الاثنين، 9 أكتوبر 2017

ثقفني اون لاين : «سايكس بيكو» جديدة في المنطقة

في عام 1916 أبرمت فرنسا والمملكة المتحدة، بمصادقة من الإمبراطورية الروسية، اتفاقًا سريًا على تقسيم منطقة الهلال الخصيب (بلاد الشام) بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على هذه المنطقة أثناء الحرب العالمية الأولى.

عُرفت هذه الاتفاقية باسم «سايكس بيكو» نسبة إلى الدبلوماسيين الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، حيث تمت مفاوضات سرية على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية آنذاك، ولما وصل الشيوعيون إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، تم الكشف عن هذا الاتفاق.

تم تقسيم المنطقة بموجب الاتفاق، حيث حصلت فرنسا على النصيب الأكبر من الجزء الغربي من سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق، بينما حصلت بريطانيا على بلاد الشام الجنوبي وتوسعت حتى وصلت بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا.

بموجب الاتفاق أيضًا، وُضعت فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، ونص الاتفاق على إعطاء بريطانيا مينائي حيفا وعكا حيث تستطيع فرنسا استخدام ميناء حيفا، بالمقابل منحت فرنسا استخدام ميناء الإسكندرونة لبريطانيا.

بعد انهيار الدولة العثمانية، وسيطرة بريطانيا على أراضي فلسطين والعراق تخلت عن فكرة تقسيم أملاك الدولة وفق الاتفاقية، واستبدلت بها نظام الانتداب الذي أقره مؤتمر «سان ريمو» الذي عقدته مع فرنسا في أبريل 1920 بهدف تحديد مصير ولايات المشرق.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يبق من الاتفاقية عمليًا سوى الترسيم المبدئي لحدود لبنان والعراق والأردن وفلسطين.

هذا المخطط تم بمساعدة بعض القوى الداخلية، منهم حسين بن علي المعروف باسم الشريف حسين، التي كان لها طموح سياسي كبير لا يتحقق إلا بانهيار الإمبراطورية العثمانية.

وإذا نظرنا إلى العالم العربي والصراعات الدموية التي اجتاحت أجزاء كبيرة منه بمساعدة من الداخل والخارج، نجد أن سيناريو يشبه «سايكس بيكو» يتحقق على أرض الواقع لكن بمسمى وأجندات جديدة.

الناظر إلى سوريا والعراق وليبيا واليمن، يجد جهودًا مضنية تبذل من أجل تقسيم البلاد تحت ذرائع ومسميات أخرى غير منطقية وغير مقنعة، فالدول الكبرى ما زالت تمارس سياسة الاستعمار والهيمنة التي انتهجتها منذ قرون.

فروسيا تدعم بشار الأسد بكل ما أوتيت من قوة، ولولاها لسقط الأسد في غضون أيام، جاء ذلك في تصريح على لسان مسؤولين كبار في حكومة الأسد، فلم تعد سوريا تحت سيطرة النظام العلوي؛ جزء منها تحت سيطرة روسيا التي قامت ببناء قواعد عسكرية هناك الأمر الذي دفع الولايات الأمريكية أيضًا إلى إقامة قواعد مماثلة.

لم يتم دحر الإرهاب الذي شارك في صناعته الدول الكبرى وبعض الأجندات الأخرى بمساعدة أنظمة في المنطقة، بل كان المخطط هو السيطرة والهيمنة على تلك المناطق من أجل تحقيق مخطط التقسيم.

الآن بشار يحكم أنقاض سوريا وليست سوريا الحضارة والدولة العريقة، ولم يعد للمعارضة تأثير قوي كما كان في بداية الأزمة، حيث تدخلت أمريكا وفرنسا وروسيا ودول من الاتحاد الأوروبي وبعض أنظمة عربية في تفتيتها وإدخالها في دوامة المباحثات المنهكة والتي تهدف إلى اتباع سياسة النفس الطويل حتى تنهك قوى المعارضة وتنقسم على نفسها بل وتتقاتل من أجل وجودها في المشهد الدموي المقيت.

كم من الأطفال قتلوا وكم من الملايين شردوا في هذا البلد العريق، الذي تآمرت عليه أنظمة وجهات عربية ودولية وغربية كما تآمرت على الدولة العثمانية من قبل وتحالفت مع الأعداء من أجل مكاسب سياسية حتى لو على حساب الشعب والدولة والتاريخ والحضارة والقيم وكل شيء؟

أصبحت سوريا مقسمة إلى مناطق تخضع لقوى وأنظمة مختلفة، والآن تراقب القوى الدولية المشهد وتمد كل الأطراف بالسلاح والعتاد حتى إذا ما قتلت الأطراف بعضها البعض، جاءت القوى لتقسيم الغنائم، وإعادة ترسيم الحدود، وكل هذا طبقًا للسيناريو المعد سلفًا منذ سنوات.

أما في العراق، فلم تنجح قوات الحكومة حتى الآن في هزيمة داعش كما أعلنت، حتى لو نجحت في ذلك، فلم يساعد هذا في المحافظة على وحدة العراق، حيث تتصدر تيارات بعينها المشهد السياسي وتقرب منها ما تشاء على حساب تيارات أخرى، ولم تستطع حكومة العبادي منع الحكومة في إقليم كردستان من إجراء استفتاء على الانفصال عن العراق.

لم يجر الاستفتاء إلا بمباركة دولية – وربما إقليمية – كبيرة، من أجل إغراق البلاد والإقليم كله في مزيد من الصراعات الدموية، فلم تعد قصة داعش وأخواتها تنطلي على المشاهد بالقدر المطلوب، ولم يعد وجودها على شاشات التلفاز يجذب المشاهد كما كان. ولذا دخلت العراق مرحلة أخرى من الانقسام والتفتيت باستفتاء إقليم كردستان.

لا يختلف الأمر في اليمن عما هو عليه في سوريا والعراق، بل الأمر يزداد سوءًا من الناحية الإنسانية والصحية، فالأوبئة والأمراض سكنت مدنًا عديدة هناك، بالإضافة إلى المجاعات والدمار الذي لحق بالبلاد، ولم تؤتِ الضربات العسكرية ثمارها لا من هذا ولا من ذاك. والرئيس الشرعي يحكم من خارج البلاد، والإمارات تسيطر على ميناء عدن ومناطق أخرى تستغلها في التعذيب والتنكيل بخصومها السياسيين، حسب ما نشر في تقارير إعلامية، والخسائر المادية والبشرية تتفاقم، ولم تحل المشكلة بل تمزقت البلاد وتفتتت ولم يعد اليمن يَمَنًا ولا حضرموت حضرموت.

في ظل كل هذه التطورات والصراعات لم يعد هناك دعم دولي للقضية الفلسطينية إلا فيما ندر، وتمادت إسرائيل في سياساتها القمعية والاستيطانية تحت سمع وبصر كل القوى ولم يكن هناك تحرك بالقدر المطلوب من أجل إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، الذي تزامن معه وجود صراعات عربية-عربية وعربية-أجنبية في المنطقة التي باتت حقلًا خصبًا للتقسيم وإعادة رسم حدودها طبقًا لمصلحة القوى الإقليمية والدولية في ظل إطار اتفاقية جديدة باسم جديد وبأجندات جديدة!

ومن المتوقع أنه خلال السنوات القادمة ستكون هناك خريطة جديدة للشرق الأوسط في ظل كل هذه التطورات المتسارعة.

The post «سايكس بيكو» جديدة في المنطقة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست