمى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم وكل واحد منهم لا يسلّ في الذب عن نفسه سيفًا ولا يرفع عن رعيته ضيمًا, وقد أظهروا الفسوق والعصيان واعتكفوا على المغاني والعيدان, وكيف يحل لبشر أن يقر منهم على رعيته أحدًا وأن يدعها في أيديهم سدى”.

وخلاصة الأمر ما قاله أحد قادة النصارى بعد إحدى المعارك التي خاضها مع المسلمين:

“كنا نظن أن الدين والشجاعة والحق عند أهل قرطبة, فإذا القوم لا دين لهم, ولا شجاعة فيهم, ولا عقول معهم”.

لقد قامت دولة الإسلام في الأندلس على أساس الدين والتمسك بالقيم والعادات والتقاليد، والبعد عن العادات الذميمة وشرب الخمر والإعجاب بالجواري, وما أن تسللت هذه الجرثومة في جسد دولة الإسلام بالأندلس حتى عم الضعف في الدولة, وأخذت هذه الجرثومة تتمكن من الجسد حتى غلبته, فكان ذلك إيذانًا بأفول دولة الإسلام بالأندلس.

وخير قول أتذكره هنا للإمام الغزالي: “إن الأمم قد تصاب بمرض فقدان المناعة الأخلاقية كما تصاب الأجسام بمرض فقدان المناعة الصحية”.

فالجسم حين يصاب بفقدان المناعة الصحية يكون عرضة للأمراض التي تتمكن منه, وتؤدي بالضرورة إلى ضعفه تمهيدًا لوفاته, وكذالك حال الأمم فنقص المناعة عندها ليست صحية كالأجسام ولكنها نقص مناعة الأخلاق التي إذا فقدت ضاع معها كل شيء.

 

 

The post ضعف القيم الأخلاقية بعصر الطوائف بالأندلس appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : في حب الأفوكاتو حسن سبانخ

حسن سبانخ شخصية من خلق رأفت الميهي، أداها عادل إمام في فيلم الأفوكاتو 1984، وهذه عشرة أسباب لتحب هذا الأفوكاتو وتتبعه:

 

1- سبانخ فيلسوف حقيقي وليس مُتفلسِفا

“الحياة مقرفة جدًا يا عبد الجبار والحقيقة إنك لو رفضتها علشان مقرفة. هتبقى مقرفة أكتر، الحل إنك تعامل الحياة بقوانينها عشان تتمتع بجمالها يا عبد الجبار”

سبانخ أفضل من يدرك قوانين الحياة، يعامل كل شخص بما يناسبه، وكل لعبة بقوانينها، لا يحمِّل الأشياء أكثر مما تحتمل، فلسفته بسيطة يستطيع أن يوضِّحها لعبد الجبَّار في جملتين حتى لو لم يفهم الأخير، فكما ورَد على لسان الأفوكاتو “كلكم هنا حمير، محدِّش فيكم فاهمني”.

 

2- الأفوكاتو لا يُحب أن يثير تعاطفك أبدًا.

يتقبَّل الهزائم بصدر رحب جدًا، يخلق بيئة للعمل في أحلَك الظروف، هو من المصابين بما نُطلق عليه “الدراموفوبيا”, وهو الخوف من أن تبدو دراميًا وهو مصطلح غير علمي بالطبع، بعدما كسب قضية من أصعب القضايا، أمر المستشار ببراءة المتهم وحبس سبانخ شهرا، ليسأله أحد الصحفيين بعدها “هو حضرتك كسبت القضية؟” فيجيب بسعادة بالغة “طبعًا.. مش شايفهم مرحلِّني على السجن؟”.

 

3- الأفوكاتو يضرب بكل القواعد عرض الحائط

في زيِّه الأزرق خلف السور، تأتي زوجته عطيَّة للزيارة، يطلب منها أن تصعد فوق السور ليذوبا سويًا في قبلة حميمية تجعل المشهد يبدو عبثيًا لأقصى درجة، ثم يهرب بعد فترة من السجن لمدة نصف يوم يذهب فيه ليمارس حياته الطبيعية مع زوجته، سبانخ يدمِّر المنطق، يحارب القواعد، يثور على الأعراف التقليدية، يرى أن كل ما نعيشه لا يبدو حقيقيًا لدرجة كافية فيخلق هو ما يراه حقيقيًا ويعيش ما يعتقد أنه يستحق أن يُعاش.

4- سبانخ (قليل الأدب) في نظر الكبار.

في دفاعه عن المتهم بحمل الدولارات يقول “الحكومة عندنا تتاجر في السوق السوداء للعملة، الحكومة بتاعتنا حكومة رشيدة حقًا، بتجمع العملة الصعبة في السوق السوداء من أجل مصلحة هذا البلد، ومن منا ضد مصلحة هذا البلد؟ لا أحد بالطبع بما فيهم هذا المتهم. من في هذه القاعة لا يتعامل بالدولار؟” ثم يوجِّه أسئلة كالرشاش الآلي للقاضي ومستشاريه “سيادتك عندك تلاجة 16 قدم؟ جبت دولاراتها منين؟ وحضرتك؟ وحضرتك؟ وإذا كان رب البيت بالدف ضاربا فلماذا لا يرقص أهل البيت، موكِّلي كان بيرقص وليس هناك قانون يعاقب على الرقص” لتنتهي القضية لصالح المتهم، ويؤمر بحبس سبانخ بعد أن يهمس له القاضي قائلًا “إنت قليل الأدب”.

 

5- سبانخ لا يعامل الأشياء بجديَّة أكثر مما تستحق

الحياة عند حسن عبد الرحيم المحامي ليست أكثر من لعبة يحاول الاستمتاع بكل لحظاتها واستغلالها على أكمل وجه، كل الأشياء لديه بسيطة، في المحكمة يحمل مع ملفات القضية في شنطته الخاصة ملابس داخلية، يدخل عربية الترحيلات ليؤنب المساجين على عدم اختيار المحامي المناسب، ويوزِّع عليهم الكارت الخاص به، يدخل السجن كأنه يدخل مدينة الملاهي، الكل هناك أصدقاء قدامى، يرفع سماعة التليفون ليأتي صوت الآخر قائلًا “حط السماعة يا عسكري” يجيب سبانخ بكل ثقة “حط إنت السماعة يا حيوان واديني الخط” “مين بيتكلم؟” “أنا مفتش مصلحة السجون يا كلب”. هكذا بكل بساطة، عندما تعامل الحياة كلعبة لن تحزن كثيرًا ولن تفرح كثيرًا لكنك بالطبع ستستمتع أكثر.

 

6- سبانخ يعشق التحديَّات الكبيرة

فقط تسأله امرأة عن قضيتها التي يتولاها لمدة عشرين سنة فيقول لها “قضيتك سهلة والحق معاكِ، شوفيلك قضية صعبة تكوني فيها مفترية وأنا أكسبهالك، بقولك إيه؟ حطي لجوزك سِم في الأكل وأنا أطلَّعِك براءة”.  يتحدَّى كبار رجال الدولة، يجعلهم يبدون صغارًا جدًا أمامه، يستمتع بالقضايا المعقَّدة، يستمتع بإعطاء الأمل لمن لا أمل لهم تاركًا للآخرين القضايا السهلة التي يترفَّع عنها بكبرياء رجل يعرف أن قدراته غير محدودة.

 

7- الأفوكاتو واسع الحيلة.. يصل دائمًا لما يريد

الأفوكاتو كان من الممكن أن يعمل ساحرًا، أو لنقل أنه يعمل ساحرًا فعلًا، طريقته في تذليل الصعاب وتخطي العواقب ساحرة، يقال أن أهم ما يميز الساحر: قدرته على إدهاشك من أبسط الأشياء، مرافاعاته مُدهِشة، كان له لزمة معتادة في المرافعات “القضية التي أمامنا واضحة وبسيطة” وعندما حذره القاضي من أن يكرر هذه الجملة في مرافعة جديدة قال: “القضية التي أمامنا ملعبكة ومنيلة بستين نيلة” فليس مهمًا ما يقول، هو يستطيع الوصول لما يريد من كل الطرق.

 

8- سبانخ ملوش مسكة

لو عشنا نشاهد حياة سبانخ لآخر عمرنا لن نمل، هذا رجل لديه قدرة عظيمة على أن تستمتع بمشاهدة حياته، خصوصًا وأنت تشعر أنك خارج اللعبة، عندما تثق به يفاجئك بنذالته، عندما تستهين به يُدهشك بقدراته الخارقة، عندما تصدِّقه يستطيع أن يلعب بك كما شاء، أحمق وعبقري، صعلوك ومَلِك، فيلسوف وبوهيمي، المؤكد أنه تركيبة جديدة لا يمكن أن تصيبك بالملل، وتتمنى لو كان لك صديق مثل سبانخ.

 

9- الأفوكاتو غير متمسِّك بالحياة ومتمرد عليها

بقدرات مثل التي يمتلكها كان من الممكن أن يصبح ثريًا جدًا لكن سبانخ لا يعنيه ذلك كثيرًا، هو يحب اللَعب، يستمتع به، ليس مهمًا أن يكتنز المال، الأهم أن يمارس حياته الطبيعية مع زوجته، أن يؤدي عمله المفضل بشكل جديد، يكفيه جدًا أن يشتري عجلة لابنه وأن تقوم زوجته بعملية اللحمية، يحب الحركة، يؤمن بها، طاقته تتجدد باستمرار، صعلوك يحب صعلكته ويؤمن بها، ويرفض كل ما يبعده عنها فهو يكره أن يشبه هؤلاء الكبار المُمِلّين.

10- حسن عبد الرحيم خفيف الظل لدرجة مدهشة

لا يطلق النِكات أبدًا، لكن من الصعب أن تفارقك الابتسامة وأنت ترى الأفوكاتو، يحتل زنزانة مجهزة لشخص آخر، يخطب في المساجين لكي ينالوا حقوقهم في قضاء حاجتهم، مرافعاته لا تخلو من خفة الظل أبدًا، تعامله مع ابنه وزوجته وأختها، في كل أحواله تستطيع أن تضحك معه كما يضحك هو، تتمنى في داخلك أن تتعامل مع الحياة بتلك البساطة مثله، أن تكون ممتِعًا لهذه الدرجة مثل الأفوكاتو حسن سبانخ.

 

The post في حب الأفوكاتو حسن سبانخ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : الشعوب حين تقاوم السقوط

في العلاقة بين الدولة كنظام وبين الشعب روابط وضوابط.

ومن المعروف أن ممارسات النظام تنعكس إيجابا وسلبا على جموع البشر الذين يعيشون كشعب تحت حكم هذا النظام.

كما أن درجة الوعي والإدراك الإيجابي لدور الشعب في حماية حقوقه وتصحيح مسار النظام وترشيد توجهاته، تنعكس أيضًا على النظام الحاكم في كثير من الأمور وتكون محل رعاية واهتمام، وبخاصة في المجتمعات الحرة التي لديها القدرة الديناميكية على عزل النظام وتغييره إذا أصر على السير في الاتجاه الخاطئ.

حدث ذلك في أكثر من بلد متقدم، وتكاد هذه الأمور أن تكون هي القواعد الحاكمة في الدول الديمقراطية التي تعشق الحرية، وتدفع ثمنها، ولا تسمح لحاكم مهما كان أن ينال من تلك الحرية.

هذا النوع من التنظيم بجانب كونه ينهض بالوطن ويدفع به نحو التقدم بكفاءة واقتدار، فهو أيضا سبب مباشر في الاستقرار حيث تنضبط به علاقة الناس في دنياهم، ثم يفتح التاريخ لأصحابه ذراعيه ليحتضن إنجازاتهم، ويدخلهم من أبواب الخلود، بل ربما يجثو التاريخ على ركبتيه تحية لهم وإجلالا، لأنهم بعشقهم للحرية ودفاعهم عنها يساهمون في حماية الكرامة البشرية ويعملون على رقي الحياة وتنميتها، كما يساهمون أيضًا في صناعة التاريخ وفي توجيه مساره وتصحيح وترشيد مسيرته.

والشعوب التي تلتزم بذلك النهج في حياتها تضفي على التاريخ من هالات النور جمالا

وبهاءً وتصور مراحله للأجيال التي تليها بأنها من أزهى وأنبل مراحل الزمن.

بينما الشعوب التي تتمنى الحرية، وتكتفي بمجرد التمنيات ولكنها تؤثر السكون والسكوت ولا تدافع عن حريتها، ولا توقف من يتجاوز في حقوقها؛ تعاني القهر والخسف والإذلال، ولن يفيدها سكونها وسكوتها وخنوعها المخزي.

السكون والسكوت والخنوع المخزي لا يعفي أصحابه من دفع ضريبة الحرية – وإن تصور البعض خطأ ذلك الأمر – وإنما يضاعف التاريخ على هؤلاء ثمن الحرية بخسارة مركبة، وقد أثبتت تجارب الناس ووقائع الأحداث ذلك؛ لأن السكوت والسكون والخنوع المذل يجعل الدكتاتور المستبد كالوحش الكاسر لا يتوقف عند حد أو يكتفي بفريسة واحدة، وإنما يمعن كل يوم في إذلال الضحايا، فهو يخرجهم ليهتفوا له متى شاء، ويخرسهم متى شاء، ويحلبهم متى شاء، ويقتل ويسجن منهم متى شاء، وعصاه دائما جاهزة لكل شاة شاردة.

البشر عادة في مثل هذه المجتمعات لا يعيشون في داخل دولة إذ لا يمكن تصور دولة دون مجتمع إنساني، والبشر حين تتدنى قيمهم وقيمتهم يصبحون أقل قيمة من الحيوانات، لأن بعض الحيوانات اشتركت بشكل إيجابي في الدفاع عن حقها في الحياة، وصبرت على تكاليف هذا الحق وكافحت من أجل البقاء لها ولأولادها، بينما هذا النوع من البشر يريد أن يعيش ولو في ظل العبودية والذل، ولذلك فهو لا يتخلف فقط  وإنما يعمم السقوط حتى يسقط هو والدولة من عين الله ولا يبالي الله به.

غير أن سقوط مثل هذه المجتمعات لا يحدث فجأة، وإنما يتم عبر مراحل تشكل مقدمات تؤدي حتمًا إلى نتيجة معروفة لدى علماء الاجتماع والمهتمين بعلم استشراف المستقبل، وهي الفشل ثم السقوط.

الفشل والسقوط له مقدمات سنجملها هنا ونتعرض لبعضها بالشرح البسيط قدر ما يسمح المقال، ثم نشرحها في مقال آخر كحق للقراء الكرام ليكتمل تصور القضية في أذهانهم.

ويمكن باختصار أن نجمل هذه المقدمات في المراحل الآتية.

  • مرحلة الصمت السلبي.
  • مرحلة تزييف الوعي.
  • مرحلة التآلف مع الفساد.
  • مرحلة انفصال الرؤية وانقطاع التنسيق بين المؤسسات بحيث تبدو تلك المؤسسات وكأنها تعيش في جزر منعزلة عن بعضها البعض.
  • مرحلة الدخول في غيبوبة الاستلاب الحضاري.
  • مرحلة توحش الأجهزة وتغول السلطة والمؤسسات حتى توشك كل مؤسسة أن تكون دولة داخل الدولة.

 

1ـ مرحلة الصمت السلبي

أهم السمات في تلك المرحلة أن الشعب يستثقل تكاليف الحرية ولا يتحمل أعباءها، بالقطع هو يتمناها ولكنه لا يريد أن يدفع ثمنها، وقد يرى التجاوز في حق تلك الحرية، ولكنه يلوذ بالسكوت والصمت إيثارًا للسلامة.

 

2 ـ مرحلة تزييف الوعي

وفيها يقوم إعلام الغواية بدور ثلاثي الأبعاد في خطورته.

 

البعد الأول: تمزيق الإطار الاجتماعي،

وذلك بتقسيم الشعب، وتحريض بعضه على بعض وتبرير قوة القمع وبطش الوحشية الأمنية، وشيطنة الخصوم والمعارضين من أي تيار، ويرسخ في أذهان الناس أنه لا فائدة من التظاهرات ولا التجمعات ولا التواجد في الميادين الثورية التي أصبحت رمزًا لانتفاضة شعب وثورة أمة.

 

البعد الثاني: استباحة الوعي الجمعي

وفيه تنشط مصانع الكذب وتكثر الخرافات ويتبناها إعلام الغواية، حتى شاهدنا على الفضائيات في عام واحد (2015) خمس حالات تدعي النبوة، وحالة تدعي الألوهية، ثم يستبد الجهل بالناس أكثر وأكثر، ولعلنا نتذكر جميعا تصريحات خبراء الإستراتيجيات والإعلام الذين أساؤوا إلى مصر شعبًا وجيشًا ونظامًا وتاريخًا وحضارة، عندما أخبرونا عبر الفضائيات أن جنودنا البواسل أسروا قائد الأسطول السادس الأمريكي، واقتادوه مكبلا، واتصل أوباما بالرئيس والرئيس قال له هتصعد حنصعد إيه رأيك…؟”!!!

وأن حاملة الطائرات الأمريكية عندما اقتربت من شواطئنا في 30 يونيو فوجئت بأنها محاطة من البحر بضفادعنا البشرية، ومن السماء بنسور الجو لدينا فارتعبت وعادت ذليلة مذعورة!!!

وأن سد النهضة سينهار وحده ويسقط، وسيغرق أثيوبيا والسودان، ثم تأتي إلينا المياه ندية طرية نقية فنزرع أرضنا ونشرب ونعوم أيضا!

وأن مصر والحمد لله محمية بموقعها ولأن رياحها شمالية غربية فهذه الرياح ستدافع عنا وترد أي صواريخ – ولو كانت عابرة للقارات ـ إلى الموضع الذي انطلقت منه، عند الآخر يعني!

وقبل ذلك كان هناك عدة اكتشافات مصرية خالصة لم تصل إليها كل أجهزة الاستخبارات العالمية بما فيها المخابرات المركزية الأمريكية وهي علاج الإيدز بالكفتة، وأن الرئيس أوباما من الخلايا الإخوانية النائمة!

بالقطع بين أبناء المؤسسة العسكرية من قادة جيش المحروسة من هم أقدر وأعلى قيمة وقامة وأعظم قدرة وكفاءة، من خبراء وحكماء وعظماء، ويمكنهم الحديث عن قواتنا المسلحة بمصداقية واقتدار، ولذلك تزداد دهشتنا من فرض هؤلاء المصابين بإسهال في التصريحات والتحليلات وخرافة الإستراتيجيات على القنوات الفضائية، وترك الساحة لهؤلاء يتصدرون المشهد في الفضائيات ليسيئوا لمصر ويجرحوا كبرياء ثقافتها بهذا السخف الهابط، حتى ولو ارتدى ثوب الدفاع عن مصر وجيشها، وتمسحوا بمصطلحات فخمة في القيادة والسيطرة والإستراتيجيات.

جيش مصر لا يحتاج لدفاع من هذا النوع المجنون والعاري تماما من أي منطق وأي عقل، والأكثر فقرًا في عالم الثقافة من أي فلاح أمي يجلس على مصطبته ليحكي حكايات جحا بين البسطاء الذين لم يغادروا قريتهم قط.

إساءة هؤلاء ليست لقواتنا المسلحة فقط، إنما هم يسيئون للعقل المصري ويجعلونه مادة للنكات والتندر والسخرية، ويغتالون بهذا السخف ثقافة وحضارة شعب عظيم.

وبالمناسبة ممارسة الاستعباط والاستخفاف بالناس بهذه الكيفية تعتبر جريمة تضليل وتسخيف لعقول المصريين، والمصريون أذكياء يكتشفون سخفها بسرعة، غير أن التماهي في هذا السخف دفع البعض إلى محاولة ممارسته عالميًّا أيضًا، من باب الفهلوة والفكاكة والفتاكة، فانقلبت مصيبة، وأوقعتنا تلك الفوضى في فخ العبث بعقول الإيطاليين والتدليس في قضية مقتل وتعذيب الباحث الإيطالي جوليو روجيني ومن هنا بدأت المأساة.

 

البعد الثالث: حرق السقف الأخلاقي،

وفيه تحرق اْبواق الكذب الأعمى كل السقف الأخلاقي وتتجاوز حتى حدود السقوط إلى الهاوية ليس فقط في محو ذاكرة الناس وإخضاعهم وغسيل أدمغتهم، وإنما في مستوى الألفاظ المستعملة في برامج “التوك شو” وهي ألفاظ تشبه الفعل الفاضح الذي يجب أن يعاقب عليه القانون، وتشعرك وأنت تشاهد تلك البرامج بأنك بين فئات لا تعرض أفكارًا وإنما تعرض أنواعًا من الردح الرخيص يصيبك بالدوار والغثيان والحزن، من حالة التردي التي وصلنا إليها ومستوى العبث الذي نعيش فيه، وبُعْد الهوة بين قيم هذا الشعب وحضارته العظيمة وتاريخه المشرق بالنضال، وبين واقعه المؤلم.

 

3- مرحلة التآلف مع الفساد

الدول الحرة والحية ليست معصومة من الأخطاء، وليست محصنة ضد الخداع أو التدليس والفساد، ويمكن أن يقع الناس فيها ضحية التدليس والتلبيس والغش، ولكن سرعان ما يكتشفه الشعب، لأن العقل الجمعي والإرادة الشعبية ترفض الخداع والتدليس، وتتجه دائما نحو الحقيقة، ومن ثم فالخداع والغش والتدليس لا يشكل قاعدة في التعامل بين الشعب ومؤسساته العامة، وإنما هو طارئ وغريب لا يلبث أن يكتشف أمره كخطر جديد وجرثومة مرض تفتك بالمجتمع، لذلك ينهض العقل الجمعي ومعه سنده من الإرادة الشعبية في حشد كل الطاقات الأمنية والإعلامية والقانونية لمحاصرة تلك الأوبئة الاجتماعية، وتحديد مصادرها، وكشف مَنْ وراءها وتقديمه لمحاكمات عادلة، وفي بعض دول العالم المتقدم يتم فضحهم وتجريسهم إعلاميًّا لدرجة أن بعضهم يقبل على الانتحار خروجًا من العزلة وهروبًا من الفضحية.

بينما الدول الفاشلة والآيلة للسقوط، بعد تزييف الوعي فيها يتولد لدى الغالبية العظمى من الناس قابليات للخداع، فتمارس ضدهم كل أنواع التزييف في السياسة والاقتصاد وفي الثقافة والوعي، ومن ثم فالخداع هنا يصبح هو القاعدة الحاكمة وقد تآلف الناس معها، وربما استساغوها فلم يشعروا أمامها بغصة أو غضاضة. وهنا تظهر أنواع جديدة من اللصوصية تبدأ بـ:

  • لصوص الثقافة ولصوص الفكر والوعي.
  • حرامي الميراث في الأسرة الواحدة ومن أبناء الرجل الواحد الذي يسرق أهله وإخوانه.
  • لصوص المؤسسة أو الجمعية في المجالس المحلية.
  • لصوص المحافظة على اللصوص.
  • لصوص المواهب والكفاءات والاختراعات.
  • لصوص بالقوة ولصوص بالوراثة.
  • لصوص أصليون، ولصوص أتباع.
  • لصوص أعضاء البشر.
  • لصوص القوانين، ولصوص بالقوانين.
  • لصوص في نصوص الدين، ولصوص في اللادين.
  • لصوص الوطن، ولصوص الشعوب.
  • لصوص إرادة الأمم والمجتمعات الدولية.
  • لصوص العالم المتحدون.
  • وحين تظهر كل هذه الحشود من اللصوص يستوجب الأمر أن نقدم تحية لصغار اللصوص الذين ضاعت حقوقهم، فاضطروا اضطرارًا أن يسرقوا بعض البيض وبعض الدجاج وحبل الغسيل من فوق أسطح المنازل. فهل يمكن أن نتخيل معاناة للصوص الصغار حين يردد حكيمهم “علي بابا” مقولته الشهيرة “ما اضطر لص صغير للسرقة، إلا بطمع وتخمة لص كبير؟”.

 

The post الشعوب حين تقاوم السقوط appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

ثقفني اون لاين : الطريق من هنا

من أكبر الأخطاء التي نقع فيها جميعا هو اعتقادنا بأن الثورة هي إسقاط الأنظمة وفقط، وكان من الأولى أن نفهم من دروس الماضي القريب والأليم بأن التغيير الحقيقي يكمن في تغيير أنفسنا وإسقاط عيوبها، قبل أن نسقط أنظمتنا؛ لأنه حال سقوط النظام سنكتشف أن عيوبنا وأمراضنا ذاتها كانت سببا في عدم حدوث التغيير الذي كنا نحلم بحدوثه.

إن 25 يناير كانت لحظة صادقة للخلاص من الترهل والفقر وغياب الأمن والتسلط، وكانت لحظة ضرورة في تاريخنا، مثلما كانت 30 يونيو لحظة صدق للخلاص من الضعف وعدم الكفاءة والانقسام الذي كاد يعصف بالبيوت من داخلها، لكن ما حدث بعد اللحظتين هي أمراضنا التي أعاقتنا عن الحركة، ودوما نحن نحب أن نلقي اللوم على غيرنا، ولا نتهم أنفسنا بأننا نحن الذين أفشلنا اللحظتين.

سنوات خمس لم تكن كافية على الإطلاق في أن نتعلم، ولكننا نرتكب الأخطاء نفسها، ولا نملك سوى طريق واحد للتغيير، وهو النضال ضد فرد أو ضد نظام، لكن شخصا واحد لم نناضل ضده: وهو أنفسنا!

سنوات خمس لم تكن كافية لأن نحترم عجزنا وضعفنا عن تغيير أوضاعنا، وأن مشاكلنا لن تحل برحيل رئيس، ولكن سيبقى الموظف الذي أفسدته العقلية البيروقراطية فقام يعطل مصالح الناس ويجبرهم على دفع أموال مقابل تمريره لها، والتاجر الذي يحجب بضاعته عن الناس ليزيد ثمنها، ومعلم ينظر لتلاميذ صفه باعتبارهم أموالا لابد من أن تدخل جيبه في دروس خاصة، ومهندس وافق على تعريض حياة الناس للخطر، وأعطى ترخيصا لبناء أدوار مخالفة، ومقاول أكل من نقود الأسمنت والحديد، وطبيب رفض استكمال جراحته قبل أن يتقاضى أموالا من أهل المريض، وشرطي أخذه غرور السلطة فقام يتسلط على الضعفاء، ورجل تملكته الأنانية فراح يتجاوز الناس بسيارته ويمشي في عكس الاتجاه ويقطع إشارات المرور.

سنوات خمس لم تكن كافية لأن نحترم قلة حيلتنا ونحن أصبحنا نرى الناس تصارع الموت على الطرقات ونخشى من إنقاذهم؛ خشية التورط، ولا نمنع متحرشا من التحرش بفتاة مسكينة؛ تحت قاعدة عدم التدخل: (مليش دعوة) ولا نمنع صبية يؤذون ضعيفا عقليا في شوارعنا، إذ يقذفونه بالحجارة وهم يلعبون!

الثورة لن تنجح قطعا؛ لأن أهداف الثورات هي التغيير للأمام، وبدون عمل لا يمكن أن تنجح ثورة، ونستطيع تغيير كل رئيس يأتي إلينا، لكن ليس معنى ذلك أننا سننجح في حصد الحرية والعيش والعدالة الاجتماعية؛ لأنك لا تستطيع الصعود للدور الخمسين، إلا بوجود مصعد الاقتصاد والإنتاج والعلم، والكهرباء التي تحرك هذا المصعد هي الأخلاق والمبادئ.

في أية ثورة ناجحة لا بد أن يتوازى مشروع اقتصادي وتعليمي، بجانب مشروع أخلاقي، وبالاثنين معا تستطيع أن تحقق مشروعك الحقوقي، وبذلك تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش من قبلهما.

وما زالوا يصرون على أن يصعدوا الأدوار العليا، دون المرور على الدور الأول، وتلك هي لب المشكلة التي نعانيها، وهي غياب التخطيط وفقدان الرؤية.

لن تستطيع أن تغير شيئا، دون أن تبذل مجهودا قبله، ولن تستطيع أن تنهض بحقوق الإنسان في وطنك، إلا في إطار مشروع جامع يحفظ لهذا الإنسان كرامته، ابتداء من نهضة اقتصادية ملائمة وتعليم جيد، ومستوى صحي مناسب وآدمي، وإعلام غير كاذب، وغير ناطق بلسان المال، الذي يتحكم فيه، والسلطة التي تتحدث باسمها.

لن تستطيع أن تغير شيئا، طالما لا يوجد مشروع أخلاقي يبدأ من دعم الأسرة وتوعيتها تربويا، حتى يصبح الأب شريكا في تنمية الثروة الحقيقية في المجتمع، وهي الفرد وثقافة المجتمع مهددة؛ لأنها لم تعد تنقلها الأجيال لبعضها البعض؛ لتردي مستوى العلاقات داخل الأسرة، ولغياب كثير من الآباء، إما بالسفر للعمل، أو بالكد من أجل لقمة العيش، أو بعدم اهتمام الأمهات وضعفهن أمام الأبناء الذين ذهبوا إلى سلطة أقوى، وهي سلطة الرفاق، ومنها تبدأ معاناة كثير من الأسر المصرية.

لن تستطيع أن تغير شيئا، طالما لم يتم دعم المدرسة: ثاني مؤسسات المجتمع، دخولا في وعي الطفل بعد الأسرة، ابتداء من تغيير مناهجها وتطوير أداء معلميها وتغيير أساليب التقييم، ونقل عملية التعلم إلى خارج المدرسة، بدلا من الأساليب العقيمة التي تعتمد على الحفظ والتلقين، حتى أصبحت مخرجات التعلم لدينا مجرد ديكور وشهادة معلقة على الحائط وبطالة تضرب في المجتمع.

قد يقول قائل: وكيف يمكن تحقيق ذلك؟

الإجابة ليست بسيطة، ولكن التجربة أثبتت أنه لا تغيير بدون استعداد، ومشروع عام في المجتمع، يشارك فيه الجميع، وإلا فإنه لن تنجح أية محاولات للتغيير الحقيقي، وذهب مبارك ومرسي باحتجاجات شعبية كبرى، ولم يتغير المجتمع، وبقيت مشاكله، والخطوة الأولى هنا، هي: تحديد المسئوليات للمؤسسات المجتمعية، حكومية كانت أو أهلية.

التعليم والصحة والصناعة والزراعة والسياحة والثقافة والأزهر والكنيسة والأوقاف والبحث العلمي والإعلام والرياضة والشرطة والجيش، وغيرها من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، مثل: منظمات المجتمع المدني الخدمي والحقوقي والنقابات وغيرها، لابد للجميع من نشر برامجهم وخططهم، ويكون ذلك ضمن خطة عامة للدولة، بحيث يتكامل فيها الاقتصادي مع الأخلاقي، وتمنح المنظمات والجمعيات تراخيصها وفقا لأهدافها ويعزل الوزراء ويعينوا وفقا لما حققوه من تلك البرامج.

تلك هي الخطوة الأولى: عرض الواقع كما نعيشه، ووضع خطة بأهداف واضحة وإجراءات زمنية، كل في تخصصه، ويتم التقييم على أساسها.

الخطوة الثانية: هي تجاوز الماضي، وليس نسيانه؛ فما حدث لا يمكن نسيانه، ولكن علينا أن ننظر إلى أولادنا وأحفادنا، فمن حقهم أن يعيشوا مثلما عشنا نحن، وفي مناخ أفضل، ونحن شعب فقير، ولا نورث أبناءنا الأموال والعقارات، ولكن نورثهم التربية الحسنة والأخلاق، وإن لم نتجاوز آلامنا سنورثهم الكراهية والأحقاد لبعضهم البعض.

إن لم نتجاوز ماضينا، وليس نسيانه، لن يستطيع أبناؤنا أن يتعلموا أو يصنعوا ذكريات جميلة في أوطانهم، مثلما فعلنا نحن، وسيكبرون في عالم مضطرب، وغير مستقر وسيتهددهم مشاعر عدم الانتماء للوطن الذي فيه يعيشون.

لابد من حوار مجتمعي لا يستبعد أحدا، تحت قاعدة: أن الوطن ملكية عامة، ونحن جميعا من نفس ذات الأرض، وأن السماء ستظللنا، شئنا أم أبينا، ولا يملك أحدنا أن يخرج الآخر من تحتها، ولا يستطيع أن يمنعه من أن يمشي على أرضها.

الوطن ملكية عامة، بمؤسساته وأفراحه وأحزانه، والمساواة بين أفراده، دون اعتبارات الدين والجنس واللون، والمستوى الفكري والمستوى الاقتصادي والمستوى الوظيفي.

هذا الحوار المجتمعي لا بد أن يكون في جميع مراكز الشباب بالقرى، وفي داخل النوادي، وفي الجلسات العائلية، وعلى شاشات التلفاز، فيقترب الناس لبعضهم البعض بعد ابتعاد.

الخطوة الثالثة هي احترام القانون، الكل سواسية أمام القانون، الذي يجب تطبيقه بقوة؛ لأنه رأس الدول الذي يجب احترامه، وأن يكون تطبيق القانون وفق آليات موضوعية لا شخصية.

لا يمكن أن نتصور مجتمعا لا يحترم فيه القانون، ولا تتحقق فيه العدالة، وإلا لكنا نعيش في عالم الغاب فعليا، كما أن تطبيق القانون يستلزم موضوعية التنفيذ، ابتداء من إجراءات محددة، ونهاية بأحكام عادلة تجعل الناس يحترمونها، حتى ولو كانت ضدهم.

إن التهاون في تطبيق القانون يجعل الناس تتجرأ على الدولة مثلما يكون التطبيق غير العادل له يجعلهم لا يثقون بها، وهنا يستلزم مراجعة الإجراءات والأحكام التي تجعل الخارجين عن القانون يحصدون البراءة، بينما من لم يرتكب الجرائم يحصد الإعدامات ويقبع خلف القضبان لسنوات كثيرة.

بعد ذلك سيثق الناس بعدالة دولتهم، وسيسهل عليهم احترام إشارات المرور، وسيقفون في الطوابير، ولا يأخذ أحد مكان الآخر، وستتوقف الرشوة تلقائيا؛ لأن الراشي سيعلم أنه سيحاسب على رشوته والمرتشي سيجازى في عمله.

البحث عن الطريق ليس صعبا، لكن السير فيه هو الذي يحتاج إلى مجهود ووعي، ومن المؤسف أننا حتى اليوم لا نزال نضل الطريق، ولازلنا نعتقد بأنه يمكن، عن طريق المظاهرات والاعتصام والهاشتاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، تغيير مجتمعنا، والحقيقة أنه لا تغيير بدون أن نتغير نحن أولا.

 

The post الطريق من هنا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo