السياسة والطعمية
منذ أكثر من أسبوع أثناء زيارة السيسي لأمريكا ذهبت لإحضار إفطار الصباح من «كشك» يرتاده يوميًا عامة الشعب من البسطاء، كان المكان مزدحمًا للغاية رغم بساطته الشديدة وعدم تناسبه لتجهيز وبيع الطعام، فهو لا يصلح سوى مكان لمبيت الدجاج أو كما يقولون بالعامية «عشة فراخ»، وأثناء انتظار دوري كنت أستمع إلى صوت المذياع مثل الباقين، حيث كان المذيع يتحدث عن زيارة الرئيس السيسي لأمريكا ولقائه بالرئيس ترامب والهدف منها وما سينتج عنها من توطيد للعلاقات بين البلدين، لم أكن مهتمًا بفحوى الكلام فلقد اعتدت على سماعه ليلًا ونهارًا من إعلاميي النظام، ولكن ما أثار انتباهي حقًا هو أنه عندما ذكر المذيع اسم السيسي بدأ جميع من بالمكان بالسباب فيه واللوم عليه في الحال الذي وصلت إليه البلاد من انهيار اقتصادي وغلاء أسعار، والذي بالطبع مس قوت يومهم وأضر معيشتهم بشكل كبير، لم أُبدِ أي تعليق على الأمر اكتفيت فقط بابتسامة والاستماع إلى سبابهم وحديثهم، لكن في وسط ذلك السباب المتزايد وإزعاج الزبائن الذي لا ينتهي من أجل الحصول على أكلتهم المفضلة وهي «الطعمية»، استاءت صاحبة الكشك من الأمر لذلك قامت بتغيير المحطة، ومن ثم عاد الهدوء إلى المكان بمجرد أن ابتدأت ضوضاء طاسة الطعمية، نعم فتلك هي السياسة التي يهواها هؤلاء الناس، وفي نهاية الأمر حصلت على حاجتي من الطعام ثم انصرفت.
رجل من أهل الشر
أي أمن وأمان هذا الذي يجعل الإنسان يخشى من إطلاق لحيته أو يجبره على مظهر معين.
صبيحة البارحة ذهبت أيضًا إلى نفس المكان الذي كان مزدحمًا كعادته، بدأ أحد الزبائن بالحديث عن مداهمات البلدية ليلة أمس وتكسيرها لعربات الفول الموجودة على الطرق، هنا بادر زبون آخر بقوله إنهم – يقصد النظام – لم يعودوا يتركون أي أحد خصوصًا بعد فرض قانون الطوارئ، عندئذ قالت صاحبة الكشك: على الرغم من هذا لكن السيسي يعرف كيف يدير البلد، يكفي الأمن والأمان الذي نعيش فيه، ووافقها جميع الحاضرين خصوصًا رجلًا بجلباب فلاحي حيث قال هم يجب أن يقوموا بهذه الأفعال وإلا سيجتاح البلطجية والمجرمون الشوارع ولن نستطيع الخروج من بيوتنا، هنا استفزني الأمر وتدخلت في الحديث قائلًا أين هذا الأمن والأمان الذي تتحدث عنه، وكل صباح نستيقظ على حادثة إرهابية، ألا ترى كم الأبرياء الذين يقومون بالقبض عليهم واعتقالهم وتصفيتهم خارج إطار القانون، عندئذ أجابني نفس الرجل بكل ثقة وقناعة وقال نحن الشعب لا ينفع معه غير هذه الطرق وإن لم يفعلوا هذا فلن يكون هناك أمن وأمان، وأثناء حديثنا جاء زبون آخر حيث لم تدعه صاحبة الكشك يدفع ثمن طلباته، وعندما انصرف قالت هذا قريبي كان ذا لحية كبيرة ولكنه قام بحلاقتها خشية اعتقاله، لا أدري حقًا أي أمن وأمان هذا الذي يجعل الإنسان يخشى من إطلاق لحيته أو يجبره على مظهر معين حتى لا يكون محل اشتباه من قبل قوات الأمن، استمر الرجل ذو الجلباب في تبرير قمع النظام وأعماله الوحشية وبات الجميع متفقًا مع كلامه، أما أنا فلذت بالصمت لأنني أدركت أنه لم يعد للكلام فائدة وأن مجرد الحديث مع هؤلاء هو مضيعة للوقت، لكن نفس الرجل لم يكف بالتلسين علي حيث قال لصاحبة الكشك: احذري فهذا الرجل – يقصدني أنا – شكله منهم، لم يحدد من هم بالتحديد لكنه بالطبع كان يقصد «أهل الشر» تلك الكلمتان اللتان يرددهم رئيسهم مرارًا وتكرارًا في خطاباته منسبًا لهم كل الإخفافات التي تحدث في البلاد، في النهاية توقف حديث السياسة الذي اختلفنا فيه وابتدأ حديث الطعمية الذي اتفقنا عليه، ومن ثم أخذت حاجتي من الطعام وانصرفت في هدوء.
العودة إلى الخلف بطريقة «الفلاش باك»
فهل سيخشى من يقوم بتفجير كنيسة أو أي أعمال تخريبية أخرى قانونًا مثل هذا؟
لكني ظللت أفكر كثيرًا في الأمر مسائلًا نفسي، ما الذي حدث بعد المرة الأولى جعلهم يغيرون موقفهم بمعدل 180 درجة، من مهاجمة النظام وسب الرئيس إلى تبرير أفعالهم، بدأت أسترجع الأحداث السياسية الأخيرة في الأيام الماضية، وتذكرت أن أبرزها كان تفجير الكنائس بالإسكندرية وطنطا الذي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسئوليته عن الحادث، ومن ثم قيام السيسي بإعلان حالة الطوارئ، إذًا هي حالة الطوارئ التي تحدث عنها الزبائن البسطاء وخصوصًا الرجل ذا الجلباب الفلاحي مؤكدًا أن قوات الأمن الآن تقوم بالقبض على الجميع دون استثناء، إذًا هي حالة الطوارئ سبب كل هذا التغيير الذي حدث في وجهات نظرهم وكلامهم الذي يبدو أنه عن قناعة تامة لا عن خوف، قانون الطوارئ هذا الذي استطاع مبارك من خلاله إحكام قبضته على البلاد طوال ثلاثة عقود، لذا فكان أول مطالب ثورة 25 يناير هو إلغاء هذا القانون الجائر القمعي، لذلك فهو ذو سمعة سيئة عند المصريين وذكرياتهم معه غير طيبة على الإطلاق، لكن المتابع للمشهد المصري سيعرف أن نظام السيسي تخطى إجرام ووحشية نظام مبارك بمراحل بدون تفعيل هذا القانون، ولا حاجة النظام له لضبط الأمن فهل سيخشى من يقوم بتفجير كنيسة أو أي أعمال تخريبية أخرى قانونًا مثل هذا، بالطبع لا إذًا ما الذي دفع النظام إلى إعلان حالة الطوارئ؟!
العودة إلى الخلف مرة أخرى
وتلك كانت المرة الأولى التي يتراجع فيها النظام عن قراراته.
إذًا دعونا نرجع إلى الخلف مرة أخرى بطريقة «الفلاش باك» ونسترجع أحداث الأسابيع الماضية، ولعل أبرزها كان انتفاضة التموين تلك الاحتجاجات التي شهدتها محافظات كثيرة قام بها من أحب تسميتهم بـ«شعب العيش» نتيجة لقرار وزير التموين بتخفيض حصة الخبز، وكان من أبرز هتافاتها «عايزين العيش»، والملاحظ هنا أن شعب العيش قد استطاع الاحتجاج والقيام بمظاهرات حاشدة في مختلف المحافظات، وهو أمر طالما عجز عنه الثوار والمعارضون السياسيون خصوصًا في ظل وحشية هذا النظام وارتكابه لكثير من المذابح أشهرها مذبحة رابعة العدوية، لكن فعلها شعب العيش ولم يستطع النظام استخدام الحل الأمني هذه المرة خشية من تفاقم الأوضاع وخروج الأمر عن السيطرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى نزول المزيد من الثوار المعارضين إلى الشارع وتحويل احتجاجات شعب العيش إلى مظاهرات سياسية تطالب بإسقاط النظام، وما كان من النظام إلا التراجع عن قرار وزير التموين، وتلك كانت المرة الأولى التي يتراجع فيها النظام عن قراراته.
القوة الضاربة التي يخشاها النظام
أدرك النظام بعد انتفاضة التموين أن الخطر الأكبر على وجوده يأتي من شعب العيش، والذين على استعداد لفعل أي شيء من أجل لقمة العيش حتى لو كانت الثورة ضد النظام الذي جاء على أكتافهم فالأمر بالنسبة لهم حياة أو موت، ومن ثم اتضح له أن الحلول الأمنية لن تجدي معهم نفعًا خصوصًا بعد أن أثبتت فشلها في جمعة الغضب يوم 28 يناير، حيث خرج شعب العيش لمساندة الثوار وساهموا في انهيار نظام مبارك، فلولاهم ما استطاع الثوار الصمود أمام قوة النظام الغاشمة، ولكن كيف سيتعامل النظام معهم خصوصًا أنه مقبل على اتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر صعوبة وخفض الدعم بشكل كبير تنفيذًا لشروط صندوق النقد الدولي، إذًا لابد من حلول وسياسات أخرى.
الخوف أمرّ من السحر
ليس هناك شيء مقنع للإنسان مثل الخوف.
إذًا دعونا نعد لسؤالنا مرة أخرى ما الذي جعل هؤلاء الأشخاص يغيرون موقفهم الذي يبدو عن قناعة لا عن خوف، يقول «توماس تشامورو بريموزيتش» أستاذ علم النفس الإداري بكلية لندن الجامعية في مقاله «الإقناع يعتمد إلى حد كبير على الجمهور» ليس هناك شيء مقنع للإنسان مثل الخوف، باستثناء الأشخاص المعتلين نفسيًا، وأكثر طريقة فعالية لإقناع الناس هي تفعيل آليات كشف المخاطر لديهم، وهذا يفسر السبب الذي يجعل الناس عمومًا يشعرون برغبة أكبر في تحاشي فقدان شيء يعتقدون أنهم يمتلكونه (مثل الحب أو الصحة أو المال) مقارنة مع رغبتهم في كسب شيء قد يريدون امتلاكه، إذًا تلك هي الطريقة التي استخدمها النظام للتعامل مع شعب العيش، قام بفرض الطوارئ وزيادة القمع وتكثيف الحملات الأمنية لكي يشعرهم بأنهم على وشك فقدان أمنهم وسلامتهم اللذين يعتقدون أنهم يمتلكونهما، لذلك أصبح الأمن والأمان والسلامة أولوية بالنسبة لهم عن خفض الأسعار والحياة الكريمة، ومن ثم باتت لديهم قناعة أن ما يفعله السيسي ونظامه هو الأصح بالنسبة لهم على أية حال، وفي النهاية بات واضحًا أن إعلان حالة الطوارئ كان بغرض إسكات شعب العيش تلك القوة الضاربة التي يخشاها النظام.
شعب العيش وسياسة «الطعمية»
هم فقط يريدون لقمة العيش وأن تكون رخيصة حتى ولو كانت بطعم الإهانة.
دائمًا ما كنت أسأل نفسي ما سبب ازدحام هذا المكان البسيط في الصباح دون المطاعم رغم أن أساسه قديم وبدائي جدًا وطعامه بالطبع ليس صحيًا، فلم أتذكر أنني شاهدت صاحبة الكشك تقوم بتغيير الزيت الذي دائمًا لونه أسود من كثرة القلي، وعلى الرغم من ذلك فإن الطعمية التي تقوم بإعدادها شهية جدًا بدرجة لا تقارن بالمطاعم الأخرى، تلك هي سياسة شعب العيش إذًا، الطعمية ثمنها رخيص وغير مكلفة بالنسبة لهم علاوة على أنها شهية جدًا مقارنة بأفخم وأغلى الأكلات، هم يريدون شيئًا رخيصًا وطعمه شهي في نفس الوقت، يمكنهم الحصول عليه بسهولة دون أن يكلفهم شيئًا، حتى وإن كانت مضرة لهم فلا يهم إذا كان صحيًا أم لا، ولا يهم إذا كان من مكان عشوائي يشبه الكوخ أو من أرقى المطاعم، تلك هي نفس أساليبهم في الأكل وفي السياسة أيضًا، هم يريدون عيش حياة هادئة وسهلة ورخيصة بدون مخاطرة ولا تكلف حتى وإن كانت مهينة ومذلة، هم يريدون الحفاظ على أمنهم وسلامتهم قبل كل شيء والنظام يعرف هذا جيدًا لذا دائمًا ما يقوم بتهديدهم عبر إعلام النظام بجمل مثل «مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق»، لا يهمهم جانب الحق من الباطل ولا يهمهم في أي جانب يقفون، هم فقط يريدون لقمة العيش وأن تكون رخيصة حتى ولو كانت بطعم الإهانة.
من الذي يقوم بالتخطيط للنظام إذًا؟!
بات من الواضح أن هذا النظام لا يتخذ قراراته عبثًا أو بطريقة عشوائية وهو ليس نظامَ «خمسين في المية» كما يحاول أن يروج لنا البعض، بل يتحرك نتيجة عن دراسة مسبقة ودراية بكافة العواقب، ولكن من الذي يقوم بالتخطيط والتفكير لهذا النظام إذًا، كلمة السر تكمن في مراكز الفكر أو ما يعرف بـ«think tanks»، وهي مؤسسات تقوم بدور كبير في رسم وصناعة السياسات حول العالم خصوصًا في الولايات المتحدة وإسرائيل، وتضم هذه المراكز مجموعة من الباحثين والخبراء والسياسيين المتخصصين الذين يقومون بتقديم الحلول والاستشارات لصناع القرار، وتعتمد عليها كافة الحكومات والأنظمة السياسية في اتخاذ القرارات وتفعيل أي من الإجراءات، فبحسب تقرير أعدته جامعة «بنسلفانيا» في عام 2014 احتلت مصر المرتبة الأولى في الشرق الأوسط والسابعة عشرة عالميًا بـ57 مركزًا للفكر، وبحسب كثير من الأخبار المتداولة في الإعلام والصحف التابعة للنظام، فلقد التقى السيسي مرات عديدة بقيادات من مراكز فكر أمريكية بارزة مثل مؤسسة «بروكينجز» ومعهد الشرق الأوسط الأمريكي، تلك المراكز صانعة القرار الأمريكي والأكثر تأثيرًا في السياسات الأمريكية العامة.
لماذا لا يثور شعب العيش على النظام؟!
هم على الأقل لا يريدون أن يتم التنكيل بهم وإيذاؤهم مثل الطرف الأضعف إذ لم يستطيعوا الحفاظ على مصالحهم.
مشكلة المثقفين والنخبة أنهم يظنون أن عامة الشعب لديهم نفس نظرتهم للأمور ويفكرون بنفس الطريقة، لكن شعب العيش لا يرى الأمر على أنه معركة بين الحق والباطل أو معركة كرامة وحريات وحقوق كما يرى الثوار، بل هي معركة بين القوي والضعيف، وهم دائمًا ما ينحازون للجانب القوي الذي سيحافظ على مصالحهم دون إيذائهم، غير عابئين بالجانب الضعيف حتى ولو كان معه الحق، الأمر واضح لهم مثل وضوح الشمس هناك طرف قوي وغاشم لديه السلطة وكل شيء يقوم بالإضرار بمصالحهم وقوت يومهم بكافة الطرق الممكنة، وطرف آخر ضعيف يتم إيذاؤه والتنكيل به مرارًا وتكرارًا من جانب الطرف القوي، هم على الأقل لا يريدون التنكيل بهم وإيذاءهم مثل الطرف الأضعف إذ لم يستطيعوا الحفاظ على مصالحهم، لذلك فلا خيار أمامهم سوى الصمت ومحاولة إقناع أنفسهم بأن ما يفعله النظام ذو الطرف الأقوى هو الأصح لهم وللبلاد على كل الأحوال، ولكن أين معسكر الثورة والمعارضة من هذه المعادلة؟!
الطريق إلى الثورة
ليس أمام المعارضة سوى هذا الشعب وإلا عليها استيراد شعب آخر من الصين.
لن تنجح أي ثورة في مصر بدون شعب العيش، فهم القطاع العريض من الشعب المصري الذين يستطيعون حسم الأمور وما حدث في يوم جمعة الغضب ليس عنا ببعيد، وللأسف هم غير مسيسين ولا يشغل بالهم أي معارك سوى لقمة العيش، والنظام يعرف هذا جيدًا ويحاول إبقاءهم في صفه بكافة الطرق رغم قيامه بالإضرار بمصالحهم، مستغلًا عدم وعيهم بالأمور السياسية ونفور معسكر الثورة والمعارضة بعيدًا عنهم، تلك المعارضة التي بدلًا من أن تحتضنهم تقوم بالتقليل من شأنهم تارة عن طريق الشماتة في أحوالهم وتلاعب النظام بهم، وتارة أخرى عن طريق إهانتهم ونعتهم بشعب البطون، رغم حقيقة الوصف إلا أن الواقع هو ما يفرض علينا معطياته، وليس أمام المعارضة سوى هذا الشعب وإلا فعليها استيراد شعب آخر من الصين، تلك المعارضة المشتتة التي يستمتع كل طرف فيها بسب وتخوين الآخر، تلك المعارضة التي ليس لديها خطط أو رؤية واضحة للمواجهة، تلك المعارضة التي لا تستطيع التوحد على كلمة سواء من أجل مصلحة هذا الوطن، تلك المعارضة بالتأكيد سياساتها لا تختلف كثيرًا عن سياسة الطعمية.
The post سياسة «الطعمية» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست