تمثل عبارة نهج الشيخ محفوظ إحدى أدبيات الخطاب السياسي والإعلامي لعديد قادة حزب حركة مجتمع السلم الجزائرية، الحاليين والمنشقين، وإن كان ظاهرها يعبر عن وفاءٍ للمؤسس الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله (1942 – 2003) وعن تمسك بمنهجه، إلا أن مخبرها ينطوي عما يُفهم أزمة تماسك، في بنية الفكرة أساسا (فلسفية/مبدئية)، أو في آليات بنائها (سياسية/واقعية)، أو عند بنَّائي الفكرة ذاتهم (متعلق بالفهم أو الميزاج)، بدليل أنها تُرَدّدُ باستمرار في البيت الداخلي لا تترَدّد عليه، والترديد الداخلي الذي لا يرافقه تقليب يفيد المراجعة والتجديد أفصح تعبيرٍ عن تأزم ما.
من الطبيعي أن تُطرح فلسفة/مبادئ أي مشروع إنساني أو تُراجع عند ثلاث محطات؛ عند التأسيس، وعند غياب المؤسس الأول، وعند التحولات الكبيرة العميقة، فعادة وفي الثقافة العربية خاصة؛ يتولى المؤسس تحديد المرجع والمقصد، ولا تراجع المبادئ في حضوره لما للقائد من أبوية ورمزية، وهذا الذي كان في حركة المجتمع الإسلامي (حماس) سابقًا، فإن غاب كما غيّب الموت الشيخ محفوظ، استعاد الخَلَفُ الخلفية الفلسفية لإعلان الولاء لها غالبًا، كما كان يُفترض بتلامذة الشيخ رحمه الله، أما وأنهم أعلنوا الولاء وزادوا عليه البراء، براء من خطيئة الحيْد عن نهج الشيخ، وهو براء لا يستند إلى توصيفات واضحة مقنعة، حتى بات الكثير من أبناء الحركة يتساءلون عن ماهية نهج الشيخ رحمه الله، فإنهم في ذلك فريقان، براء أمزجة وأهواء بتهمة (حاد عن نهج الشيخ) الصماء، وهو ما لا يمكن التغاضي عنه مع ما للحظة التكفير عن خطايا الانشطار والانشقاق هذه من أهمية، كي لا تراود آخرين أنفسُهم عن حركتِهم شيئًا.
وفريق اختلط عليه نتيجة التداخل الوظيفي بين الفلسفي المبدئي (المرجع المُحدِّد للمشروع)، والأدبي (مُقدم المشروع وعارضه)، والسياسي (مُنفذّ المشروع وواقعه)، وللحالة هنا مبررات حصولها لمّا كان فيلسوف المشروع هو ذاته أديبه وهو نفسه سياسيُّه، رحمه الله.
لقد حلّ ما لا يمكن إخراجه عن الدائرة السياسية الواقعية إلى الدائرة المبدئية الثابتة نتيجة هذا الخلط، فباتت المشاركة في الحكومة بحقائب وزارية من الدرجة الثالثة أو الرابعة نهجا للشيخ لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزه والقفز عليه، فإذا سلمنا بهذا الخيار السياسي مبدأ، فإننا بذلك ضيقنا دائرة المتاح والاجتهاد التي وسّعها الإسلام، وكأن مبادئ الشرع العامة في الحكم لا تفي لنا بغرض واقعنا المتغير، وإننا نحتاج إلى ما يعزز الشورى والحرية و العدل والمساواة وعقد التراضي بين الأمة ومن يحكمها وأولوية العام على الخاص.
إن التسليم لهذا الخيار السياسي هي محاولة لاعتقال التاريخ عند لحظة معينة، وهو ما يتعارض مع شعار الحركة (حركة تتجدد) فضلًا عن أنه يتعارض مع سنن التاريخ، فسحب التجارب من الجغرافيا إلى الجغرافيا المغايرة أو من التاريخ إلى التاريخ الآخر قد يُفضي إلى نتائج عكسية تمامًا كما يُوضح المستشار طارق البشري في كتابه (التجدد الحضاري)، فلكل تجربة وخيار معطياته وظروفه وسياقاته، ولا أحسب أن الظروف الحالية التي يدعوا فيها بعض قيادات الحركة للعودة للمشاركة في الحكومة بالصيغة القديمة هي ظروف حقبة (1996 – 2012) بتنوع أحوالها في حد ذاتها، والحديث هنا عن الوضع الداخلي، لأنه الأساس للتوجهات، يليه الإقليمي فالدولي.
يمكن تفهم خيار مشاركة الشيخ محفوظ في فترة قيادته للحركة (1996 – 2003)، إذ أراد الشيخ رحمه الله إنقاذ الوطن من شبح الفوضى والانهيار بملء فراغ سياسي تحتاجه مؤسسات الدولة الهشة ولو على حساب حركته لصالح النظام الحاكم، وهو ما حصل في النهاية، طبعًا يصعب تفهم الجمع بين مقاربة إنقاذ البلاد بضريبة بقاء النظام، لكن لا يمكن جزما تصور نتائج تحفظ الوطن وتُسقط السلطة إذا اتجهت الحركة نحو المعارضة أو حتى حيادها، في هذه الحالة فإن الانحياز للمآلات الواقعة بدل المآلات المفترضة هو عين النظر المعرفي والرشاد السياسي.
إن الخطر الذي يتهدد البلاد والعباد في اللحظة الآنية بالدرجة الأولى هو خطر مركب من فشل اقتصادي مقرون بفساد عام، فشل تُصر عليه السلطة نتيجة عجزها عن البديل، وفساد ترعاه بصيغه مباشرة وغير مباشرة، لأن الفاسدين هم جزء نافذ فيها، ومن ثم؛ فإن أي تواجد رمزي معها ماهو إلا حماقة سياسية، وأي خيار سياسي غير ذي تأثير على واقع الاقتصاد والاجتماع هو قفزة في الهواء لا تشي بمسؤولية وطنية واعية.
المسؤولية الوطنية الواعية يُعبر عنها بخطاب وطني، لابخطاب أيديولوجي يتحدث بصوت خافت عن وضع إقليمي ودولي ليس في صالح التنظيم كما يؤصل دعاة المشاركة، ويتجاوز ما يمكن أن يتعرض له مركب الوطن من قائد متهور سادر في غيّه، فإن كانت المشاركة بصيغتها الأولى هي محاولة ترقيع خرقٍ أحدثه أكثر من طرفٍ في صراع تغوّل فيه أحدهم على آخر، لينجو الجميع ولو بنجاة رُبّانه الظالم الصائل، فإن الواجب الحالي يقتضي مدافعة الرّبان المسؤول حصرًا، لمشاركته حقيقة في القيادة أو مدافعته وتنحيته جانبًا.
إن الدعوة للتواجد غير المؤثر في منظومة فساد ليس تغافلًا عن سنة المدافعة الكونية فحسب (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) البقرة. 251. وإنما هو تعرّض لها وتقابل، فبدل المساهمة في تنشيط حركة مدافعة تقصي الفساد من الحياة العامة ولو تدريجيا؛ نقدم لمنظومة الفساد ما يمكن أن يعتبر قوة سياسية وأخلاقية ليست في صالح كفة الإصلاح والتغيير ألبتة.
يُنسب إلى ألبرت أنشتاين قوله: إن الجنون أن تقوم بنفس العمل على نفس الطريقة، ثم تتوقع نتائج مختلفة؛ لأن ذلك ضد العقل وضد المنطق، وبالتالي ضد القوانين العلمية، فهل من الوجاهة العلمية أن نجرب ما جربناه 17 سنة لننتظر المُغاير؟
كابن من أبناء حركة مجتمع السلم، بنيتُ الكلام أعلاه على ما أعتقده مصلحة وطنية مقدمة على مصلحة الحزب والتنظيم، وهذا نهج الشيخ محفوظ نحناح الذي أفهمه، ومحاولة الإيهام بأن المشاركة بالصيغة القديمة بالمعطيات الحالية هو من نهج الشيخ محفوظ رحمه الله، هو الحيْد ذاته عن نهج الشيخ.
كان من الممكن اعتبار شطر شعار مؤتمر الحركة الخامس (حركة تتجدد) متحققًا عيانًا من خلال ما لمسناه من انتقال حوار ما قبل المؤتمر السابع من رمزية الأشخاص إلى مركزية التشخيص داخل أروقة المؤسسات وعلى التواصل الاجتماعي، لولا التشويش بالعبارة (الحيَدان عن نهج الشيخ)، كنا عندها سنكون فقط؛ أمام تحدي تحقيق الشطر الثاني (وطن ينهض).
The post في التساؤل عن نهج الشيخ محفوظ رحمه اللّه appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست