استيقظت في أحد أيام إسطنبول الصيفية، بنشاط وحيوية لم يسبق لي أن شعرت بمثلهما منذ فترة، منفرج الأسارير منبسط المزاج، وتحضرت لأتوجه إلى فندق هيلتون بوسفورك، الذي سيستضيف دورة إعداد المدربين التي سأشترك بها لستة أيام قادمة، وسيكون الدكتور طارق السويدان هو المدرب فيها.
التقطت الصور لنفسي، وأنا أنتظر الباص، وأرسلتها لأصدقائي الذين أعرف أنهم يتمنون أن يكونوا معي في هذا التدريب، ولكن لم تسمح لهم الظروف بذلك، وجلست أنتظر بترقب حتى أتى الباص واستقللته. كنت على طول الطريق أتأكد أني لم أخطئ العنوان، وأني أخذت الباص الصحيح، الذي سيوصلني إلى المكان المطلوب.
وبالفعل وصلت إلى هناك، ذهبت إلى موظفة الاستقبال، وقلت لها إني مشارك في دورة إعداد المدربين، فأرشدتني إلى مكان القاعة، طلبت المصعد ونزلت إلى الطابق الثاني تحت الأرض، وجدت إعلانًا كبيرًا يدل على مكان القاعة. دخلت القاعة وأخدت مكانًا لي على إحدى الطاولات، وبدأت أتهيأ نفسيًا لألتقي بالدكتور طارق كمدرب، وهو الذي عرفته داعيةً ومعلمًا على قناة الرسالة، وقبلها على أشرطة الكاسيت قبل أن تنقرض بفعل التطور التكنولوجي.
وبعد فترة وجيزة امتلأت القاعة، وتركيزي كله منصب على متى سيأتي الدكتور طارق من أجل أن أراه لأول مرة في حياتي وجهًا لوجه، دون وسائط، فلا أقمار صناعية ولا كابلات في عرض البحر، وجهًا لوجه بدون مؤثرات جانبية.
بعد قليل دخل الدكتور طارق القاعدة مبتسمًا بشوشًا، فألقى السلام بصوت عالٍ يسمعه الجميع، ورددنا السلام عليه، وبدأ يتبادل السلام والتحية مع بعض الأفراد، خصوصًا من كانوا معه في دورات سابقة ويعرفهم جيدًا.
بعد الانتهاء من السلام والتحضيرات النهائية، بدأ التدريب بمقدمة جميلة تتحدث عن النية والهدف في الحياة، والمشروع الفعال، والشباب النشيط، وبينما نحن نستمع بشغف ونسجل ملاحظاتنا قطع الدكتور طارق كلامه وأفكاره وقال: أين ياسمين؟ فنظرت إلى الخلف فرأيت إحدى المشتركات ترفع يدها فلم يحتج الأمر مني إلى ذكاء كي أعرف أن هذه هي ياسمين، قال لنا ياسمين لديها مشروع جديد مبدع، لم أر مثله من قبل، مشروع يجمع بين أسماء الله الحسنى وعلم النفسي الإيجابي والتنمية البشرية، وأذكر أيضًا أنه قال، ولو أني اطلعت على مشروعها وكتبها قبل أن أنشر نسختي الأخيرة عن أسماء الله الحسنى؛ لتوقفت عن نشرها، والكلام هنا للدكتور طارق. قلت متعجبًا في نفسي ما هذا المشروع وهذه الكتب التي لقيت كل هذا المديح في أول نصف ساعة من برنامج تدريبي سيمتد لستة أيام؟ لماذا الإصرار على هذه البداية؟! وفي اليوم التالي أخبرونا أنه بعد الدورة بحوالي الساعتين، تم تخصيص جلسة لياسمين لتقدم للمشتركين ورشة صغيرة عن مشروعها، والذي يسمى «سلام»، فقلت لنفسي «سلام» في هذا العصر؟! نحن نحتاج إلى برنامج «حرب وقوة» لا برنامج «سلام»! وكون الفكرة بالنسبة لي لم تكن لافتة؛ فقررت ألا أحضر هذه الجلسة، والتي ستقام قبل نهاية الدورة بيوم واحد.
وبسبب التعريف بها من أول نصف ساعة، والطريقة التي تحدث بها الدكتور طارق عن مشروعها، أصبحت ياسمين شخصية مشهورة في التدريب، وأصبح الجميع يتبادل معها الحديث، وخصوصًا في موضوع مشروعها الموصوف. وكوني صاحب نزعة شخصية غريبة، وبسبب سلوكي النفسي الذي لا أستطيع تفسيره أنا شخصيًا، كنت أبقى بعيدًا عن كل تلك الأحاديث، مفضلاً أن أبقى بعيدًا مركزًا في الهدف الذي أتيت من أجله، واستدنت مالاً من أجل حضوره وهو تدريب المدربين.
بعد مرور ثلاثة أيام من الدورة، وبسبب طبيعة العلاقة الودية التي نشأت بين المتدربين، أصبح هناك تواصل مع الجميع تقريبًا؛ بسبب أني اجتماعي بطبعي، وطبعًا كانت ياسمين من بين من تعرفت إليهم بطبيعة الحال. ومرت الأيام وفي اليوم ما قبل الأخير ستقدم ياسمين محاضرتها، كنت عزمت على عدم الحضور؛ لأني كما ذكرت سابقًا لم أجد ما يجعلني أنجذب إلى الموضوع، وخصوصًا وهو يتحدث عن السلام، وبلدي تعم في فوضى الحرب والنظام المجرم مع تحالف إقليمي عالمي يدكها أنقاضًا فوق رؤوس أهلها، من دون تمييز بين طفل أو شيخ أو امرأة أو عاجز! ولكن وبسبب الجو الودي الذي ساد في التدريبات وجدت أنه سيكون من الفظاظة بمكان ألا أحضر هذه الجلسة، ومدتها لن تتجاوز الساعتين، قلت أجعلها في التحضير للتقديم في اليوم الأخير، فقد وقعت علي القرعة أن أقدم عشرين دقيقة تدريبية أمام الجميع.
وبالفعل وبعد الوقت للتدريبات بساعتين، دخلنا القاعة لنستمع إلى ياسمين كي تحدثنا عن مشروعها «العالمي» كما وصفه الدكتور طارق.
البداية كانت تحدثنا عن الثقة بالله وخياراته لنا، واستخدامها لذلك تمرينًا عبر بامتياز عن الفكرة، ولكن ليس هذا بجديد بالنسبة لي قلت في نفسي. وابتدأ الحديث الآن، بدأ الحديث عن علم النفس وعلم النفس الإيجابي والتغيير والشخصيات العظيمة، وأذكر أنها أدخلت في هذا كله كلامًا لابن القيم! ابن القيم! نعم استغربت، وأنا ما زلت أسأل وماذا بعد! ومتى الحديث عن أسماء الله الحسنى، وفي غمرة أسئلتي المتعجرفة بدأت التقاطعات الرهيبة تظهر أمامي، تنقلني من فكرة في علم النفس الإيجابي، لتربطها باسم من أسماء الله الحسنى، مستشهدة بذلك بآية من القرآن الكريم، وهنا وجدت نفسي أقول «رهيبة»! وبدأ هنا العرض المذهل بالنسبة لي، وكأنها تفك شيفرات مخابراتية كالتي كان يفكها جو ناش في فيلم «العقل الجميل»، كيف استطاعت أن تربط بين هذا كله وتخرج بهذه النتيجة! لقد كان بالفعل تقديمًا رائعًا.
بعد هذا العرض، وكغيري من المشتركين، أصبحت مهتمًا أكثر بالتعرف إلى تفاصيل المشروع، وأن أسهم فيه ولو بكلمة دعم، «بشق تمرة»، وسمعت من ياسمين تفاصيل جميلة جدًا عن المشروع ونشأة الفكرة وتطورها حتى وصلت لكتابته وانتهت به مشروعًا متكاملاً للتنمية البشرية بمرجعية إسلامية.
«سلام» كما فهمته هو مشروع متكامل للنهضة بالإنسان، أينما كان وحيثما كان، مشروع يركز على الإنسان كونه المورد الأكثر قيمة في هذا الكون، مشروع مبدع بأساليبه وبمعلوماته وبطرقه، لكي ينهض بالبشرية من الوحل الذي غاصت فيه لينتشله إلى درجات راقية أراد الله للبشر أن يكونوا فيها، «سلام» ليس دعوة سلبية للسلام كما فهمت أنا أول ما سمعت بالمشروع، بل على العكس هي تعلم الإنسان بقيم سامية أن يكون قويًا مدافعًا عن الحق، رحيمًا بالناس، عفوًا وودودًا، كل في وقته، دون إفراط ولا تفريط.
«سلام» هو مشروع الإنسانية لتنهض بالبشر من جديد، مشروع عالمي بصبغة إسلامية يعتمد على العلم الحديث.
«سلام» من القلب إلى القلب، لسلامة القلب.
ملاحظة: سيكون برنامج الدكتور طارق السويدان في هذا الرمضان «نورك فينا» مرتبطًا بفكرة المشروع.
الموقع الإلكتروني لمشروع سلام
The post «سلام».. ميلاد مشروع أمة مع ميلاد هلال الشهر الفضيل «رمضان» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست