الثلاثاء، 27 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : لماذا يكره بعضنا بعضًا؟

هو عنوان مثير بلا شك، وأيضًا هو مستفز لا شك، ولن يعجِب الكثيرين وخاصة الحالمين وأرباب النفاق الاجتماعي والمؤمنين بنظرية المؤامرة وهذا أيضًا لا شك به مطلقًا. إلا أنه سؤال مشروع وليس من بنات أفكاري، فقد طُرح السؤال منذ عام 2008 إلا أنه كان متوجهًا نحو جنسية عربيّة واحدة، وأعني بها هنا أشقاءنا المصريين.

الدكتور سعيد اللاوندي طرح سؤالًا مؤلمًا حينها بعد أن لاحظ مدى الكراهية التي يكنها المصريون بعضهم لبعض في بلاد الغربة. وقد بدأ حينها الدكتور سعيد اللاوندي مقاله في المصري اليوم بمقولة شاعر النيل وأمير الشعراء الثاني حافظ إبراهيم، حين قال:

المصري للمصري كطرفي المقص ما أن يلتقيا حتى يفترقا

هذا السؤال بمرارته لم يكن يعنيني حقيقة لا من قريب ولا حتى من بعيد، فقد علمتنا الحرب السورية أن نحمد الله على القنبلة التي سقطت على بيت جيراننا وأفنته، لأنها وبكل بساطة أخطأت بيتنا ومنحتنا فرصة أخرى للعيش.

من هنا آلمني أن يُطرح هذا السؤال من جديد في ألمانيا، وتحديدًا في بدايات العام الماضي، في عز طفرة تدفق لاجئي الشرق الأوسط على وسط وغرب أوروبا، حيث قرأتُ للصحفي الألمانيّ (جيرارد دريهوريس) تساؤله Waarom slachten moslims elkaar af؟

لماذا يذبح المسلمون بعضهم بعضًا؟ وقد أرجع دريهوريس ذلك العنف والكراهية إلى بقايا النزعة القبلية إضافةً للصراعات الطائفية التي يعمل على تأجيجها رجال الدين منذ عقود قبل أن يُصرّح بكل صفاقة أن الإنسانية هي اكتشاف غربيّ قح.

هنا لا تملك شيئًا تدافع به عن قومك، هل ستقول سامحوهم إنهم لا يفقهون، أم نركن لمقولة هؤلاء لا يمثلون الإسلام، تلك المقولة التي أصابها التلف من كثرة الاستخدام، ومجّها قائلها قبل أن يمجّها سامعها.

منذ مدة أرسل لي أحد الأصدقاء كلامًا طُرح في أحد مخيمات استقبال اللاجئين في ألمانيا أيضًا، استفزني الأمر وأنا أقرأ سؤالًا لم أكن أتوقعه، لماذا يكره السوريون بعضهم بعضًا؟

لستُ مُلمًا باللغة الألمانية، ولستُ من معجبيها بصراحة، إلا أن الحمية قد استيقظت داخلي، وبدأت أبحث في المواقع الألمانية عن ما أسماه صديقي (توجهًا عامًا) هناك.

لفتني بدايةً مقال للصحفي (روكس ساندر) يتحدث عن انذهاله بمدى الكراهية التي لمسها لدى القادمين الجدد.

هنا وكالعادة يُرجع صاحب المقال تلك الكراهية لأسباب دينيّة بحتة، حيث ينظر القادمون الجدد لمستضيفيهم الألمان نظرة دونيّة شنيعة، حيث يشبهونهم بالخنازير ويرون أن كل نسائهم عاهرات ورجالهم من النوع المخنث.

طبعًا أعذر الأوروبي الذي تفاجئه تلك النظرة والذي سرعان ما يستسهل ويلصق التهمة بالفروقات الدينية.

حيث ينبش المواطن الغربي كتب التراث الإسلامي ومقالات علماء الدين الإسلامي ليستشهد بمدى الكراهية التي يوزعها هؤلاء على الجميع، مبررين ذلك بأن الدين الإسلامي هو دين استعلاء، كما قال أبو الحسن الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) حيث يكمل الندوي واصفًا العقيدة الإسلامية بأنها: تشعر المسلمين بالتبعة الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية، تبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة.

هذه النظرة للأسف لم تمت مع الندوي أو مع من تلاه من مُنظّري الإسلام السياسي، بل هي نظرة تجذرت في مجتمعاتنا ونقلناها للأسف لمهجرنا هنا.

هنا طبعًا أحسد الغربيّ الذي وجد لنفسه سببًا يبرر له تلك الكراهية، وأجلس متحسّرًا على سوريّ هدمت الحرب بيته وأكلت رزقه وشرّدت إخوته ولحقت به الكراهية إلى مهجره، وممن؟ من بني جلدته الأقربين.

لن أنكر هنا المؤثرات الخارجية التي دفعتنا إلى هذه الحالة المرضية، ولن أنكر أننا بحاجة ماسة للاعتراف بأننا كلنا مصابون بنوع من البارانويا التي تمنعنا حتى من الاعتراف بذلك، ولذا أتوقع هنا أن ينبري الحالمون والطوباويون ومحترفو النفاق الاجتماعيّ لينفوا هذه التهمة، وسيرددون كالعادة نظريات المؤامرة وشق الصف، وسيطالبون بعدم نشر الغسيل الوسخ، وسأستغل هنا الأمر وأسألهم وأسأل نفسي: لم يقتل بعضنا بعضًا داخل الوطن منذ سنين دون طائل؟

لم يقتل بعضنا بعضًا ويشمت بعضنا ببعض ونفرح بمآسينا ويستغل بعضنا بعضًا ويسرق بعضنا بعضًا، حتى في المناطق التي تحكمها سلطة واحدة أو فصيل واحد أو حتى لجنة أمنية واحدة؟

لم يسطع نجم الفاسدين في مجتمعنا وكأنه نجم سماويّ ويُحارب كل صادق ناجح مبدع؟ لم تسيطر المناطقية على تجمعاتنا في الغربة؟ ونرمي بالكفر والعمالة كل من أراد لنفسه نجاحًا أو تميّزًا؟

لم لا زلنا نمارس سياسة المماليك بخوزقة كل صاحب فكر أو اتجاه مُخالف؟ لم نتهم الغرب بالعدائية والعنصرية ونحن يكره بعضنا بعضًا ويحسد بعضنا بعضًا ونتزلف للغربيين بشتم بعضنا البعض؟

كنتُ أبرّر سابقًا بعوامل القهر السياسي والاجتماعي، لكننا ما زلنا يستغل بعضنا بعضًا في دمشق وحماة وإدلب والساحل والرقة وعلى امتداد الوطن. يستغل بعضنا بعضًا في أنطاكية وأضنة وأنقرة وإسطانبول. يكره بعضنا بعضًا في القاهرة والإسكندرية والخليج.

في أوروبا ندّعي أننا متحضرون ونخفي كرهنا للمجتمع الذي نتمنى أن يحتضننا وننادي بعدم الاندماج به. يقتل بعضنا بعضًا منذ وفاة النبي ومقتل علي وأبنائه، ونُسلّم مدننا للمغول والصليبيين ولكل غزاة الأرض.

نُردّد منذ مئات السنين أشعار داحس والغبراء، ونعتبر الزير والجساس من أبطالنا القوميين، وهما من أوغل بدماء العرب وأطلق أهازيج انتصاراتهما على جثث أبناء جلدتهما.

دعونا من النفاق الاجتماعي ولنتصارح، نحن يحب بعضنا بعضًا عندما نتواجه وجهًا لوجه فقط، ونطلق خوازيقنا لتطول كل من يُدير ظهره لنا.

أعلم أنه من المؤلم أن تقرؤوا هذا، ووالله إن كتابته لم تكن أقلّ إيلامًا، إلا أن تشخيص الحالة هو أول طرق علاجها، وأقول بكل بساطة والله لن ينقذنا مما نحن فيه إلا المحبة ولا شيء إلا المحبة.

The post لماذا يكره بعضنا بعضًا؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست