يمينك هو شمال غيرك
أعتقد أن مفاهيم مثل فوق.. تحت.. يمين.. يسار.. كبير.. صغير.. بعيد.. قريب.. هي مفاهيم وهمية خاصة بصندوق الكون، وهي جزء من قواعد هذه اللعبة العظيمة، فيمينك هو شمال غيرك، وسماؤك هي أرض غيرك، وأرضك تشكل سماء بالنسبة إلى مخلوقات أخرى، فهل يمكننا الوصول إلى القيم المطلقة لهذه الأشياء كأن نقول: أنَّ هذا الشيء هو الأصغر ولا يوجد أصغر منه، أو أنّ ذلك الشيء هو أقصى اليمين ولا يوجد أيمن منه… إلخ. أظن أننا سنصل إلى مستوى من العوالم تنهار فيه كل هذه التعريفات وستنهار معها كل قوانين الفيزياء والرياضيات.
ماذا لو كانت تركيبة عدسة عيننا مختلفة عما نعرف الآن؟
إنَّ إدراك هذا الوجود مرتبط بتركيبة الحواس البشرية، وسأكتفي بحاسة البصر كونها أهم وسيلة لإدراك الكون.. في النهاية عدسة العين.. عبارة عن عدسة مثلها مثل عدسة المجهر أو التلسكوب، فالتلسكوب والمجهر عبارة عن أعين اصطناعية ساهمت بشكل كبير في تعميق وزيادة المعرفة الإنسانية، ولكن الاختلاف يكون في تصميم العين لكي تعطينا الشكل الحالي للوجود كما نراه.. لو فرضنا أنَّ تركيبة عدسة العين كالمجهر.. بمعنى أنَّ لها قدرة على التكبير لعشرات الآلاف أو ملايين المرات، فسيكون لها القدرة على رؤية المخلوقات الصغيرة وحتى الذرات وما أصغر من الذرات، ستنظر إلى الذرة وكأنك تنظر إلى شجرة أو بحيرة ..ولو فرضنا أن بنيتها كالتلسكوب وبأضعاف مضاعفة، فإنَّ الإنسان سيشاهد النجم الموغل في البعد كأنه أمامه، والمسافة بينهما لا تتعدى سنتيمترات، ولو كان لها تركيبة تكبير.. لشاهدت النملة غولًا مخيفا.. حتى مسائل البعد والقرب هي مسائل مرتبطة بالعين والعقل البشري، فلو كانت عدسة عينك كعدسة الباب السحرية، فإنَّك سوف ترى باب المنزل المقابل لبيتك بعيدًا.. بينما لو فتحت الباب فستراه قريبًا بشكل أكثر بكثير مما رأيته.. أما لو كانَتْ أعيُنُنا ترى بأشعة اكس مثلًا وليس الضوء العادي، فإنَّنا سنرى بعضنا كهياكل عظمية لقدرة هذه الأشعة على اختراق الأجسام.
يا ترى ما هي تركيبة العين المطلقة التي ستعطينا الشكل الحقيقي للكون كله؟
لا يوجد صراحة أي جواب منطقي على هذا السؤال.. فلا سبيل إلى معرفة الشكل والحجم الحقيقي للأشياء، فكل عدسة وكل نظام ضوئي يعطيك شكلًا وحجمًا مختلفًا عن الآخر، وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل هذه المعاني بقوله تعالى:
فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي آلية الرؤية والسمع قبل وجود الشمس نفسها؟ فالوجود والحياة البشرية كلها معتمدة على الشمس بما فيها الرؤية البشرية، وما هي آلية السمع في الفراغ كون الصوت لا ينتقل في الفراغ.. لذلك فعندما يصف الله نفسه بأنه الوحيد العالم بالغيب والشهادة: اللَّهُ يعلمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وما تغيضُ الأرحامُ وما تزدادُ وكلُّ شيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال.. ذلك لأن عالم الشهادة الذي نراه لا يقل غيبية عن عالم الغيب نفسه، فكل الوجود يعج بالغيب.. نحن لا نرى من الكون سوى نسبة قليلة جدًا.. بينما أكثر من 90% من مادة الكون عبارة عن مادة وطاقة مظلمة لا يمكن رؤيتها ولا بأي وسيلة.. بسبب أنَّ الرؤية البشرية تعتمد على انعكاس الضوء من الجسم، وهذه المادة لا يصدر منها أي ضوء ولكنها موجودة وتساهم في تماسك وبناء النجوم والمجرات، ولكنها مجهولة الماهية.. حتى أكثر الأشياء وضوحًا تعتبر غيبًا، فأنت ترى صورة ملونة وجميلة للكون، ولكن المصاب بعمى الألوان رؤيته لهذا الوجود مختلفة كلية فهو يرى الوجود كفيلم سينمائي قديم بالأبيض والأسود فقط.
The post ما هو الشكل والبعد الحقيقي للأشياء؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست