مقدمة
بعيدًا عن حكايات ألف ليلة وليلة الخيالية التي جعلت منه بطلًا لأحداثها، يظهر لنا «هارون الرشيد» بصفته واحدًا من أبرز الشخصيات التاريخية وأكثرها جدلًا، وذلك لظروف نشأته الخاصة في حضن «البرامكة» الفرس حتى كان له منهم أخوة من الرضاع. وتتناقض الروايات حول شخصه، فمنها ما يصفه بالخليفة المسرف في الترف والملذات واللهو، ومنها ما يصفه على أنه خيرة الخلفاء وأنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا ويصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات. وغدت بغداد في عهده قبلة للعلوم والثقافة والفنون حلالها وحرامها، وكان يميل إلى أهل الأدب والفقه والعلم.
و«هارون الرشيد» هو أبو جعفر هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وأمه «الخيزران» ذائعة الصيت وصاحبة النفوذ الكبير داخل القصر العباسي حيث شاركت زوجها وأبناءها الرأي والحكم.
والرشيد هو خامس الخلفاء العباسيين (786م- 809م)، وقد تزوج من بين ما تزوج ابنة عمه «زبيدة بنت جعفر» المتربعة على عرش قلبه وأم ابنه محمد «الأمين». وقد ولد له عشرة أبناء واثنتا عشرة بنتًا، ما يهمنا فيهم بخلاف ولده «الأمين»، ولداه «عبد الله المأمون» و«محمد المعتصم بالله».
(1) الأمين (809م- 813م)
كان الأمين ضحية فتنة من أكبر الفتن التي شهدها التاريخ الإسلامي على مر العصور، وهي ثالث فتنة يتعرض لها المسلمون بعد الفتنة الكبرى. إذ سقط محمد الأمين ضحية نظام ولاية العهد الثنائي، وعاش حياة قلقة مضطربة لخليفة مضطهد، انتهت بصورة درامية مفزعة، فلم يبق من ذكراه سوى سطور مبهمة وأقوال متضاربة في سجل التاريخ.
نشأ الأمين في ظل الترف، واجتمع له ما لم يجتمع لأحد من أبناء الخلفاء، فقد كان هاشمي الأبوين فجمع بين سلطان أبيه وجاه أخواله وثراء أمه «زبيدة». وقد عهد له أبوه بالخلافة وكان ذا قوة وشجاعة وأدب وفصاحة، ولكن تضاربت الأقوال حول تدينه وأخلاقه، وأغلب الظن أن ذلك التضارب وتلك السمعة السيئة التي لاحقته إنما أصلها كيد الفرس له. ففي ظل الدولة العباسية تولى الفرس الكتابة والدواوين وقد ظهر «صراع بين الكتاب والعلماء من جهة، وبين الفقهاء وعلماء الدين من جهة، حيث مَثَل الكُتاب التيار الفارسي بينما مثل الفقهاء التيار العربي».
وقد تولى الخلافة خمس سنوات، وأهم ما ميز عهده هو ذلك النزاع الذي قام بينه وبين أخيه المأمون وكان استمرارًا للصراع القائم بين العرب والفرس داخل الدولة العباسية. فقد كان للفرس منذ قيام الدولة العباسية – نظرًا للدور الذي لعبه أبو مسلم الخرساني في تأسيس الدولة- منزلة عالية واستحوذوا على المناصب. وكانت بغداد تضم مجاميع كبيرة من الفرس الذين ساهموا في قيام الدولة العباسية، بعضهم دخل الإسلام وبعضهم تظاهر به.
لم يكن الأمين ولا المأمون يريدان الاقتتال والحرب، ولكنها الفتنة أشد من القتل. فقد استطاع «الفضل بن الربيع» – وزير الأمين- إقناعه بعزل المأمون من ولاية العهد -على عكس وصية أبيه الرشيد- وأن يجعلها في ابنه موسى. كما عمل «الفضل بن سهل» – وزير المأمون- على توسيع هوة الخلاف بين الأخوين وحرض المأمون على أخيه والاستقلال بخراسان. فجيش الأمين لأخيه جيوشًا من عرب البادية، وجيش المأمون لأخيه جيوشًا معظمها من الفرس وأهل خراسان. وتمكن المأمون من حصار بغداد خمسة عشر شهرًا وضربها بالمجانيق، وسادت الفوضى حتى سقطت وألقي القبض على الأمين ووضع في السجن ثم قتل على يد الفرس.
(2) المأمون (813م- 833م)
ظفر المأمون بالخلافة بعد مقتل أخيه، وتميز عهده الذي استمر 20 عامًا بالنهضة العلمية والفلكية وازدهار حركة الترجمة. وقد استبد الفرس في عهده بالدولة العباسية – كعهدهم منذ تأسيسها- فقد كانت أمه فارسية اسمها «مراجل»، توفيت فور ولادته فتولى البرامكة تربيته. وكان الفرس – بطبيعة الحال- يرجحون المأمون منذ ولادته لأن منهم أخواله، وقد كان للمأمون زوجة فارسية، وتصاعد النفوذ الفارسي في عهده بعد أن كان والده الرشيد قد تمكن في آخر أيامه من تحجيمهم، إذ زج بهم في السجون وصادر أموالهم حتى توفي بعضهم داخل السجن إلى أن جاء الأمين وعفا عنهم في خلافته.
وعندما تولى المأمون الخلافة جعل من «مرو» عاصمة لها مدة ست سنوات كاملة، فقد كان منها أنصاره وأحبابه، بينما كان يخشى بغداد وأهلها التي كان فيها أنصار أخيه الأمين. ولكنه اضطر في النهاية إلى الانتقال لبغداد حتى يكون قريبًا من العرب ومن أهلها الذين كانوا قد دخلوا في عدة ثورات ضده حتى خلعوه وبايعوا بدلًا منه عمه إبراهيم بن المهدي، وسبب ذلك أنه كان قد أقدم على خطوة لم يسبقه إليها أحد من قبل، إذ اختار أحد العلويين وهو «علي بن موسى الرضا» ليكون وليًا للعهد من بعده.
وقد اتسمت سياسته بالتناقض، فكان يميل إلى الفرس تارة، وإلى العلويين تارة، وإلى العرب من أهل السنة والجماعة تارة أخرى حتى يرضي جميع الأطراف. وقد كان المأمون من المعتزلة، وقال بخلق القرآن وطالب بنشر هذا الفكر وعزل أي قاض لا يؤمن به. وهو ما لقي معارضة واستهجانًا كبيرًا من بعض الأئمة مثل الإمام أحمد بن حنبل، والذي تحمل من أجل ذلك الكثير من التعذيب حتى قام الخليفة المتوكل بإنهاء هذه المحنة وأفرج عنه.
توفي المأمون عن عمر بلغ ثمانية وأربعين عامًا ودفن بطرسوس، وهو ينوي غزو الدولة البيزنطية كما يقولون. وأرى أنه بموته ينتهي العصر الفارسي الأول ويبدأ العصر التركي بمجيء المعتصم، ذلك على عكس تصنيف المؤرخين الذي يقضي بأن العصر الفارسي يبدأ بخلافة السفاح وينتهي بمجيء المتوكل ابن المعتصم إلى الخلافة. وهم يرون ذلك لأن هذا العصر مع أنه داخل في عصر الدولة العباسية إلا أنه كان فارسيًّا لأن تلك الدولة على كونها عربية من حيث خلفائها ولغتها وديانتها فهي فارسية من حيث سياستها وإدارتها لأن الفرس نصروها وأيّدوها، ثم هم نظّموا حكومتها وأداروا شؤونها ومنهم وزراؤها وأمراؤها وكتابها وحجابها.
(3) المعتصم (833م- 842م)
هو أبو إسحاق محمد المعتصم بالله أمه تركية اسمها «ماردة»، وهو ثامن الخلفاء العباسيين، ولقب بالخليفة المثمن حيث لعب الرقم ثمانية دورًا كبيرًا في حياته. أراد أن يحد من المنافسة الشديدة التي كانت قائمة بين العرب والفرس في الجيش والحكومة فاعتمد على الأتراك اعتمادًا كبيرًا، لذا أرى أن خلافته – وليست خلافة المتوكل- هي البداية الحقيقية لتسلط الجند أو الحرس التركي، وازدياد نفوذهم داخل الدولة العباسية.
وقد استمرت النهضة والترجمة في عهده، كما أنه تمكن من القضاء على الثورات الداخلية وأهمها ثورة «بابك الخرمي» ذلك المجوسي الذي أسس الخرمية كمزيج بين الإسلام والمجوسية. وثورة «محمد بن القاسم» وكان شيعيًّا على المذهب الزيدي. وقد استعان المعتصم بالجند الأتراك – الذين انتقاهم بعناية شديدة- في إخماد تلك الثورات، كما فتح بهم «عمورية» فنصروا الإسلام ولذلك قويت شوكتهم وغلبوا على أمور الدولة فتحول النفوذ إليهم. فبعد أن كانت أمور الدولة في قبضة الوزراء الفرس أصبحت في أيدي القواد الترك أو صار النفوذ فوضى بين الوزراء والقواد.
ولعل السبب في ميل المعتصم إلى الأتراك – إلى جانب ما سبق- هو ذهاب سطوة العرب بعد مقتل الأمين وتسلط الفرس أنصار المأمون وأخواله ومعاناة الدولة العباسية منهم، الأمر الذي أضر بالدولة وأذهب منها قدرة التغلب والفتح. لذلك اعتمد على الأتراك بعدما أفضت إليه الخلافة إذ لم يعد يثق في العرب الذين انكسرت شوكتهم، وفي الفرس الذين بدلوا في الدين وتطاولوا وتجرأوا حتى أصبح يخافهم على نفسه، فرأى أن يتقوى بالأتراك، وتخير منهم الأشداء فتكاثروا حتى ضاقت بهم بغداد وصاروا يؤذون العامة في الطرقات. فبني لهم معسكرًا في «سر من رأي» أو «سامراء» واختط لهم فيها الخطط واقتطع لهم فيها القطائع حتى أصبحت «سامراء» بمثابة مدينة تركية وقاعدة للدولة العباسية. وقد ازدادت سطوة الترك بعد وفاة المعتصم، وخصوصًا بعد المتوكل حيث أقدموا على قتله وكان ذلك فاتحة جرأتهم على الخلفاء بعده من عزل وتولية وقتل.
خاتمة
أخطر ما في هذه الفترة من تاريخ الأمة أنها أسست فيما بعد لتقسيم الدولة العباسية أيام ضعفها. فهذا التناحر الفارسي التركي – على وجه الخصوص- أدى إلى ظهور حركات شعوبية ودينية مالت إلى تفضيل الشعوب غير العربية، وعملت على تنازع الحكم وتقسيم أرض الخلافة في نهاية المطاف إلى دويلات استقل بعضها تمامًا مثل الدولة الفاطمية، والبعض الآخر لم يكن يربطه بها – لفترة- سوى الدعاء للخليفة في الخطب وسك اسم الخليفة على النقد كدولة الأدارسة ودولة الأغالبة والدولة الطولونية والدولة الإخشيدية. وتعد دولة آل بويه هي أكبر دولة فارسية شيعية ظهرت في الشرق في ظل الدولة العباسية، بينما الدولة السلجوقية هي أكبر دولة تركية ظهرت في ظلها.
لقد أسس هذا الفصل من تاريخ الدولة العباسية إلى صراع محوري دائر بين الفرس، والترك، والعرب منذ تلك الحقبة، واستمر بشراسة حتى يومنا هذا.
The post الأمين والمأمون والمعتصم.. علو الفرس والترك وانحسار العرب appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست