الخميس، 4 مايو 2017

ثقفني اون لاين : أنور السادات .. المفتري عليه 

إن كونك مواطنًا في بلد من البلاد يعني أن لك انتماءك وقناعاتك التي تمثل المحرك الوحيد لفعلك ورد فعلك. ولكن حين تكون على رأس الجهاز التنفيذي لدولتك، فإن الوضع يختلف كمًا وكيفًا؛ فأنت مسئول عن جهاز يدير إيقاع منتظم لمؤسسات تنازل لها الشعب عن سلطة الإدارة وإشباع الحاجات الجماعية لهم، بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية.

والحقيقة أن مصر – الجمهورية الفتية – في أوائل سبعينات القرن الماضي كانت تعيش مزيجًا عجيبًا من الغليان واليأس والخوف. وهو ما كان إرثًا ثقيلًا ورثه ذاك الفلاح الأسمر – أنور السادات – من سلفه – جمال عبد الناصر – وجميعنا نعرف أوضاع مصر في تلك الفترة الحالكة كما عبر عنها السادات في أحد خطاباته، كما ترك الأمر للتاريخ لكي يقرر ماذا فعل كل مسئول في موقعه.

وما لا يخفى علي الجميع أن السادات أحد الشخصيات القليلة على مر العصور التي لايستطيع أحد التنبؤ بما كان يجول في ذهنها. وهو ما جعل تلك الشخصية محلًا لدراسات وأبحاث علماء النفس حتى اللحظة.

إنسان يقف علي شعرة معاوية بين الجنون والعبقرية، وبين الثقة بالنفس والغرور. ترسخ إنتماءه لأصله ولأرضه في ميت أبو الكوم، حيث الفدان ونصف الفدان، اللذان كان يمتلكهما والده وترعاهما جدته، وهو ما كان واضحًا في لكنته الفلاحي التي ظل يتكلم بها حتى مماته. واستهوته فكرة النضال في سبيل الوطن والأرض التي تحتضن قريته من روايات جدته عن مصطفى كامل وأدهم الشرقاوي وروايات أبيه عن نابليون وسعد باشا زغلول.

تجرع مرارة اليأس منذ أن كان ضابطًا صغيرًا وفُصِل من الخدمة، واكتوى الاعتقال والمعاناة في زنزانة ٥٤ في سجن المصريين – قرة ميدان – واحتك بالطبقات الدنيا، وأحس بآلامهم وأمالهم خلال فترة هربه من سجن الأجانب وعمله كتباع وحمَّال وفي منجم للرخام.

والمثير للاشمئزاز هو اتهام البعض له بالخيانة، وأنه وَقّع اتفاقية العار، وقضى على ما حققه ناصر، وما حققه هو شخصيًا بقبوله سلام مع الكيان الصهيوني المغتصب للأرض العربية وعدو المؤمنين الأول.

لكن يجب علينا أن لا ندع العاطفة – سواءً دينية أو قومية – تذهب بِنَا بعيدًا عن حقائق ووقائع وتفاعلات معادلة كبيرة – سياسية دبلوماسية، عسكرية، اقتصادية – كان الصراع العربي الإسرائيلي جزء منها.

نظرة على كتلة عناصر للحرب الباردة

من الأوليات أن الصراع البارد الذي شهده العالم بعد الحرب العظمي الثانية، يشمل كافة المجالات، لكن لا يصل إلى حد النزاع المسلح المباشر بين الكتلتين أنفسهم. وهذا لا يمنع من أن تكون الصدامات على المستوي العسكري عن طريق دعم صراعات إقليمية أصغر أو حروب بالوكالة، تكون بمثابة تحديد فعال للخطوط الفاصلة لمناطق النفوذ بينهما في أجزاء استراتيجية وغنية بالموارد الطبيعية في العالم. ومن المعروف أن إقليم الشرق الأوسط أسال لعاب المستعمرين على مر العصور. 

وقد خلقت أزمة السويس الفرصة للاتحاد السوڤيتي لاستمالة عبد الناصر المحرك الديناميكي لأنظمة وشعوب العالم الثالث حديثي الاستقلال، ومن خلال تسليح المصريين والسوريين ودعمهم تكنولوچيًا، وجدت موسكو موطأ قدم على مياه المتوسط الدافئة، ووضعت قاعدة الغرب الثابتة – إسرائيل – في المنطقة في كسارة البندق. وهذا الأمر ظهر جليًا في غضب الاتحاد السوفيتي والإنذار شديد اللهجة بقصف لندن وباريس وتل أبيب بالقنابل الذرية لإنقاذ نظام ناصر في ١٩٥٦م.

وحين تتدخل موسكو في كداعم لأحد أطراف الصراعات الإقليمية، كانت ولا تزال، فإنها تحاول أن تمسك في يدها ما يمكن أن نطلق عليه، خيوط الماريونت، التي تدعمها، فتجمد الوضع لتهيئ ساحة أخرى للمعركة، أو تتهيأ لمعركة سوف تُفرض عليها من واشنطن. وذلك على عكس واشنطن التي تميل إلى إحداث الفوضي وتقوم فقط بهندسة مجرياتها لتصب دائمًا في بوتقة مصالحها على الطريقة الرأسمالية التي تقول إن أفضل دور للدولة هي أن لا يكون لها دور، اللهم إلا في حالتين شهدهما هذا الصراع البارد.

فبعد اعتراض موسكو على أن تهديدات ناصر وحشد قواته على الجبهة وإغلاقه لمضيق تيران، تجعل الأحداث تسير بوتيرة أسرع من اللازم. فاقتطعت تل أبيب الجولان وسيناء والضفة الغربية عقب نكسة ٦٧، فتعاملت موسكو بغطرسة مع القائد الذي تسبب بتهوره في الهزيمة، وقررت وضع مصر تحت وصايتها، واصبح الدعم العسكري يسير بخطوة السلحفاة؛ أي أن المصطلح القانوني الذي يصف الحق العربي هو أن يبقي الوضع كما هو عليه، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء.

من بعض استراتيچيات الحروب الحديثة 

الاستراتيچية هي فن الإدارة والقيادة والتخطيط. ولفظة الحرب الواردة في العنوان الفرعي أُدلل بها على المعنى الواسع، وليس الضيق للحرب؛ فالحرب ليست عسكرية في جميع الأحوال، فهناك حرب دبلوماسية، وحرب نفسية، وحرب اقتصادية، وحرب إعلامية … إلخ. والحرب بمعناها الواسع أيضًا ليست حكرًا على الدول فقط، بل من الممكن أن تكون بين كيانات أو منظمات أو حتى أشخاص.

ومن ضمن تلك الاستراتيچيات التي ذكرها أحد المؤلفات بعد رحيل الثعلب الأسمر بما يقارب العقدين من الزمان:

١) استراتيچية الثمار اليانعة؛ ناورهم حتى يضعفوا.

مهما كنت قويًا، فإن خوض المعارك الدائمة أمر مكلف ومرهق وغير خلاق، ابتكر مناورات تمنحهم فيها خيارات عدة، لكن جميعها سيّئ.

٢) استراتيچية الحرب الدبلوماسية؛ فاوض أثناء التقدم.

قبل وخلال أية مفاوضات عليك أن تستمر بالتقدم، وخلق ضغط دائم يجبر الطرف الآخر على الموافقة على تسوية بشروطك أنت. إنشئ لنفسك سمعة أنك رجل صلب وغير مساوم، بحيث يكون الناس مستنفرين حتى قبل لقائك.

٣) استراتيچية فض الاشتباك؛ قايض الزمان بالمكان.

إن التراجع في وجه عدو قوي ليس علامة على الضعف، بل على القوة. وحين تقاوم إغراء الرد على المعتدي، تشتري لنفسك وقتًا ثمينًا، الوقت لتتعافى، لتفكر، لتكسب مسافة تساعدك على رؤية الصورة الشاملة. 

الفلاح الفصيح 

وضع السادات في اعتباره أنه بمجرد عبور القوات المسلحة المصرية لأكبر خندق مائي في العالم وتحطيم أسطورة خط بارليف والجيش الذي لا يقهر سوف يحدث مجموعة تفاعلات خارج الحسبان الأمريكي والسوڤيتي؛ فهذه المعجزة العسكرية التي حققها المصريون بأسلحة سوڤيتية الصنع قوضت العقيدة العسكرية للكتلة الغربية المتمثّلة في وضعية سلاح المدرعات كعصب رئيس للميدان ووضعية سلاح الجو كغطاء للقوات البرية واليد الطولي للقوات المسلحة، فأصبح الفرد المسلح بصاروخ الكتف ندًا للدبابة وأضحت كتائب الدفاع الجوي مصيدة للمقاتلات.

وهذا يعني مزيدًا من الإقبال على العقيدة العسكرية السوڤيتية التي تميل للدفاع، واستخدام القدرات الصاروخية للردع ولتوجيه الضربات في عمق العدو، وبالتالي مزيدًا من المبيعات، ومزيدًا من الاتجاه شرقًا، وهو ما جعل قيادات البيت الأبيض تتنبه لخطورة الموقف للدرجة التي حتمَّت عليهم أن يعوضوا العجز الإسرائيلي في الطائرات والطيارين بطائرات وطيارين أمريكيين ضمن أكبر جسر جوي شهده التاريخ.

ومن جانب آخر كانت القيادات الإسرائيلية في حالة مزرية من الفوضي والارتباك فقد وضعهم السادات بين نيران قواته المسلحة وغليان في الشارع الإسرائيلي الذي طالما تغنى بقدرة جيش الدفاع، واستياء الرأي العام العالمي. فمنحهم خيارين، وكليهما أسوأ من الآخر: 

فالخيار الأول هو القتال ومحاولة دفع  القوات المصرية غربًا للوقوف على حدود يونيو (حزيران) ٦٧، وهو ما سيكلفها الكثير بتعداد سكاني لا يتعدي الأربعة ملايين، وسيثير استياء المجتمع الدولي، وخاصةً حلفاءها الذين يعانون من وطأة نقص البترول؛ بالإضافة إلى أن وضع الفرقتين الإسرائيليتين داخل ثغرة الدفرسوار كان مهددًا بالتطويق، بالرغم من التسويق الإعلامي بغير ذلك، وأدركت تل أبيب أن الثغرة لن تسعفها سوى إعلاميًا أمام شعبها، وتعالج بها العقيدة العسكرية الغربية الجريحة. أما الخيار الثاني هو التسليم بالأمر الواقع وفي حالة قبول العرب للتفاوض، وبشروط العرب، والقبول باتفاقية سلام قد تفقد فيها مكتسبات حرب الأيام الست؛ وهو ما سيعطل حلم التوسع للنيل والفرات.

واستطاع ذلك الفلاح البسيط أيضًا أن يجعل القيادات في واشنطن وتل أبيب مستنفرة بالفعل للقائه؛ فقد أوهمهم بأنه يمتلك صواريخ (ظافر) والتي يصل مداها لتل أبيب – وكانت مشروع غير ناجح للإنتاج الحربي المصري – وأنه لن يقبل التفاوض حتى يسترد كافة الأراضي المصرية المحتلة، وأثار مزيدًا من الارتباك حين أرسل برقية إلى واشنطن يعلن فيها قبوله لوقف إطلاق النار والتفاوض في حال استصدار قرار من الأمم المتحدة بضمان الكتلتين.

وحين قايض الزمان بالمكان ووافق علي فض الإشتباك كانت القوات المسلحة قد التقطت أنفاسها، وتستطيع عمليًا قضم كليومترات أخرى قد تصل إلى الممرات في وسط سيناء، في حال عدم فشل المفاوضات واستمرار الصدام العسكري. وقد منح فض الاشتباك السادات الفرصة، لكي يدرس الموقف ويتخذ قراره التاريخي بزيارة إسرائيل والقدس المحتلة في مبادرته عام ١٩٧٧، والتي وضعته على خارطة مشاهير التاريخ الإنساني ووضعت تل أبيب في خانة اليكِّ.

بطل الحرب والسلام

إسرائيل كانت – وستظل – العدو الأول للشعوب العربية قبل أن تكون عدوًا للأنظمة، والمثير للانتباه أن القمة العربية الماضية في عمان تمخض عنها قرار يسترعي الانتباه، والذي كان الثاني من نوعه منذ قمة ٢٠٠٢ في بيروت، فقد قررت الدول العربية السلام الدافئ وتطبيع العلاقات على كافة المستويات مع إسرائيل يتوقف على إقامة دولة فلسطينية.

ومن البديهي أن الشعوب العربية على استعداد بأن يتقبلوا نصف العمى، ويتعاملوا – كعرب ومسلمين – مع المواطنين الإسرائيليين كما يتعاملون مع مواطني أية دولة أخرى في بلادهم أو خارجها، في حال أقمنا شعائر صلاة الجمعة، على سبيل المثال، في ساحة المسجد الأقصى داخل القدس وهي عاصمة للدولة الفلسطينية وبتأشيرة دخول للدولة الفلسطينية.

وإذا نظرنا إلى اتفاقية السلام نجد أنها لم تخرج عن المألوف أو وصلت لحد العار، فمصر استردت سيادتها على سيناء، وأتيحت لها فرصة – والتي أضاعها نظام المخلوع مبارك في التشبث بكرسي الحكم على حساب كل شيء بغباء منقطع النظير – لبناء ما دمرته سنين الحرب والصراع الخمس والعشرون. وأثناء مفاوضات كامب ديڤيد تمسك – السادات – بوجوب إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وأن القضية الفلسطينية هي محور الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن منا يعلم إذا ما كان قبول ياسر عرفات الانضمام للمفاوضات وتوقيعه – كطرف في الاتفاقية – سيجعلنا اليوم، سواءً كنّا مسلمين نصلي في الأقصى، أو كنّا مسيحيين نصلي في كنيسة القيامة في إيلياء؟ 

The post أنور السادات .. المفتري عليه  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست