الجمعة، 2 فبراير 2018

ثقفني اون لاين : أَداةُ السيْطَرَة الخَفِيّة

كلنا وبلا شك نحاول السيطرة على بعض الأشياء في حيواتنا مع اختلاف كم تلك الأشياء المعنية بالسيطرة. فبعضنا يحاول السيطرة على أولاده حفاظًا عليهم من الانحلال أو الانخراط في طرق غير سوية، والبعض الآخر يحاول السيطرة على أمواله وأعماله، والجزء الأكبر منا يحاول السيطرة على موارده ونفقاته. أما الجزء الذي نشترك فيه جميعًا فهو السيطرة على علاقاتنا الشخصية والمحيط المؤثر فينا. أما العجيب في الأمر فهو سيطرة الحكومات على الشعوب بوسيلةٍ هي التي تنقل لنا المعلومات وتزرع الأفكار في عقولنا لنفكر فيها ونطورها من خلال تلك الوسيلة التي تُدعى الإعلام والتي لا نهتم لأمرها ولا نشغل أنفسنا باختيار محتواها فتؤثر في الغالب بالسلب على عقولنا وقراراتنا اليومية. وأقصد بذلك الإعلام بكل أشكاله وأنواعه. فمنه الإعلام المسموع، والمرئي، والمكتوب، والإعلام المقنن الذي تعارف الكل عليه.

سنحاول في هذا المقال استعراض بعض الحيل التي يستخدمها الإعلام للسيطرة على عقول المشاهدين والمستمعين والتي من خلالها يصبح المتلقي كالدمية يحركها الإعلاميون كيفما شاؤوا، ولا يمكن أن نتحدث عن التضليل الإعلامي دون ذكر نظرية غوبلز التي غيرت العالم بالكامل ولم تقتصر على قارة أو بلد أو جماعة أو فرقةٍ أو حتى حزب.
وغوبلز هو باول جوزف غوبلز ‏والمعروف بوزير الدعاية السياسية في عهد ألمانيا النازية بقيادة هتلر. والذي يعد أحد أبرز أفراد حكومة هتلر وذلك لأسباب منها قدراته الخطابية الحماسية والمؤثرة، والتي ساعدته في تولي غوبلز منصب مستشار ألمانيا لمدة يوم واحد فقط في 30 أبريل 1945م بعد انتحار هتلر ومن أقوالهِ المشهورة: كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي.
وقد كان غوبلز صاحب نظرية التأطير والتي تعتمد على أن أحداث ومضامين الرسائل ليس لها قيمة إلا إذا تم التركيز عليها. وهو ما كان يقوم به بالفعل قبل الحرب العاليمة الثانية لإشعال نَجم هتلر والذي في رأيهم قد أنقذ هتلر وألمانيا في وقت واحد.

تلك النظرية التي أصبحت وسيلة مهمة في تمرير السياسات فيما بعد: ومن بعض أمثلة نظرية التأطير:
– تحريك الغرائز وتأجيجها بأساليب مباشرة وأخرى غير مباشرة يتم خلالها توظيف الإيحاءات الصوتية واللوحات البصرية. فجعل الإعلام اللذة مقصدًا والبحث عنها مطلبًا، فأصبح الإنسان يلهث وراءها ولا يكاد يشبع فلا يفرق بين حلال وحرام، أو ما يصح وما لا يصح.
– هندس الإعلام الاختلافات الفردية بين المتلقين بكل ذكاء، فوفر ما يناسب كل إنسانٍ وكل فئةٍ عمرية. فعلى سبيل المثال كانت المرأة ولا تزال المرأة أكثر تقبلًا للمشاهد العاطفية التي تتناسب مع طبعها الحاني، أما الرجل فأكثر تفاعلًا مع المشهد الجنسي أو مشاهد العنف، فجمعت السينما فيما تقدمه بين هذين النوعين من المشاهد لتسيطر على كلا الجنسين.
– كالحرب على الإرهاب الذي تتداركه الأمم المتحدة لكنها لا تجابهه. فيما ينزل منزلة الهدف غير الحقيقي.
– التعتيم الممنهج على مشاكل حوض النيل والأزمة الأفريقية التي تبعد المتلقي عن الواقع وتعزله عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية.
– كالتضليل الإعلامي الذي ينافي الواقع والمستندات في أزمة الجزر المصرية، الذي عزل المجتمع المصري عن المشكلة الحقيقية تحت غطاء الأخوة العربية.
– وكما حدث في الحرب الإعلامية الألمانية التي رفعت هتلر لعنان السماء وحملته فوق أعناق البشر، كل ذلك بفضل الإعلام واستغلال الكلمات المؤثرة وتقنين العاطفة فيما يركز الضوء على مشكلة أو شخصٍ بعينه. ولا ننسى أن أمريكا قد تعد الأفضل في هذا المجال حاليًا باستخدام الطرق الإعلامية المختلفة للسيطرة على الشعوب فكريًا وتوجيههم لتحقيق مصالح خاصة عن طريق شن حملات ممنهجة بطرق ضخمة والترويج لفكرة معينة تتبناها الحكومة لنيل تأييد الشعب في قضيةٍ بعينها.
– وكما نلاحظ أن الاستهلاك والتسوق غريزة أيضًا لدى الإنسان تشعره بالثراء وبرغبته الملحة في امتلاك المال المعَد للإنفاق. فوفر الإعلام عن طريق الإعلانات السلع بمختلف أشكالها مما دفع الإنسان لأقصى مدى من تأصل المال في شخصيته وحب تملكه وتجميعه بأي وسيلةٍ وبأقصى ثمن وجعله محورًا لحياته.
– تحريك غرائز المجتمع بصورة سلبية مما دفع الأفراد لتقليد الشخصيات المشهورة التي يركز الإعلام على ظهورها سواء في الأفلام أو البرامج أو حتى الإعلانات المكررة.
– تشويه التوازن بين الدنيا والآخرة عن طريق محاكاة الإعلام الغربي وفرض الطابع الغربي أو إدخاله على المجتمعات العربية.

إن نظرية التأطير هذه قد قامت على أساس أن أحداث ومضامين وسائل الإعلام لا يكون لها مغزى في حد ذاتها، إلا إذا وُضعت في تنظيم وسياق وإطار إعلامي ينظم الألفاظ والنصوص والمعاني ويستخدم الخبرات والقيم الاجتماعية السائدة في تحقيق أهدافه.

إن تأطير الرسالة الإعلامية يوفر القدرة على قياس محتوى الرسالة ويفسر دورها في التأثير على الآراء والاتجاهات. فعندما يقع حادث معين فالحدث قد لا تكون له دلالة كبرى عند الناس ولكن وسائل الإعلام تصفه في إطار إعلامي من حيث اللغة والصياغة والتركيز على عنصر معين حتى يصبح هامًا في قلب الإطار الاجتماعي فيؤطر فيه بالكامل.

إن أحد أهم وسائل إدارة الإجماع هي السيطرة على الإعلام وذلك ما تقوم به طبقة مؤسسات الأعمال الحاكمة بالفعل، وذلك بهدف السيطرة على ما يسمى بالقطيع الضال الذي لا يحسب مثقفًا أو مطلعًا، فلا يمتلك القدرة على الاطلاع الخارجي أو الفهم الشامل للأمور. ككبار السن من الطبقة العاملة والفلاحين والشباب الذي لا يعنى بالتعليم أو تحليل المشاكل. فيقتصر دور كل منهم على المشاهدة فقط وترديد ما يسمع أو يرى، ولا يتعدى تلك المرحلة إلى تحليل الأمور. فهو لا يبحث في المشاهد إلا عما يمكن أن يردده أو يتحدث عنه في جلسة تسامر ليظهر بصورة المطلع لكن عن غير دراية فيؤذي نفسه بالدفاع عن فكرته الخاطئة التي اكتسبها من الإعلام ويؤذي الآخرين بتمرير تلك الأفكار لهم.

لكن أحيانًا وفي بعض الدول الديمقراطية يتحول دوره من دور المشاهد إلى دور المشارك. أما في الدول الديكتاتورية والمجتمعات التي تديرها مؤسسات رجال الأعمال فتصبح مهمة الإعلام الأولى هي السيطرة على ذلك القطيع الضال وإيهامه بالسعي خلف مصالحه فيما لا يتعدى استغلالًا للمشاهد أو السامع.
كما أن تلك الفئات التي تسيطر على الإعلام لا تتعدى نسبة الـ5% من المجتمع ككل إلا أن تلك الفئة الضئيلة بصوتها المسموع قد تمكنت من التأثير في الأغلبية. فقد بعثت وتبعث الشعب على أداء وتنفيذ ما يؤدي لمصلحة رأس المال والتي لا تصب في مصلحة المواطن غالبًا. فيقتصر دور العامة على اختيار مرشح معين للقيادة ليؤدي بذلك نفس النتيجة وهو الأمر غير المرغوب، فيتعرض العامة للخداع وفقًا لقراراتهم ليصبحوا بذلك ضحايا نتيجةً لاختياراتهم المسبقة وإن كان هذا يحدث في الدول الديمقراطية أحيانًا، أما في الدول الديكتاتورية فلا يحتاج الشعب إلى تضليل كبير أو خداعٍ فائق، لأن تلك الحكومات لا تسمح لهم بإبداء الرأي في المقام الأول.

إن الإعلام يا سادة وكما هو واضح للجميع هو الأداة المهمة إن لم تكن الأهم التي تتخذها الحكومات والهيئات والمؤسسات في السيطرة على الأفراد والجماعات وتوجيههم نحو أهداف معينة وذلك بزرع أفكار معدة مسبقًا في عقولهم عن طريق استخدام الدعايا وتجاهل الرأي الصائب والتجاوز عن بعض ما تراه الحكومات أخبارًا لا تهدف للصالح العام حتى وإن كانت مهمة للفرد والمجتمع. فالإعلام السلبي ما هو إلا إلهاء للشعوب وأداة للكذب والتضليل الممنهج بما يفعله من تضخيم القضايا وإعطائها صبغات تظهرها للمتلقي بمظهر قضية الرأي العام التي يجب أخذها بعين الاعتبار. في حين يصرف انتباه المتلقي عن القضايا الهامة والمصيرية، ذلك الذي يصب بدوره في مصالح السياسيين ورجال الأعمال أو لتحقيق مصالح شخصية لفئة معينة مما يؤثر داخليًا وخارجيًا على المدى البعيد.

إن الإعلام كان وما زال هو الوسيلة والأداة الأهم في الحرب النفسية التي لا تحتاج إلى سلاحٍ أو إخضاع بالقوة. وعلى هذا فإنه من العجيب أننا نحن البشر ننساق وراء كلمات الإعلاميين بكل ما تحمل من أفكار وآراء دون النظر فيها أو تحليلها بالطرق الُمثلى.
إن هذا المقال ما هو إلا دعوة لي ولحضراتكم لإعمال العقل والفكر في كل ما نتلقى سواء كان مسموعًا، مرئيًا أو حتى مقروءًا. والتحليل والتركيز والتدقيق فيما ينفعنا ككل بعيدًا عن الأهواء والأفكار الحزبية أو العصبية القبلية. وفقنا الله وإياكم لكل خير ورزقنا ما ينفعنا.

The post أَداةُ السيْطَرَة الخَفِيّة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست