الثلاثاء، 2 مايو 2017

ثقفني اون لاين : السرديات التوراتية.. الجدار العازل للتاريخ

بغض النظر عن المسرحية الهزلية التي يحاول من يزعمون أنهم أبناء العم ترويجها عن وعد لنسل إبراهيم عليه السلام من إسحاق عليه السلام وليس إسماعيل عليه السلام بامتلاك الأرض الواقعة بين النيل والفرات، وتكرار الوعد ليعقوب عليه السلام إسرائيل بامتلاك نسله أرض كنعان (فلسطين)، ووعد الرب (يهوه) لموسي عليه السلام بإخراج قومه من مصر إلى الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا.

ولعلي أتوقف هنا لحظة لأستحضر ما ذكرته في مقالٍ سابق من مقولة تنتمي لأحد الأثريين والمتخصصين في الدراسات التوراتية (كيث وايتلام) أن إسرائيل القديمة مجرد خيط رفيع في نسيج التاريخ الفلسطيني الغني. ولكن دعني أغير مسار التصويب هذه المرة إلى أضعف جزء في الجدار العازل لتاريخ وهوية الأرض الذي يحاولون بناءه على مدى ما يقارب القرنين من الزمان.

ملحوظتان على الهامش

ملحوظة (1) : وهي متعلقة بالتركيبة السكانية لحضارات الشرق الأدنى القديم، ففي الدراسات الخاصة بتاريخ تلك الحضارات تذهب آراء، لها وجاهتها، أن منشأها كان نتيجة لهجرات صعدت شمال شبه الجزيرة العربية تزامنًا مع الهجرة لليمن جنوبًا بعد اشتداد الجفاف. واستمرت تلك الموجات، الموجة تلو الأخرى، تتوافد على منطقة الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وغرب الأردن) وتستقر فيه في القرن الخامس والثلاثين تقريبًا.

وتذهب التقديرات أنه في الربع الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد ظهرت في العراق دولة «الكلدانيين»، ووفقًا للرواية التوراتية فإن النبي إبراهيم كان من جنوب العراق من (أور) الكلدانية. والبعض من هؤلاء المهاجرين كونوا دويلات في سهول وسواحل سوريا ولبنان وعرفوا باسم (الفينيقيين)، وأسسوا دويلات «كنعانية» في سهول وسواحل فلسطين، وتسموا «كنعانيين» نسبة إلى أنهم استوطنوا أرض كنعان أو الأرض (الكانعة) أو المنخفضة.

ملحوظة (2): بخصوص «العبرانيين» أو «العبريين» ذهب بعض الباحثين أنهم من بعض موجات الهجرة اللاحقة التي انطلقت من شبه الجزيرة، وأنهم داروا حول ممالك الكلدانيين في جنوب ووسط وشمال العراق، واستقروا في صحراء الشام بين سهول سوريا غربًا والضفة الغربية لنهر الفرات، وكان من يعبر نهر الفرات متجهًا للغرب يسمى عبرانيًا. والمثير للدهشة أنه في وادي النيل تذكر الوثائق والكتابات المصرية أن المصريين أطلقوا كلمة (عابيرو) على سكان البادية، ومن خلال هذه الدلائل تذهب بعض الآراء أن الهكسوس من كانوا من العبرانيين الذين تمكنوا بعد فترة من الإغارات على وادي النيل – الغني بالمحاصيل والمواشي – أن يهزموا المصريين، ويؤسسوا ملكًا لهم في مصر حتى طردهم أحمس من مصر. كما ذكرتهم مصادر مسمارية بابلية بالـ(خابيرو).

أي أن الخريطة السياسية والديمواجرافية لبلاد الشرق الأدنى قديمًا وحتى العصر الحديدي، ما بين العام 1880 ق.م. حتى العام 1200 ق.م. تقريبًا، كانت تتمثل في حضارتي المركز وهما في العراق ومصر، ودويلات فينيقية وكنعانية في وديان وسواحل فلسطين ولبنان وسوريا. ومجموعة من القبائل البدوية أو العابيرو الذين كانوا يعيشون على تخوم تلك المناطق الحضرية.

أرض كنعان تحت الحكم المصري

في العام 2014، وضمن مسلسل تزييف التاريخ، صدر الفيلم الملحمي (الخروج: ملوك وآلهة Exodus: Gods and Kings) من إخراج وإنتاج مخرج الفيلم الملحمي الشهير (المصارع Gladiator) (ريدلي سكوت)، والفيلم يروي قصة خروج بني إسرائيل من مصر بقيادة موسى عليه السلام مع تعديل على الرواية الواردة في سفر الخروج لتكون أكثر إثارة، فكان فرعون الخروج (رمسيس الثاني).

والآن لنلقِ نظرة خاطفة على ما ذكرته المصادر الغنية التي تركها لنا المصريون القدماء بخصوص تاريخ تلك الفترة وتاريخ جيرانهم الكنعانيين والحيثيين في الشمال.   

* يذكر كاتب (سنوسرت الثالث) أنه في حملته لتأمين حدود مصر الشمالية من التحركات المريبة – تهديد رجح البعض أنه من قبائل «العابيرو» التي تمثل طلائع (الهكسوس) وذهب آخرون أنه من حكام المدن الكنعانية – حوالي عام 1880 ق.م. – فتقول السجلات: [اتجه جلالته نحو الشمال لقهر الآسيويين، فوصل إلى المنطقة الأجنبية المسماة (شكميم) فسقطت في يده] وهي التي نطلق عليها اليوم (نابلس)، والتي قد تكون (شكيم) الكنعانية المذكورة في التوراة.

* وبعد أن طرد (أحمس) الهكسوس من مصر، أدرك نابليون العالم القديم ومهندس الإمبراطورية المصرية (تحتمس الثالث) أنه لكي يؤمن حدود مصر الشمالية ويصنع لمصر مركزًا سياسيًا يضعها في الصدارة عليه أن يضم أراضي فلسطين وسوريا، وقد وجه (تحتمس) ثلاث حملات عسكرية إلى الأراضي الآسيوية، وكانت المصادر المصرية صورت الحملة الأولى بإسهاب، حيث كانت موجهة، فيما يبدو، إلى تحالف مدن كنعانية عام 1446 ق.م.، ويمكن معرفة المناطق التي خضعت للنفوذ المصري من القوائم الجغرافية التي يحصي إحداها 119 موقعًا في فلسطين وجنوب لبنان وسوريا حتى دمشق. وكانت الحملة الأخيرة ضد الحكام المتمردين في العام 1456 ق.م. تقريبًا ومنها غزة ويافا اللتان تحملان هذين الاسمين المصريين إلى وقتنا هذا.

* وهناك وثائق تل العمارنة من العام 1369 – 1353 ق.م. في عهد (إخناتون)، والذي كان قد اهتم بالديانات والروحانيات على حساب السياسة داخليًا وخارجيًا، ولكن شكلت تلك الرسائل مصدرًا هامًا جدًا في معرفة أوضاع العواصم الكنعانية المتفرقة، والعلاقات فيما بينها. ومنها وصل الباحثون إلى أن مراكز الحكم كانت موجودة أساسًا في سهول وسواحل فلسطين، بينما ذكرت نابلس والقدس فقط في الجبل الأوسط.

* وقد أُميط اللثام عن مكتشفات في غاية الأهمية ترجع لعهد (سيتي الأول) الذي حكم مصر فيما بين 1308 – 1290 ق.م. بعد أن تم إخفاؤها فترة طويلة. وتتمثل في شواهد قبور في (بيت شان) أو (بيسان) شرق جنين في فلسطين، و(تل شهاب) جنوب سوريا، و(حوران) شمال الأردن، و(صور) جنوب لبنان وتتضمن حملات الفرعون (سيتي الأول) إلى كنعان. وإذا أضفنا القوائم الجغرافية الخاصة بالمدن التي خضعت له في كنعان، ونقوشًا وكتابات زُيِّن بها معبد (آمون) بالكرنك، ونصبيْن تذكاريين عُثِر  عليهما في منطقة (الجليل) ذكرى لانتصاره على قبائل العابيرو الذين أغاروا على تلك الهضاب وعرضوا أمن سكانها المحليين للخطر، فإن تلك المجموعة من المصادر تشير إلى معلومات مثيرة جدًا حيث تعالت فيها أصداء غارات متفرقة للمرة الأولى من العابيرو والتي كانت بمثابة بشائر قدوم أسباط بني إسرائيل شمال فلسطين والتي ورد اسم أحدهم – سِبْط «أشير» – في قوائم (سيتي الثاني) حفيد (رمسيس الثاني).

* وبخصوص وريث (سيتي الأول) (رمسيس الثاني) فإن المصادر لم تُشِر سوى إلى الصراع المصري الحيثي الذي وصل إلى ذروته، حتى انتصار (رمسيس) في معركة (قادش) عام 1285 ق.م. والتي تفاخر كثيرًا بأنها أعظم انتصاراته، وعقده معاهدة سلام مع الحيثيين عام 1269 ق.م. وترسيم حدود معهم حتى شمال فلسطين.

* هناك أيضًا لوح (مرنبتاح) الحجري الذي يعود للعام 1220 ق.م.، الموجود في المتحف المصري بالقاهرة، وهذا الفرعون هو ابن (رمسيس الثاني) الذي قام بحملات ضد الآسيويين لتثبيت ملكه، وهو النص الوحيد الذي ذكر اسم إسرائيل خارج الروايات التوراتية. والواقع أنه يذكر هزيمة نكراء أوقعها الفرعون بكيان يدعى إسرائيل فيذكر النص (وأقفر يزريل، ولم يعد له بذور).  

استنتاجات مثيرة

(سنوسرت الثالث) كان أول من تنبه إلى النوايا العدوانية للقوى القابعة غرب الهلال الخصيب وأن الكابوس قد تحقق فيما بعد وقضى على الدولة الوسطى حتى أسس (أحمس) للدولة الحديثة بعد طرده لقبائل الهكسوس الذين كانوا ضمن الرعيل الأول للعبرانيين.

ويبدو أن تحالفات حكام المدن الكنعانية ضد (تحتمس الثالث) كانت العائق الأكبر أمام تمدد نفوذه، ولكن الدولة المصرية كانت في أقصى عنفوانها فقضت على هذا التحالف، وهو ما يؤكد في عدة مواضع من مصادر تلك الفترة على وجود دويلات ومدن كنعانية ولم يأتِ أي ذكر أو إشارة لاسم إسرائيل. 

المناطق الجبلية التي ذكرتها رسائل تل العمارنة في عهد (إخناتون)، القدس ونابلس إلى جانب النقب، كانت بالفعل منطقة تجوال العابيرو، أو من يُدَّعون أنهم الآباء، ولكن حتى وإن كان بنو إسرائيل من ضمن المتجولين وليسوا وحدهم المتجولين أو العبريين، فإن ما منعهم عمليًا من النزول إلى الوديان، فقط، هو الكثافة السكانية المرتفعة للمدن الكنعانية.

* ذكرت بعض النظريات أن (سيتي الأول) هو فرعون الخروج ووفقًا للتوراة التي كان (رمسيس) جزاءً من رواية النبي موسى فيها فهو فرعون الخروج، وهي ادعاءات خالية من الصحة فقد كان أول ذكر لأحد أسباط بني إسرائيل – أشير – في قوائم حفيده (سيتي الثاني) الجغرافية. كما أن ما تركه (رمسيس الثاني) لا يدل على ظواهر خارقة أو حدث هام يتضمن طرده لعبيد متمردين أو شيئًا من هذا القبيل، ولا يذكر سوى انتصاره في قادش ومعاهدة السلام.

كذلك من خلال ما تضمنه لوح (مرنبتاح) يمكن إثبات مغالطات الروايات التوراتية المتعلقة بمصر وفلسطين. فوفقًا لخبراء اللغة المصرية القديمة يُعبر النقش عن الاسم برسم لرجل وامرأة وثلاثة خطوط أسفلهم، وتعبر وفقًا للغة المصرية القديمة عن قوم أو قبيلة أكثر من تعبيرها عن دولة أو كيان سياسي أصغر، أي أنه يمكن الجزم بأن (مرنبتاح) ووالده ليسا فرعوني التوراة، وأنهم كانوا في وقت سابق أو لاحق من الخروج.

ومن ناحية أخرى قد يشير معنى (لم يعد له بذور) في سياق تسجيل خروج الفرعون على رأس حملة حربية إلى أن (مرنبتاح) قضى على تلك القبيلة قبل أن تشكل مملكة، مما يعني أن الاسم المذكور كان لقبيلة كنعانية لا علاقة لها من قريب أو من بعيد ببني يعقوب عليه السلام. وهو ما نجده في قوائم (سيتي الثاني)، حيث ورد اسم السّبط أشير، دون أي إشارة لإسرائيل بوصفها عِرقًا أو جماعة واحدة إثنيًا.

The post السرديات التوراتية.. الجدار العازل للتاريخ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست