لماذا لا توجد أنظمة حكم مثالية؟
دعنا نتجاوز هذا السؤال لنجيب عنه في نهاية المقال لنتحدث عن أكثر النظم شيوعًا في العالم النظام الديموقراطي، هذا النظام الذي تدعي كل دول العالم تقريبا العمل به حتى وإن لم تطبقة فعلًا على أرض الواقع، حتى وإن كانت هذة الدولة سلطوية أو شمولية، إذن ما الذي جعل هذا النمط من الحكم ينتشر ويهيمن علي الساحة الدولية ويصبح بمثابة المرجع لأغلب النظم الدولية، هل لأنه هو النظام المثالي الذي يحقق الاستقرار والرخاء والعدل والتنمية للأفراد والمجتمع؟ أم إنه النظام الأفضل نسبيًا بين كافة أنماط الحكم الأخرى؟ والذي نستطيع أن نحكم علي الديموقراطية باعتبارها قيمة مجردة بأنها أفضل ما توصل إليه الإنسان من قيم تستطيع أن تكون قاسمًا مشتركًا لكافة شعوب العالم لتكون جزءًا من الإرث الإنساني وليست قيمة خاصة بحضارة معينة، ولكن ما هي الديموقراطية.
الديموقراطية (Democracy) تعني حكم الشعب بالشعب وللشعب، أي أن أهم مبادئها هي سيادة الشعب والاهتمام بمفهوم المشاركة والعدالة الاجتماعية (إذا تناولنا الديموقراطية من المفهوم الاقتصادي والاجتماعي) وتختلف الديموقراطية من حيث أشكالها وأنواعها وأنماطها، ومن أهم النقاط في حديثنا عن الديموقراطية هي التفرقة بين الديموقراطية الإجرائية والديموقراطية الجوهرية.
الديموقراطية الإجرائية -وهي لب موضوع الديموقراطية- وتعني الانتخابات، أي أن لكل فرد من الشعب الحق في التصويت وكل أفراد المجتمع متساوون في وزنهم كل له صوت واحد.
والبعض يختزل الديموقراطية في صندوق الانتخابات وهذا إجحاف، فالديموقراطية الجوهرية أو الحقيقية أو الليبرالية لها خصائص أسمى بكثير من مجرد صندوق انتخاب.
-احترام حريات الإنسان وحقه في التعبير عن رأيه وحقه في المشاركة السياسية بمفهوم أوسع من المشاركة في الانتخابات.
-وجود تعددية حزبية وتداول سلمي للسلطة في الدولة والإعلاء من قيم التنافسية بين القوي السياسية وقبول الآخر والتسامح.
-احترام القوانين وحماية الملكية الخاصة وتعزيز قيم الشفافية والعدل والحرية والمساواة مثل العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة بين المواطنين.
ولهذا يجب الأخذ بعين الاعتبار حين تطبيق نظام ديموقراطي أن يسير بالتوازي بين المفهوم الإجرائي والمفهوم الجوهري للديموقراطية لأنه لو تم استخدام الأولى بدون البدأ في تطبيق قيم الثانية تصبح الديموقراطية أداة في صراع سياسي داخل الدولة، لذلك يري الكثير أن الديموقراطية ليست مجرد نظام سياسي بل ثقافة اجتماعية أو إن شئت قلت أسلوب حياة.
ورغم كل هذا فالديموقراطية ليست بنظام مثالي أو أفضل ما وصل البشر إليه رغم كل ما تقدمه من قيم، فلا ننسى أن الفلاسفة الأوائل مثل (أفلاطون وأرسطو وسقراط) بل وأغلب الفلاسفة القدامى رفضوا الديموقراطية وانتقدوها، بل إن جوهر ولب مفهوم الديموقراطية هو أمر غير منطقي بالمرة، فالبشر غير متساوين في القدرات حتى يعطوا أصوات متساوية، بل إن هناك علم بأكمله يقام فقط ليدرس الفروق الفردية بين البشر في قدرتهم على التحصيل أو الإدراك وهو علم النفس، ويعد هذا أهم مباحث علم النفس.
السياسة والأمور العامة لها متخصصون مثل باقي مجالات الحياة كالطب والهندسة وغيرها، فكيف نساوي بين الناس ليكونوا فريسة في يد المغرضين، ألم يصعد هتلر إلى السلطة في ألمانيا بالديموقراطية إلى أن دمر ألمانيا، أليست الديموقراطية من تفتح الباب للغوغائيين للصعود إلى الساحة وتظلم بذلك العقلاء وذوي الخبرة والمعرفة.
ولهذا فأغلب الفلاسفة كانوا يدعمون نظامًا يحكم فيه أهل الحكمة، نظامًا أرستقراطيًا -ولا أعني بأرستقراطي هنا المفهوم الدارج بأنه حكم قلة من اللصوص والفاسدين (يرجع ذلك للثورة الفرنسية حيث كانت الطبقة الأرستقراطية هي المهيمنة علي المجتمع) لذلك أصبح مفهوم الأرستقراطية مفهومًا سلبيًا، بل مفهوم الأرستقراطية كما قدمة أرسطو في تصنيفة أنظمة الحكم إنه الجانب الإيجابي في حكم القلة حكم النخبة الواعية، وأن البشر بالطبع ليسوا متساويين في قدراتهم على استيعاب القضايا السياسية نظرًا لاختلاف ميولهم.
فلماذا إذن التشبث بالديموقراطية إن كانت الأرستقراطية هي الأكثر منطقية والأصوب من الجانب النظري؟ ذلك لأن الأخيرة أكثر خطورة من الديموقراطية كما يصفها جون ديوي أحد الفلاسفة الأمريكان.
نظرا لأن الأرستقراطية لا توجد فيه آليات التصحيح الذاتي كما في الديموقراطية، فعقد انتخابات دورية تجعل الشعب يصحح من مساره وتجعل النخبة الحاكمة شغلها الشاغل رضا الشعب ليجدد الثقة بها ويمنحها صوته، أما أي نظام آخر فما الضامن لذلك؟ ولو استطعنا أن نلزم النخب الحاكمة بضمان ما أن تعمل هذه النخب لمصلحة الشعب، وهذه معضلة النظام الأرستقراطي الذي تحكم فيه نخبة واعية، فكثيرًا ما يتحول إلى نظام «أوتوقراط» كنظام الحزب الواحد الذي غالبا ما ينتهي إلى تولي أسوأ من في الطبقة الحاكمة السلطة، ومثال لذلك «ستالين» في الاتحاد السوفييتي الذي أزاح كل النخب لينفرد بالسلطة.
أما نظام أوليجاركي (حكم القلة بالمفهوم السيئ وفق تصنيف أرسطو) فإنه لا يخدم إلا مصالح فئة معينة ويتم تهميش باقي فئات المجتمع، وهذا ما نجده في الواقع (انظر إلى دولة تحكم بواسطة ولاية الفقيه ولكنك تري النظام يحيد تمامًا عن مبادئ الإسلام حتى وفق العقيدة الشيعية) فترى تفشي الفساد وارتفاع معدل المدمنين والبطالة، فلذلك من الصعب إيجاد استقرار على المستوي السياسي أو المستوي المجتمعي.
ولهذا فالديموقراطية أنسب وليست هي النظرية المثلى، فلا توجد نظرية حكم مثلي يمكن تطبيقها حتى الآن، تحدث الكثير عن المدينة الفاضلة وفقًا لرؤيته هو لكن لم يتم تطبيق هذه القيم ومحاولاتها كلها فشلت، وهذا ما يجب أن يعية الناس بأنه لا يوجد نظام مثالي للحكم حتى الديموقراطية.
وهذه ثغرة في غاية الخطورة يستخدمها بعض المغرضين لهدم الديموقراطية، ففي بعض مراحل الدول تعم حالة من خيبة الأمل في نفوس كثير من قطاعاتها ليستخدم ذلك المغرضون للترويج إلى المثل العليا الغير واقعية واللعب على عواطف الناس للترويج للنظام المثالي الذي يجعل الدولة عظيمة مرة أخرى ( كما يقول أحدهم) أو أن يجعلها (آد الدنيا) كما يقول الآخر لنكتشف بعد ذلك أننا (فقرا آوي) فيما يعرف هذا بالشعبوية أو الديماغوجية أي اللعب على عواطف الناس بالترويج لأفكار غالبًا لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع.
أو أن تصبح هذة المثاليات خنجرًا في خاصرة الأنظمة التي تتحرك بخطى وئيدة نحو الديموقراطية فيما يعرف بمرحلة التحول الديموقراطي ليتحدثوا عن الغايات والمثل العليا، وليبينوا حجم الهوة واتساع المسافة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، وهذه الهوة حقيقية وليست مختلقة ولكنها طبيعية في دول تتجه نحو الديموقراطية، وعادة ما يؤدي الترويج لمثل هذه القيم المثالية إلى شعور الناس بالإحباط وتحول موقفهم من الإيجابي تجاه هذا النظام الوليد إلى السلبي مما يؤدي إلى انهيار هذا النظام الديموقراطي الوليد الذي لا يستطيع تحمل إعراض الجماهير عنه (كما النظام الفرنسي مثلًا في الوقت الراهن فهو مستمر رغم انخفاض المشاركة في الانتخابات النيابية السابقة ولكنه نظام به من المرونة والقوة لتجاوز هذة المرحلة) فينهار النظام الجنيني ليحل محله نظام يقود الناس بالشعبوية والديماغوجيا إلى أن تظهر فيه السمات الدكتاتورية بشكل لا يدع مجالًا للشك.
لذلك يجب علي الشعوب أن تعي أن كل السياسيات الحكومية وبرامج العمل والقرارات السياسية والتشريعات وتوجهات السياسة الخارجية والأحكام القضائية كل هذا لم ولن يحقق الجنة المنشودة (نظام الحكم المثالي) إنما هي تخصع للمقاربة والموازنة لتكون الأفضل نسبيًا وليس مطلقًا، يجب أن نعلم أن (الجنة لا توجد إلا في الآخرة) فالسياسة كما عرفها الكثير أنها فن الممكن أو فن حكم، وهذا في ضوء المعطيات والموارد المتاحة لا المرغوب فيها.
لا نشك بأن الأنظمة الحاكمة في عالمنا العربي تقف عائقًا أمام تحقيق متطلبات الشعوب وأهدافها المنشودة، وأعتقد أنه من السخف أن أضيع وقت القارئ لأبرهن أن الحكام مسؤولون عما نعاني منه وأن الكثير منهم يقف حجر عثرة أمام أهداف الشعوب ورغباتهم.
وأخيرًا أود أن أختم بقصة وردت أن أحد الناس قام إلى الإمام علي بن أبي طالب (وكانت خلافتة في وقت الفتنة بينه وبين معاوية بن أبي سفيان) فقال هذا الرحل يا أمير المؤمنين لماذا حدثت الفتنة في عهدك ولم تحدث في عهد أبي بكر أو عمر (أراد أن يحرجه بشكل أو بآخر) فأجاب علي بن أبي طالب: لأن أبا بكر وعمر كانوا ولاة على أمثالي، أما أنا، فأنا وال على أمثالكم) أي أن نظام الحكم وخصائصه يتوقف علي طبيعة المجتمع كما قيل ( كيفما تكونوا يولى عليكم).
وخلاصة القول -لا توجد أنظمة حكم مثالية لأنه لا توجد حكام أو شعوب مثالية، وما النظام السياسي إلا عقد بين الحكام والشعوب فيما يعرف بالعقد الاجتماعي، وسيكون هذا موضوع المقال القادم.
The post لماذا لا توجد أنظمة حكم مثالية؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست