الخميس، 4 مايو 2017

ثقفني اون لاين : أنا وتاريخ العدم

ذات مساءٍ، كنت مؤرقة أصغي إلي الليل الهائل أناجيه بأن صقيع الوحدة قد أبلغني الشعور بالعدم، كانت أمنيتي الوحيدة حينها أن أختفي!

ذكرني هذا الموقف الفريد بما حدث في نحو عام ٦٠٠ قبل الميلاد، حين أجاب رجال المنطق الإغريقي على سؤال طاليس، هل التفكير في العدم يجعل منه شيئًا؟!

فأجابوا: يوجد العدم فقط عندما لا يكون هناك ثمة أحد يتأمله!

كان طاليس على ثقة كبيرة بأنه ليس هناك عدم، إذ آمن بأنه لا يمكن لشيء أن يظهر من العدم، كما لا يمكن لشيء آخر أن يختفي إليه، أتساءل دومًا، ألم يساور طاليس شعوري القاسي هذا يومًا؟ ربما كان قد أحدث تغييرًا في قناعاته وفلسفاته.

لكنه للإنصاف لم يكن يقصد مجرد الشعور بالعدمية الذي قد يغتال أحدهم، لقد عمم هذا المبدأ ليشمل الكون كله؛ إذ قال إنه لا يمكن للكون أن يكون قد بزغ من العدم!

وكذلك أكد أرسطو من قبله على انتفاء وجود العدمية إذ رفع الأخير شعار «الطبيعة تمقت الخواء»، فإن أفرغتَ الكأس من الماء حل الهواء محله.

وظلت هذه النظرية قائمة حتى عام «٣٤١ – ٢٧٠ ق.م.» عندما رأى ديموقريطوس وليوكيبوس عكس ذلك، وبررا الأمر بأن الذرات لا بد لها من مساحة تسمح لها بالحركة؛ لأنها في حالة حركة دائمة، وأطلقا على هذه المساحة «فراغًا أو عدمًا».

أزعجت فكرة العدم المفكرين منذ فجر التاريخ، ودائمًا ما ناقشوا الأحجية في إطار قوانين المنطق، حتى ظهرت مادة البحث العلمي، لتختبر حقيقة ما نفكر به!

في القرن السابع عشر كانت الكنيسة في العصور الوسطى تُجرّم كل من يقول بأن الله قد يخلق شيئًا بلا فائدة كالعدم وتتهمه بالهرطقة!

ولكن جاليليو لم يتوانى عن إثبات تلك الفكرة بالتجربة للمرة الأولى؛ فاستغل أن الهواء الساخن يتصاعد لأعلى، ثم قام بوزن الوعاء قبل التسخين وبعده ليكتشف أن للهواء وزنًا!، قام أيضا بوزن بالون ممتلئ بالهواء، ثم وزنه ممتلئًا بالماء ليكتشف أيضًا أن الهواء أخف من الماء بنحو ٤٠٠ مرة.

ربما لم يستطع جاليليو أن يصنع فراغًا، لكنه كان ملهمًا لتلميذه تورشيللي، الذي قام بإجراء تجربة عامود الزئبق في عام ١٦٤٣، والتي ما زالت تُدرس في كتبنا المدرسية حتى الآن، ليثبت في النهاية وجود الفراغ!

بعد هذا بنحو ١١ عامًا قام العالم فون جوريك «باستعراض الفراغ»؛ حيث ألصق نصفي كرة برونزيين بعضهما ببعض، وأفرغ الهواء من بينهما من خلال نقطة علوية، ثم أمر بستة عشر حصانًا لجذب نصفي الكرة في اتجاهين متعاكسين، بحيث يتوفر ثمانية أحصنة لكل اتجاه وبعد جهود مضنية باءت النتيجة بالفشل!

ثم سمح للهواء بالتسرب إلى داخل نصفي الكرة لينفصلا ببساطة فائقة مما أفرغ أفواه الجمهور تعجبًا من هذا السحر العظيم!

الأمر لا يتعلق بسحرٍ أو غيره، ولكن ضغط الهواء على سطح نصفي الكرة من الخارج أكبر بكثير جدًا من فراغ الداخل، حتى إنه لم يستطع مقاومته ١٦ حصانًا فتيًا!

لكن ظل السؤال عالقًا في ذهني، هل الفراغ هو العدم؟!

ربما تكون إجابتي صادمة، لكن في الحقيقة إنهما لا يتطابقان تمامًا، العلم الحديث يؤكد استحالة الوصول لنقطة عدمية الزمان والمكان!

لم يكن أرسطو على خطأ تمامًا.

الذي دعا العلماء للقول باستحالة هذا الأمر هو طبيعة الذرة وما تحمله داخلها من نواة وإلكترونات. الذرة تشبه مجموعتنا الشمسية، النواة تشبه الشمس والإلكترونات تشبه الكواكب، بينهما عدد لا نهائي من الطاقات.

الذرة ليست خواء، إنها في حالة حركة دائمة لا تهدأ أبدًا!

دعونا نتأمل في السؤال الأعمق: ماذا لو أفرغنا الفضاء من الأجسام التي تدور في فلكه؟! هل سيُخلق عندها العدم؟!

ربما نسمع دائمًا عن نظرية الانفجار العظيم، الذي تؤكده حقيقة تمدد الكون الذي اكتشفها ادوين هابل عندما لاحظ ابتعاد المجرات والنجوم بعضها عن بعض!

ليبقى السؤال عالقًا، هل النجوم والذرات والمجرات الكبرى ذاتها هي التي تمدد، أم أن هناك ثمة فضاء منفصل يتمدد في ذاته؟!

طبقًا لقوانين نيوتن فإن غياب المادة يعني غياب قوة الجاذبية!

لكن أينشتاين رأى بأن الزمان والمكان يتمددان، وأن مفهوم المكان الفارغ مفهوم متناقض في حد ذاته، تخيل معي مكان فارغ، ألا يبدو هذا متناقضًا؟!

أوضحت نسبيته أن مجرد وجود جسم واحد في الفضاء السحيق كفيل بأن يخلق حوله مجالاً ينتشر في كافة الأرجاء، بل الأخطر من هذا أننا لا نحتاج إلى هذا الجسم لخلق الجاذبية، فالطاقة في كافة صورها يمكن أن تخلق حولها مساحات للجذب!

ألا يبدو هذا مرعبًا؟!

إن كل متر مكعب من الفضاء ممتلئ بالطاقة المظلمة بمقادير شديدة الضآلة، مما يمثل لغزًا كبيرًا حول طبيعة الفراغ!

ويبقى آخر ما توصلت إليه الفيزياء الحديثة أن الفراغ ما هو إلا حالة تكون فيها الطاقة عند أدنى قدر ممكن بحيث لا يمكن أن نزيل منها المزيد «الحالة القاعية».

يمكننا أن نزيل من الفضاء كل الأجرام السماوية وحتى الذرات الصغيرة، ونزيل قدرًا كبيرًا من الطاقة، إلا أن الأمر سينتهي بنا حتمًا بالوصول إلى الحالة القاعية!

لنكتب إذن بخط عريض «يختلف الفراغ عن العدم».

هل يمكن بعد كل هذا أن نقول بأن الكون ظهر من العدم؟!

إن كنا في حقيقة الأمر لا ندرك كنهه، بل إنا لا ندرك كم تبلغ أبعاده التي بلغت عشرة أبعاد طبقًا لنظرية الأوتار، يمكننا فقط أن نؤكد حقيقة وجوده، لكن لا يمكن الجزم بشيء، لا يمكننا الحكم على مصير الكون ما دمنا نختلف في طبيعة أبعاده، وما دمنا لا نعلم بعد، هل هناك وجود آخر خلف الكون الذي نعيش فيه أم لا؟!

ويبقى العلم في هذا النمط الأبدي يكشف عن إجابات لتساؤلاتنا، بينما يخلف وراءه مساحات عريضة من دهشة الأسئلة الأعمق والأكثر غموضًا.

The post أنا وتاريخ العدم appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست