في أحد الأيام جاء مريض إلى طبيب أنف وأذن وحنجرة يشكو من آلام في أذنه لا يستطيع التعامل معها، وعند الكشف عليه وجد عنده التهاب بالأذن الوسطى، فكان العلاج المطلوب له هو مضاد حيوي كبسولة يأخذها كل ست ساعات، ثم ذهب المريض وجاء بعد يومين يقول للطبيب إن الألم مازال كما هو، وأصر على أن يكشف الطبيب على أذنه، فما أن رأى أذنه حتى وجده يحشر الكبسولة في أذنه كل ست ساعات.
من المؤكد أنك الآن تضحك، ولكن هذا هو الواقع فعلًا: نحن حينما نتعامل مع القرآن نتعامل معه كما تعامل المريض مع الدواء، فنحن نعلم أنه هو الدواء الحقيقي فقد قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا. {الإسراء: 82}، ولكن نحن من نتعامل معه بطريقة خاطئة، وتبعًا لذلك فإننا لا نتغير به، فالقرآن – كما تعلمون – شفاء لما في الصدور، أي شفاء من الغل والحقد والكراهية والحسد والكبر والتذلل لغير الله، ومع ذلك نجد كل هذه الصفات منتشرة في المجتمع، مع أننا نقرأ القرآن، وبعضنا يحفظ القرآن، ولكن قلوبنا مليئة بالسواد، فلماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ. {يونس: 57}، فهو شفاء للمؤمنين الذين يتدبرون القرآن، الذين يفهمون القرآن، الذين يعملون بالقرآن، ليس الذين يحفظون القرآن فقط، ولذلك فأنا أتحدى أي إنسان مسلم أو غير مسلم أن يأتي لي باسم كتاب واحد في العالم يُقرأ بدون فهم غير القرآن، فهذا هو ما فعلناه نحن بالقرآن الكريم جعلناه يُقرأ بدون فهم، ثم نأتي لله سبحانه وتعالى يوم القيامة ونقول له كنا نقرأ كتاب جلالتك بدون فهم ونكون كمن قال فيهم الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. {الأنعام: 91}.
لتتخيل معي عند عودتك إلى منزلك وجدت أسرة لاجئة تجلس في العراء كما لو كانوا هاربين من الظلم مثلما يحدث في سوريا والعراق، فإذا كنت كريمًا ستجعلهم يبيتون معك لليلة، وفي اليوم التالي يرحلون، وإذا كنت أكرم من ذلك ستجعلهم ماكثين عندك حتى تُحل مشكلتهم، ولكن هل هناك من هو كريم حتى يجعله يمكث عنده إلى الأبد، وأنا متأكد أن البعض يقول: هل هناك من سيفعل ذلك أصلًا؟ ولكن حقيقةً هناك شعب كامل قد فعل ذلك، شعب يسمى: المهاجرون، الذين هاجروا من مكة، وشعب الأنصار الذين استقبلوهم وقاسموهم في كل ما يملكون، وفتحوا لهم بيوتهم إلى الأبد، والدليل على ذلك أنه بعد خمس سنوات تقريبًا بعد غزوة بني النضير، عندما ظهر المال لأول مرة في المجتمع المسلم، وأراد المهاجرون أن يخرجوا، ويتخذ كل منهم بيتًا، ويتركون الأنصار في بيوتهم مرتاحين.
ولكن ماذا كان رد فعل الأنصار؟ بكوا وقالوا: لماذا تريدون أن تتركونا هل قصرنا معكم في شيء، والمهاجرون يقولون: لا والله ما قصرتم، ولكن أتعلمون أن الأنصار عندما استقبلوا المهاجرين لم يكونوا قد رأوا سيدنا محمد ﷺ، وعندما جاء من الهجرة – ومعه صاحبه أبو بكر – كانوا يقولون: من منهما محمدا؟ فلماذا استقبلوا المهاجرون بهذه الطريقة ولم يكونوا يعرفون رسول الله ﷺ حتى، ولم يقص عليهم أحد سيرته ﷺ ولا سمعه أحد ولا رآه، ومع ذلك كان إيمانهم أقوى من إيماننا آلاف المرات فما الذي كان لدى الأنصار وليس لدينا، وجعل إيمانهم بهذه الطريقة؟ شيء واحد، وهو القرآن الكريم، ستقول: أليس الذي عندنا هو نفس القرآن؟ أقول طبعًا هو نفس القرآن، ولكن نحن لدينا كلمات القرآن، وهم كان لديهم في قلوبهم حقيقة القرآن، لأن الطريقة التي كانوا يتعاملون بها مع القرآن تختلف عن الطريقة التي نتعامل بها مع القرآن ليس هناك غير ذلك.
عند سؤال أحد الشباب من منكم يحفظ سورة البقرة؟ ستجد الكثير يحفظون سورة البقرة، ثم تسأل عن الوقت الذي استغرقه في الحفظ فيقول أحدهم: ثلاثة شهور، والآخر شهر، والآخر أسبوعين، وأقسم أن هنالك أحد الشباب الذين أراهم على يوتيوب حفظ سورة البقرة كاملةً في ثلاثة أيامٍ فقط!
أحب أن أقول لهم ليت عبد الله بن عمر كان حيًا حتى يقابلهم ويعلموه كيف يحفظ القرآن الكريم فقد حفظ القرآن الكريم في ثماني سنوات، وأنا لا أتكلم عن أي صحابي، أنا أتكلم عن أحد العبادلة الأربعة، وهم من أعظم الصحابة في علوم القرآن، فلماذا استغرق كل هذا الوقت في الحفظ، رد عثمان بن عفان – رضي الله عنه – على ذلك قائلًا: كنا نتعلم مع رسول الله ﷺ العشر آيات من القرآن لا نتجاوزها حتى نتعلم ما فيها من علم وعمل فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، يعني أنهم تعلموا ما في القرآن من تلاوة وفهم وتدبر وتطبيق فكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون منهج، اقرأ، افهم، تدبر، طبق، احفظ. أما نحن الآن فنتبع منهج احفظ، احفظ، احفظ، احفظ، احفظ، وهو نظام أفضل من نظام الصحابة في شيء واحد فقط وهو الحفظ بسرعة فقط، لكن لا يغيرنا لكن نظام الصحابة كان يغيرهم فهم كانوا أشخاصًا غير ما كانوا عليه بعد الإسلام فقد كانوا كفارًا، مثلًا: أبو ذر الغفاري كان قاطع طريق، هذا الرجل صار فيما بعد إنسان يقول عنه الرسول ﷺ: لو أظلت الغبراء (السماء) ولو أقلَّت الخضراء (الأرض) ما أظلت الغبراء ولا أقلت الخضراء من هو أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري، هذا كان قاطع طريق، فما الذي جعله هكذا؟ القرآن.
مثال آخر سيدنا عمر بن الخطاب من المؤكد أن الكل يعرفه لم يكن قبل الإسلام كافر عادي، لقد كان صاحب فكرة أن كل أسرة من أسر قريش تعذب أولادها المسلمين بنفسها؛ حتى لا تتقاتل العائلات فيما بينها، وهو الذي بادر بالذهاب لقتل سيدنا محمد ﷺ؛ فأخذ السيف وذهب ليقتله ثم حدث ما حدث، وذهب لأخته فاطمة بنت الخطاب وتعرفون أنه ضربها وضرب زوجها وطلب أن يقرأ القرآن فقالت له أخته أن يتوضأ فتوضأ ثم قرأ قوله تعالى: طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (3) تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَىٰ (4) الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ استوىٰ (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (6) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ (9) إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14). {طه: 1-14}. فقال عمر دلوني على محمد ﷺ، ثم ذهب وأعلن إسلامه، فما الذي جعله يفعل ذلك؟ أمجرد القراءة جعلته يعلن إسلامه؟
لا والله، ولكنه فهم وتدبَّر الآيات مما جعله يدرك أن ذلك ليس بكلام بشر، فهو لم يكن يقرأ مثلنا؛ نحن نقرأ بسرعة لكي نحفظ حتى عندما تسأل أحد الرجال أو النساء الصالحين: ماذا تريد أن يكون ابنك؟ تكون الإجابة: أريد أن يصبح ابني حافظًا القرآن، وأتحدى أي شخص أن يسأل وتكون الإجابة: أريد أن يصبح ابني متدبرًا للقرآن، أو فاهمًا للقرآن، أو عاملًا بما في القرآن، هذا هو منتهى الأمل لديهم أن يكون ابنهم حافظًا للقرآن، فلم هذا الأمل والطموح الضئيل جدًا!
ولكن اطمح لأن يكون ابنك حيًّا بالقرآن يفهمه ويتدبره ويعمل به، فعندما سُئلت السيدة عائشة عن الرسول ﷺ لم تقل كان حافظًا للقرآن، ولكن قالت: كان قرآنًا يمشي على الأرض، فالطريقة التي نتعامل بها مع القرآن دفعت الرسول ﷺ أن يشكونا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا. {الفرقان: 30}، لم يقل هجروا القرآن فنحن لم نهجره، فهنالك الكثير ممن يقرأون القرآن، ومنا من يحفظ القرآن، وننشئ مسابقات كثيرة في الحفظ، وفخورين جدًا أن نسأل أحد الأطفال عن آية فيذكر رقمها، وفي أية سورة، وفي أي مكان في الصفحة.
ومسابقات المزمار الذهبي وأجمل صوت، لقد وصلت الدرجة عند بعض الناس أن القرآن الآن لم يعد يسمى عندهم قرآنًا؛ فنركب السيارة، ماذا تسمع؟ أسمع مشاري، ليه مشاري ما تسمع العجمي، خلاص ماشي أسمع العجمي، طب تسمع إيه للعجمي، لا مش مهم أي حاجة، المهم العجمي، وهذا ليس افتراءً، بل هو يحدث فعلًا، هذه كارثة حقيقةً، فأهم كتابٍ في العالم هو كتاب المسلمين القرآن الكريم، ونحن جعلناه الكتاب الوحيد الذي يُقرأ بدون فهم، فقد تعهد الله لنا بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. {الحجر: 9}، وترك لنا التدبر والفهم في قوله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. {ص: 29}.
أما نحن فقد فعلنا عكس ذلك تمامًا فقد أخذنا على عاتقنا الحفظ وتركنا التدبر والفهم، وأنا لا أقلل أبدًا من قيمة الحفظ بل على العكس تمامًا، الحفظ مهم جدًا، ولكن لماذا نحفظ أي شيء؟ نحفظ أي شيء لنتعلم منه ثم نطبقه، فعند سؤال أحد الأشخاص عن الطريق مثلًا تصفه له فيحفظه لكي يتبعه، ومن المؤكد أنه لن يحفظه بدون سبب، فإن لم نطبق ما في القرآن فلماذا نحفظه؟ أنا لا أعترض على الحفظ بل أعترض على طريقة الحفظ فلماذا لا نتبع منهج الرسول ﷺ الذي علمه للصحابة الكرام بحيث يكون الحفظ نتيجة طبيعية للتدبر والفهم والتطبيق، فالله سبحانه وتعالى – وفي أكثر من موضع في القرآن الكريم – ذكر التدبر فقد قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. {النساء: 82}، وقال: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا. {محمد: 24}، وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ. {المؤمنون: 68}، وقال: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. {ص: 29}، ولم يطلب في أي موضع أن نحفظ القرآن؛ لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يكون الحفظ نتيجة طبيعية للتدبر والفهم ومن المؤكد أنني لا أقلل من قيمة الحافظين للقرآن، فهم لهم مكانة عظيمة يوم القيامة يوم يُقال لحافظ القرآن اقرأ ورتل وارق واصعد كما كنت تفعل في الدنيا، ولكن الحفظ بتدبر، وليس الحفظ الأعمى.
أما الآن فالسؤال هو كـيـف نـتـدبـر الـقـرآن؟
كلمة التدبر مشتقة من الدبر، والدبر هو ما يأتي عقب الشيء، فالتدبر يأتي عقب القراءة والفهم، فالمرحلة الأولى هي القراءة الصحيحة، ثم الفهم من قراءة التفاسير، ثم التدبر يأتي وعن طريق تجربة من خلال فعلين الأول أن تتصور القرآن فنيًا أي أن تتخيل القرآن يحدث فعلًا، والثاني هو أن تضع نفسك داخل الآية، فكل آية تكون محملة بكم هائل من الرسائل إلى قلب الإنسان، ولكن ما علينا هو أن نفتح قلوبنا ونبحث عن هذه الرسالة، مثلًا قوله تعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. {الحشر: 21}، فالتفسير يقول: إن الله إذا أنزل هذا القرآن على جبل مع صلابته، سنراه متذللًا متشققًا من شدة خشية الله لما في القرآن من المواعظ الزاجرة والوعيد الشديد، ولكن التدبر يجعلك تفكر إذا فعل القرآن هذا بالجبل، فكيف ولماذا نحن لا نتأثر؟ لأننا نتعامل معه بطريقة خاطئة هذا القرآن الموجود في كل مكان حولنا يذلل ويشقق الجبال ونحن لا نتأثر.
مثال آخر في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. {آل عمران: 26}، فمن وجهه نظر إنسان متدبر وليس مفسرًا أسألك سؤالًا: أليس من مميزات القرآن الإيجاز؟ فالقرآن فيه أقل عدد من الآيات وأكثر عدد من العبر، فلماذا لم يقل تعالى: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك وتعز من تشاء وتنزع الملك وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير؟ فعند التدبر والتفكر في الآية نجد أن الله فصل موضع إتيان الملك ونزعه عن موضع العز والذل؛ لأنه من الممكن أن يُؤتى أحد الملك ويذل، ويُنزع الملك من أحد ويعز.
مثال آخر قوله تعالى: لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ. {النور: 29}، التفسير يقول أنه ليس علينا حرج أن ندخل بيوتًا عامة لا تختص بأحد أُعِدَّت للانتفاع العام كالمكتبات والحوانيت والأسواق، ولكن عند التدبر نسأل أنفسنا لماذا أنهى الله الآية بـــــــــــ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ. هنا يجب التصور الفني للقرآن، فتخيلوا معي رجلًا يأتي أمام كل محل ويقف وينتظر ويأبى أن يدخل، إلا بعد أن يخرج مدير المكان له ويدعوه إلى الداخل، فماذا يفعل هذا الرجل؟ هذا الرجل يدَّعي ويتصنع التقوى، وهو في الأغلب ليس تقيًا فيحذر الله في نهاية الآية من تصنع التقوى فالله يعلم ما نخفيه وما نبديه، هذا هو التدبر غير مقيد بأصول كالتفسير ولا نأخذ منه الأحكام، ولكن نأخذ العبر والنصائح والفوائد، فمن ناحية التفسير يحل لنا أن ندخل الأماكن العامة بدون استئذان، ومن الناحية القلبية التدبرية تحذرنا من تصنع التقوى ونحن مُحاطون بالكثير والكثير من التقوى المصطنعة.
فالتدبر يتعامل مع قلب الإنسان، فقد تقرأ آية تبكيك، آية تفرحك، آية تُنزل عليك السكينة، آية تطمأنك وتريحك، فمعنى ذلك أن تلك الآية بدأت تتعامل مع قلبك وتشحن روحك بالإيمان، فإن حدث هذا لديك مع آية معينة لا تتركها ولكن أعد تكرارها لأنه ما إن تتعامل هذه الآية مع قلبك فلن تتعامل هكذا مرة أُخرى، فكل آية يجب أن تأخذ حقها من التأمل والتدبر والتفكُّر لمعرفة ما بها من رسائل ومعاني وتغيير لأنفسنا، وشفاء ما في صدورنا، وإعلاء لقيمنا، وازدياد لإيماننا، ومن ضمن المشاكل التي تمنعنا من التدبر هي الرغبة في إنجاز قراءة وحفظ أكبر عدد من الآيات، فلماذا بدلًا من أن تكمل القراءة أن تعيد تكرار تلك الآية التي تعاملت مع قلبك؟، فالرسول ﷺ في أحد الأيام ظل ليلة كاملة لا يقرأ إلا آية واحدة، لماذا؟ لأنها كانت تحرك مشاعره وتتعامل مع قلبه فكان يقرأها ويبكي وإيمانه يزيد.
والآن هذا هو مفتاح التغيير والرد على سؤال لماذا لا نتغير بالقرآن؟
فنحن نقرأ القرآن بدون تدبر وبسرعة، لماذا؟ لكي نحفظ، وعند الانتهاء من حفظ السورة نقرأها بسرعة، لماذا؟ لكي نراجع على الحفظ، ونظل على ذلك المنوال طيلة حياتنا نقرأ القرآن بسرعة، دون أن نفهم أو نتدبر وبالتالي لن نتغير، لكن صدقوني لو بدأ كل منا بنفسه، وبدأ بتصحيح أخطائه، ولوم نفسه، والتقرب إلى الله، والتوبة من المعاصي لأصبحنا في جنة على الأرض؛ لأننا حينها سنصبح على صلة بالآخرة، على صلة بالجنة، أما الآن فلا يسعني إلا أن أدعو الله بأنني غيرت ولو شعورًا واحدًا في نفس أي شخص يقرأ، وأنصحك بأن أي خطوة قررت أن تفعلها في حياتك، ابدأ بها الآن ولا تؤجلها، ابدأ حتى لو قرأت كل يوم آية واحدة فقط، ولكن بتدبر، حينها صدقني سترى التغيير الملحوظ في تصرفاتك وحياتك ومشاعرك فقط لأن الله سيكون راضيًا عنك.
The post لمـــــاذا لا نتغيــــــــــر بالــــقـــــرآن الكريم؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست