أثناء مشاهدتي لقطة بالصدفة من مسلسل شوق، الذي أخرجته رشا شربتجي هذا العام، وتحاكي به واقع السوريين تحت حصار داعش، استوقفتني كلمة قالها ممثل أثناء إعطائه ممثلًا آخر هوية مزيفة (جواز كاذب) وكان يردد: من اليوم وطالع هذا أنت…احفظ اسمك الجديد، عمرك الجديد، تاريخ ميلادك الجديد. استوقفتني كثيرًا هذه الكلمات؛ لأنها تكشف لنا كيف تصبح الهوية شيئًا تافه في زمن الحرب، وكيف يسترخص الناس وطنيتهم وخلفياتهم وماضيهم وذكرياتهم. لوهلة تذكرت عبارة قالها الكاتب الأيرلندي بينيديكت أندرسون، وكانت من أكثر ما كتب شهرة وتداولًا. كان يقول أندرسون بأن الهوية التي نشعر بها هي مجرد خيال تكوّن في أذهاننا بسبب ما نتلقى من المجتمع والتعليم والدين والموروث. وأن المجتمعات هي فكرة خيالية، فلا يوجد على وجه الخليقه مجتمع واحد يعرف أفراده بعضهم بعضًا أو يجتمعون ببعض، ولكننا نستمر بتسمية أنفسنا مجتمعات مجاراةً لهذا الخيال الذي نمتلكه … وكانت قراءة عبارات أندرسن، بالرغم من صياغتها الأكاديمية العلمية، بدت جارحة ومؤذية حين قرأتها أول مرة، إلا أنها تبدو فعلًا حقيقية إذا نظرت لأي شعب يتعرّض للحرب، تبدو هويات تلك الشعوب أمرًا غير حاضر وغير ملموس.
يقول المدهش علي حارب: إن أحادية الأسم والأصل والنموذج، هي فخ الهوية، كما هي مقتل الحرية؛ لأن هويتنا هي أغنى وأوسع وأشد تنوعًا وتركيبًا من أن تحشر تحت عنوان واحد، أو وحيد. إنها أشبه بمسرح لأطياف وشخوص أو لأصوات ولغات أو لقوى وآليات تعمل من ورائنا وتتكلم عبرنا، بقدر ماتفلت من سيطرتنا أو تتعارض مع مشيئتنا. من هذا المنظور، ليست هوية المرء مجرد مماهاة خاوية مع النفس، وإنما هي صيغة مركبة وملتبسة بقدر ما هي سوية مبنية على التعدد والتعارض، وهي عقدة من الميول والأهواء بقدر ماهي شبكة من الروابط والعلاقات، وهي توليفة من العقائد والمحرمات بقدر ماهي سيرورة نامية ومتحركة من التحولات والتقلبات. من هنا لا أتعامل مع هويتي بوصفها مجرد تماهياتي، وإنما أحاول أيضًا أن أرى مايقوم بين التطابقات من المساحات الفارغة والثغرات الفاضحة أو الفجوات السحيقة، سواء على صعيد الأزمنة والأطوار، أو على صعيد الوجوه والأقنعة، أو على صعيد البيئات والأمكنة . الأمر الذي يحيل الهوية إلى محنة من حيث العلاقة مع المعنى والقيمة، أو إلى مشكل من حيث العلاقة مع المختلف والآخر، أو إلى هوة من حيث العلاقة مع الأماني والمطالب. بهذا المعنى قد لا تكون هويتنا متصالحة مع من لا يعجبنا أو مع ما نتمناه ولا نقدر عليه. ولذا فالناجح أو الشخص الإيجابي والبناء، هو من يحسن إدارة اللعبة ويتقن فن التسوية، فيما يخص علاقته بنفسه وبغيره، بخلق مساحات ولغات للتداول والتبادل، على سبيل الاستحقاق والازدهار.
وبعيدًا عن داعش، وتزامنًا مع حارب، فالهوية بشكل عام مفهوم مرن ويمكن تطويره وتنقيحه وتعديله أو حتى يمكن طمسه أو الاستبدال به. أما في أحسن الأحوال، فالهوية الجيدة هي التي تتكون من أكثر من هوية. يتفاخر الأمريكيون اليوم بأن بلادهم تضم آلاف الأعراق والأجناس، وبأنهم تفوقوا حتى على أوروبا وآسيا باحتضان الجميع وبقوة القانون لا تطغى هوية على أخرى. وهذا التنوع الثقافي والعرقي والديني هو جزء من مفهوم الدولة الأمريكية للديمقراطية، فسواء كان الديمقراطي الأمريكي أبيض أم أسود رجل أم امرأة، فهو عادةُ لا ينحاز لجماعة دون أخرى. ولعل التساؤل القائم هنا، متى سنصل نحن العرب لهذا المستوى من التقبل للهوية والمرونة في فهمها وتجنب فرضها جبرًا على الآخر؟
The post الهوية العربية وداعش.. مدعاة للتأمل appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست