السبت، 26 مايو 2018

ثقفني اون لاين : لماذا يجب على السود أن يتضامنوا مع القضية الفلسطينية؟

اليهود ومحاكمة إيشمان: الانسانية ضد الصهيونية  

في سنة ١٩٦١ أرسلت جريدة نيويوركر الفيلسوفة السياسية حنة ارندت لتغطية محاكمة إيشمان حيث كان الاخير متهما بجرائم ضد الشعب اليهود وجرائم ضد الانسانية. وصفت ارندت إيشمان بالسفاح/الموظف وتقول “أن المشكل مع إيشمان هو وجود الكثير من الذين يشبهونه والذين لم يكونوا مصابين لا بالشذوذ ولا بالسادية، كانوا ولم يزالوا اشخاصا عاديين لدرجة رهيبة ومخيفة” ومن خلال هذا الاستغراب تطرح ارندت مسالة الوعي والضمير من خلال حالة إيشمان، هل شعر بتأنيب الضمير؟ وعندما أجاب إيشمان بانه لا يشعر بتأنيب الضمير وأضاف محامية بانه لا يشعر الذنب أمام القانون بل أمام الله فقط.

ومن خلال هذه الاجوبة تضع ارندت أمامنا مأزق سياسي بالدرجة الاولى وفلسفي بالدرجة الثانية حيث تتساءل: هل يمكن أن نكون مواطنين صالحين محترمين للقانون في اللحظة التي نكون فيها مخالفين لقوانين اخرى؟ كيف يمكن أن نصل من خلال احترام القانون الى ارتكاب جرائم ضد الانسانية؟ وكيف يمكن أن نعصي ما يجب طاعته ونضيع ما يحب عصيانه؟  

انطلاقا من هذه الاسئلة بعد ستة سنوات من محاكمة إيشمان تحتل اسرائيل مناطق فلسطينية اخرى وذلك بعدما اعلنت اسرائيل دولتها الاستيطانية عام ١٩٤٨ بعدما ابادت قرى كاملة وتهجير سكانها. واليهود الذين استغربوا افعال النازية اللاإنسانية، يقوم بدوره افعال لا تقل وقاحة من النازيين أنفسهم. فكيف لليهودي الذي تعرض شعبه بالإبادة والتهجير أن يقوم في نفس الوقت تهجير وابادة شعب اخر؟ وعلى غرار اسئلة حنة ارندت كيف استطاع المواطن الاسرائيلي الذي يحترم قانون دولة اسرائيل ان يقوم بمخالفة قوانين اخرى؟ مثل ان يقتل فلسطينيا ويغتصب ارضه؟ وكيف له ان يرتكب جرائم في حق الفلسطينيين ويعصي قيم الانسانية ويضيع قوانين الاستيطان والتميز العنصري.

في المقابل كانت القيادة الصهيونية تدرك مدى الازدواجية الموجودة في محاكمة إيشمان فقد أصر بن غوريون محاكمة إيشمان على اساس جرائمه ضد اليهود وليس ضد الانسانية، لان ذلك يمنع مقارنة هذه الجريمة مع جرائم اخرى ارتكبها بن غورين ذاته في حق الفلسطينيين. وعلى هذا الاساس استبعد القادة الصهيونية اقحام موضوع الانسانية في محاكمة إيشمان. اما المثقفين اليهود امثال حنة ارندت فانها اصرت اقحام موضوع الانسانية في محاكمة إيشمان لتنتج كتابها المثير والذي كما يقال لم يترجم الى العبرية ابتعادا عن اثارة النزعة الانسانية عند الإسرائيليين حتى لا يتعاطفوا مع الفلسطينيين.  

رغم وضوح موقف حنة من الصهيونية ورفضها الكامل لإبادة شعب من اجل شعب اخر، ووصفت فلسطين بانها ارضا لشعب اخر اصليون ولا يمكن لأي شعب اخر بناء مستوطنات استعمارية.

اما موقفها من ثورة الزنوج فانه بالفعل مخزي جدا ومؤسف في نفس الوقت، اذ ان حنة ارندت وقفت بدون تردد مع الصف الرجل الابيض ضد مصالح السود، وقعت في مازق اخلاقي لا يمكن نسيانه.

اليهود ومشكلة الزنوج: الاصطفاف مع الرجل الابيض

وللأسف وقعت حنة ارندت بفخ العنصرية والاصطفاف مع الظالم وذلك في مواقفها ضد القضايا السود العادلة، وقد تتبعت كاثرين جاينس في كتابها بعنوان حنة ارندت ومشكلة الزنج، كيف تعاملت حنة ارندت مسالة الزنوج في الولايات المتحدة وكانت الرسالة المحورية في كتاب جاينس: “انه على الرغم من التزام حنة ارندت بمنهج شامل ومحايد للفهم، اي النقد المناسب لمعاداة السامية والتجربة الشخصية للتحيز الا انها اعادت انتاج موقف سيادة البيض تجاه حركات السود السياسية والاجتماعية في امريكا وافريقيا. ليس فقط بل ان تعريف ارندت بآرائها قاد الى ظلم معرفي ودعم العنصرية ضد السود، وان مفاهيم ارندت السياسية والاخلاقية الشاملة لم تركتها غير قادرة على اخذ عزم العائلات السوداء على المطالبة بالحصول على فرص متساوية لتعليم عالي الجودة على محمل الجد”

عندما كانت حنة ارندت تتهم السود بالفوضى كانت تلك الحقبة معروفة بالتحول الراديكالي حيث كان مالكوم اكس معارضا شرسا للصهيونية، وكتب مقالة بعنوان المنطق الصهيوني عام ١٩٦٤ واوضح مالكوم الاخضاع المتوازي للفلسطينيين والأفارقة واشار ايضا الى الموضع الاستراتيجي لإسرائيل بالنسبة للإمبريالية العالمية، حيث سعت الامبريالية العالمية الى تقسيم الدول العربية كما فعلت هناك في افريقيا. ويمثل مالكوم أحد اهم القادة الامريكيين السود الذين التقوا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والتي نشأت في ذلك العام.

وفي نفس المنوال عام ١٩٦٧ كتب جيمس بالدوين الاديب والناشط الاجتماعي مقالا في جريدة نيويورك تايمز بعنوان الزنوج اعداء للسامية لأنهم اعداء البيض، ويقول بالدوين “لا يمكنني الا ان اتعاطف مع السود في نيويورك فهم يكرهون اصحاب البقالات اليهود واصحاب مكاتب الرهنيات اليهود واصحاب العقارات والسكن اليهود ويصرحون بكرههم لليهود، الا ان الواقع يقول ان السود كرهو الرجل اليهودي ليس لمعاداتهم للسامية بل لان اليهودي تقمص شخصية الرجل الابيض وأصبح يتعامل معهم كأي رجل مسيحي ابيض”

ونشعر في كتابات مالكوم وجيمس بالدوين واخيرا كتاب كاثرين جاينس ان الرجل اليهودي هو ليس الا نتاجا كولونياليا ومن مخلفات الاستعمار الرجل الابيض، ولهذا فان الصهيونية باعتبارها نتاجا كولونياليا فهي بالفعل عدوتا لأي رجل اسود يحترم قضية حقوق السود في انحاء العالم.   

المعذبون في الارض: استحضار فانون

ان حضور فانون في مسالة الفلسطينية تشير الى العلاقة الابدية بين ضحايا الاستعمار في انحاء العالم، حيث تحولت سياسات الاستعمار من القتل والتهجير والترهيب الى قضية عالمية، وكذلك وما تتركه هذه السياسات من اثار نفسية على المستعمر اسودا كان ام فلسطينيا، وبالتالي فان اعمال فانون المتمثلة في كتابه معذبو الارض هو بيان فلسفي واجتماعي للتعبير عن الذات والتحرر من الاستعمار وفك الارتباط به.

ويمثل فانون نقطة مهمة في علاقة السود بالقضايا العربية حيث كان فانون جزائريا مناضلا رغم كونه مناضلا جاء من مارتينيك ثم الى فرنسا فانضم الى الثورة الجزائرية بقيادة جبهة التحرير الوطني لم تمنعه ان يكون جزائريا، وبالتالي فان علاقة السود بالقضية الفلسطينية تأخذ في هذا المنوال اهمية ملحة واستمرارية ابدية.

وكذلك حضور فانون يعيد الينا الصراع الثقافي والنفسي الذي يخوضه المناضلون ضد الاستعمار، بدا بتزييف الوعي ونشر دعايات كاذبة مثل نشر التحضر باعتبار ان الاستعمار جاء لنشر الحضارة، وكذلك دعوة الصهاينة بان فلسطين كانت مستنقعات مليئة بالملاريا لكن اليهود جعلوها ارضا صالحة للسكن، كل هذه الادعاءات الصهيو-امبريالية، وكذلك التعذيب والقتل الممنهج ولا سيما حينما يكون الموت معرقن ـالعرق- مما يعني ان بكونك فلسطينيا في اراضي الفلسطينية المحتلة او اسود في الولايات المتحدة الامريكية فانك معرض للقتل بسبب عرقك الاسود او العربي، لهذا يتعرض بالقتل الممنهج وبعدها يلصق عليه التهم بانه كان مسلحا او كان ينوي قتل شرطيا اسرائيليا بالسكين.

جنوب افريقيا: الصهيونية باعتبارها نتاجا كولونياليا

والشيء المهم في علاقة السود بالفلسطينيين هي مسالة الاستيطان والتميز العنصري الذي وقع في جنوب افريقيا، ولان هذا النوع من الاستعمار لا يشبه بالاستعمار الكلاسيكي. حيث ان الاستعمار الاستيطاني هو استعمار ليس له دولة اصلية يرجع اليها، وبالتالي فانه يقوم بالاستيطان والاستيلاء على الاراضي بقوة، ويقوم بوضع حواجز تفتيش وبناء جدار عازل بين المواطنين الاصليين وبين المستعمرين.

وكان يرتكز نظام الابرتهايد (الفصل العنصري) في جنوب افريقيا على النشاط الاستيطاني والذي انفصل عن الدولة الاستعمارية الام، وكذلك تشكيل جماعة قومية من خلال هذا الاستيطان وتوكد على تميزها العرقي عن السكان الاصليين، وكذلك وضع قوانين يحرم المواطنين الاصلين من التنقل وحق الاقتراع باعتبارهم العرق الاخر، وبالتالي فان العرق الارقى المستعمر الابيض يحق لها امتيازات اقتصادية ويسيطر الثروة بشكل مطلق، وكذلك كان يرتكز بوضع سياسات ثقافية ودينية في تعزيز رؤية التفوق العرقي والتمييز العنصري ومحو تاريخ المواطنين الاصلين وتجريدهم من الصفات الانسانية. هذه السياسات فعليا تقوم بها اسرائيل في الضفة الغربية وداخل الخط الاخضر، وقد وصف هندرك فيرورد “بإسرائيل بانها دولة عنصرية مثل جنوب افريقيا”.

من الواضح ان تضامن الرجل الاسود مع القضية الفلسطينية هي ليست مسالة تعاطف الضحايا مع بعضهم البعض وحسب بل هي علاقة مصيرية، فالفلسطيني الذي يعيش في ظل قمع الكيان الاسرائيلي وصار لاجئا او اجنبيا في ارضه، لا يقل مصيرا ومستقبلا من الأفارقة الذي تم نهب ثرواتهم واحتلت اراضيهم مثل جنوب افريقيا، او ذلك الافريقي الذي يتلقى رصاصة الشرطي الابيض في الولايات المتحدة بسبب لونه. هذا المصير وهذا المستقبل يجب على كل الأفارقة ومناضلي السود ومن يحترم الحقوق الانسانية ان يقف مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحريرية.

The post لماذا يجب على السود أن يتضامنوا مع القضية الفلسطينية؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست