من غير الممكن أن تمر وثيقة المبادئ والسياسات العامة التي أعلنتها حركة المقاومة الإسلامية حماس «شرف الأمة» مرور الكرام على الأمة الإسلامية عامة، وأبناء التيار خاصة، وهذا الجيل تحديدًا الجيل الذي ولد للقضية مذ عقد أبواه العزم على الزواج لينجبا ابنًا يحرر الأقصى، ثم تربى على ذلك حتى شب فتيًا ليرى إخوانه يتساقطون واحدًا تلو الآخر دفاعًا عن مبدأ أو نصرة لمظلوم أو انتصارًا لحق، فلا تراهم إلا في مواكب الشهداء إما مشيعًا أو محمولاً على خشبة الفخر والكرامة والنعيم الأبدي.
عندما قرأت بنود الوثيقة واستمعت لقيادات الحركة يشرحون ويستفيضون في تزيينها للسامعين والمتابعين من الحاضرين، تعجبت كثيرًا فهذه ليست لهجتهم ولا طريقتهم في إلقاء البيانات والخطب، ولا تلك نبراتهم ولا نظراتهم التي تحرضك على الجهاد وتبث في نفسك فضيلة الانتماء للقضية من الوهلة الأولى. لقد أدركت بلا شك أن هذه الوثيقة تحوي تغييرًا جوهريًّا عميقًا ترك أثرًا واضحًا على سمات القوم الظاهرة، ومثل هذه الأشياء تستحق الوقوف عندها وضبط الخطوات قليلاً مخافة السقوط في الهاوية.
إن قضية فلسطين لم تكن يومًا قاصرة على الفلسطينيين، ولا حكرًا على أبناء حماس وإن كانوا هم أول المعنيين بها، ولكنها القضية الكبرى للأمة وواسطة العقد، وبوصلة الجهاد بين الانتصار والاندثار.
قد تكون فعلًا الوثيقة كما ذكروا تطورًا طبيعيًّا للحركة وظاهرة صحية يُنصح الآخرون بالاقتداء بها، وإنجازًا غير مسبوق وبادرة خير، ولكن حين تقرأ الوثيقة تجد شيئًا آخر.
ولعل أكثر البنود فجاجة البند «20»، والذي توافق فيه الحركة على قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، ففيم المقاومة إذن؟!
إن قيام دولة على حدود 67 لا يعني إلا حل جميع الحركات الفلسطينية المقاومة؛ إذ لا مبرر لوجودها مهما تضمنت الوثيقة من بنود تجميلية أخرى تؤكد حمل السلاح، وشعارات النضال، ومناهضة المستعمر، فليس من المنطق الجمع بين السيادة والمقاومة في محل واحد لجهة واحدة، كما أن الاعتراف العالمي بدولة فلسطين لا بد وأن يقابله اعتراف فلسطيني بدولة الكيان الصهيوني، إن جاز التعبير والمجتمع الدولي يثق بدولة الكيان الصهيوني أكثر من ثقته بتلك الدولة الوليدة التي لم يكتب اسمها إلا على خرائط الرصاص والبارود.
إن القبول بقيام دولة على حدود 67 لا يفهم إلا أنه تخلٍ عن حدود ما قبل 67، وهو تقريبًا نفس الطرح الذي قدمه الرئيس المصري الراحل أنور السادات من أكثر من 40 عامًا على هامش اتفاقية العار «كامب ديفيد»، إلا أن هذه المرة الطرح مقدم من جهة حماس «شرف الأمة» بما لديها من مكانة في نفوس أبناء التيار خاصة، والأمة عامة، ولا يستطيع أحد أن تحدثه نفسه عن أحد منهم بشبهة خيانة، ولكنه سوء التقدير وانعدام الخيارات، وتربص الآخر بشتى صوره، إلا أننا ومع ذلك لا نستطيع أن نغض الطرف عن تمرير هذه الوثيقة أيًّا كان حاملها فهذا يعني أن تحاسبنا الأجيال السابقة عن التضحيات المبذولة والدماء المراقة والمكتسبات المهدرة، وتحاسبنا الأجيال اللاحقة على الأرض والعرض والمستقبل والشرف والكرامة والمكاسب المحتملة والحق الضائع.
لن أقف عند بنود الوثيقة واحدًا تلو الآخر، فمثل هذا البند «20» منفردًا يهدم الأساس الذي بنيت عليه الوثيقة، ويطعن في فلسفتها، ويجعلها مثار رفض واستهجان، ولا يُقابل المبررون لها من ضرورات الواقع وزمزمات الممكن إلا بعنف المبدأ وقوة الثابت وصلابة الأصل.
وأخيرًا أؤكد أن جهاد حماس «شرف الأمة» لا ينكره إلا جاحد ولا يبغضه إلا منافق، ولكن رغم كل شيء لا بد من وضع الأمور في نصابها، وتسمية الأشياء بمسمياتها، فالموافقة التامة بلادة، والاعتراض الدائم تنطع، وليست النصيحة معاداة بل مداواة، فالمراجعة المراجعة والعودة العودة قبل ألا ينفع العتاب، والتاريخ لا يرحم أحدًا، ولا يسامح مخطئًا، ولا يقبل المبررات.
The post إلى أين يذهبون بـشرف الأمة؟ «وثيقة حماس» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست