عاد أحمد أويحيى للمرة الرابعة لقيادة الحكومة في الجزائر، وهو الذي لم يغادر سرايا الحكم منذ دخلها، فميزة الرجل أنه «قنوع» فالمهم عنده أن يبقى في القصر ولا تهمه الرتب والمقامات ما دام في حضرة فخامته، ويستوي عنده منصب الحاجب ومقام الوزير فالمهم عنده خدمة «الوطن»! لكن أي وطن؟
أويحيى.. و«إتقان العمل»
لن أفتري على الرجل، بل سأكتفي بذكر أهم محطات «خدمته للوطن» فلعلنا نجد ما يستحق الحمد والثناء؟
أويحيى دخل الرئاسة في عهد اليامين زروال مديرًا للديوان سنة 1994 ثم رئيسًا للحكومة إلى غاية ديسمبر 1998. والغريب أن الرئيس زروال تعرض في هذه الفترة لحملة شرسة دفعته لرمي المنشفة وإعلان تنظيم رئاسيات مسبقة. طبعًا زروال غادر القصر في أبريل 1999 لكن أحمد أويحيى بقي فيه!
ومنذ مجيء الرئيس بوتفليقة في أبريل 1999، وأحمد أويحيى يتقلب في القصر، وهو اليوم يقود الحكومة للمرة الثالثة في عهد بوتفليقة. وبين حكومة وأخرى كان الرجل يقبل بأية مهمة كانت وإن قيل له ارجع إلى بيتك وانتظر، اعتبر ذلك مهمة أيضًا وفعل!
إذن ألا ترون الرجل صادقًا حين يقول إنه «خادم الدولة» وفقط؟
نسيت أن أذكر خصلة في الرجل قل نظيرها، ألا وهي إتقان الأعمال! نعم نتذكر جيدًا حين قيل له قم بخصخصة المؤسسات العمومية فهي ترهق نفقات الدولة سنوات التسعينيات، فقام الرجل بحل المئات من المؤسسات وباع كثيرًا منها بثمن بخس لأشباه «رجال الأعمال» وطرد آلاف العمال واقتطع من أجور من بقي، إنه الإتقان!
وفي عهد الرئيس بوتفليقة فالشواهد كثيرة، لأن الرئيس يحكمنا منذ 17 عامًا ونيِّف، لكن ربما حسنة أويحيى الأهم عند «ربه» هي إشرافه على تعديل دستوري سنة 2008 سمح للرئيس بوتفليقة بأن يمدد حكمه وأن لا يتقيد بعهدتين فقط كما كان في الدساتير الماضية! وتجلى إتقان أويحيى في الإشراف والترويج لفكرة فتح العهدات الرئاسية وهو على رأس الحكومة. لقد قال الرجل «إن الشعب هو السيِّد، فلا يحق لنا أن نمنعه من اختيار رئيسه لأكثر من عهدتين إن أراد ففي ذلك انتقاص من «سيادة الشعب»! نعم أويحيى دافع على سيادة الشعب، ربما شعب القصر الذي ألف دواليبه؟!
فالذي يقف على مسار أويحيى يتأكد من أن الرجل عندما يُؤتى به فإنما لتنفيذ ما قد دُبِّر وفُصل فيه، فأويحيى ليس ذلك الذي يفرض منطقه ورأيه، وإنما أويحيى مثال في «الإخلاص» لمن بيده الأمر، ظاهرًا كان أم مستترًا – للشعب طبعًا – أمَّا أويحيى فطبعًا يعرف القصر والقيصر.
السعيد يغامر
قَبِل أحمد أويحيى خلافة عبد المجيد تبون بطريقة «لعب عيال». فتبون قيل لنا إن الرئيس عيّنه لكفاءته ثم عزله بعد 78 يومًا لأنه «أثار البلبلة»، وعيَّن (الرئيس طبعًا!) أحمد أويحيى بديلًا عنه لأنه «رجل المرحلة»!
فكل المؤشرات توحي بأن القرار اتخذ في «القصر» وأن البلاد ستشهد تغيرات مهمة في الأيام القادمة، لذا احتاجت الجماعة لرجل «المرحلة» الذي ينفِّذ بإتقان ولا تسمع له إلا «همسًا»! في القصر طبعًا أما أمام الشعب فذلك المغوار الصارم!
الجماعة قررت أن تهيئ الظروف لمناخ سياسي يقبل باعتلاء الشقيق الأصغر، السعيد بوتفليقة، سدة الحكم. وربما انتقلوا في هذه الأيام للسرعة القصوى، فبعد عزل تبون، ستشهد الأيام سقوط أسماء أخرى قد تحرج «الشقيق»، ليس لأنها ضد ترشحه ولكن لأن عوامل كالسن والمشاركة في الثورة ستشوه عملية الإخراج السياسي لترشحه. فالجماعة ستعمل على الترويج لتشبيب النظام وانتقال الحكم من الشرعية الثورية إلى جيل الاستقلال وهي مغامرة أخرى من مغامرات السعيد.
بداية إسقاط النظام!
لقد قاوم النظام السياسي في الجزائر قوانين الطبيعة وسنن الكون، ورفض أن يلين ويسمح بوصول النخب للحكم طوال نصف قرن. واليوم وبعد أن استفرد بوتفليقة بالحكم منذ 1999 ووصلنا إلى ما نحن عليه من مهازل، فقد صار مطلب رؤية الرئيس جريمة ويُنسب إلى أيادٍ خارجية. نعم يحكمنا رئيس لم نعد نراه ولا نسمعه وفوق كل هذا يريدون منا أن نصدق بأنه قادر على إدارة شؤون البلاد والعباد!
بعد كل هذا سيطل علينا رهط من رواد القصر ليقنعونا بأن لا خيار لنا إلا «من اقتبس من نور الرئيس» وعايش مراحل قيادته «الرشيدة» للبلاد. سيحاولون القفز على التاريخ واختزال الجغرافيا في جهة من جهات الوطن، وبعدها يأتي التخويف من «البلبلة».
ومن يجيد تنفيذ كل هذا بإتقان؟ أكيد عرفتموه إنه «خادم الوطن».
لكن الذي لا يريد «الشقيق» وجماعته الالتفات إليه هو صمام الأمان الذي أسكت الشعب وأرضاه رغم ما فُعل به، إنه ذلك «الاعتقاد الجمعي» عند الجزائريين بأن النظام السياسي الذي حكمهم منذ الاستقلال إلى اليوم هم من جيل الثورة ومهما أساؤوا التسيير وأسرفوا فلن يُفرِّطوا في أمانة الشهداء. لكن إذا ما أقبل «الشقيق» على فعلته، فهي إذًا بداية سقوط النظام الذي طالما احتمى بالشرعية الثورية والأحقية التاريخية في حكم البلاد، أو بالأحرى إسقاط النظام من طرف «سُكَّان القصر».
The post عودة أويحيى.. وبداية إسقاط النظام الجزائري! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست