أطلق لخيالك العنان، فلاش باك عبر الزمن حتى تصل للعام (١٠٩٥ م)؛ أنت الآن ضمن الحشود التي تقف وتستمع لكلمات البابا (أوربان الثاني) بابا روما الحماسية في (كليرمون) في فرنسا، البابا يتحدث عن آلام المسيح، وقبره الذي يحاول المسلمين الكفار أعداء الله والمسيح في أورشليم نبشه، وأن المسلمين الكفار يعبثون بالذخائر المقدسة الخاصة بالبطاركة والقديسين، وهو ما سمعناه كثيرًا من مفتي جماعات الإسلام السياسي سواء البراغماتية – الإخوان المسلمون – أو المحافظة والجهادية – السلفية – على مدى السنين الخمس الأخيرة حول وجوب خوض حرب مقدسة والجهاد لنصرة الدين.
وبما أنك أحد العامة الأوروبيين وتعاني كما – يعانون – الجوع والمرض والفقر والجهل واستعباد الأمراء؛ صِف لي ما ينتابك من شعور وأفكار حين تسمع تلك الكلمات الملتهبة عن حماية الدين، ووصف البابا لأراضي الشرق كما وردت في الكتاب المقدس أنها الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا!؟
وبالرغم من أن الحملات الصليبية قد مُنيت بالهزيمة، إلا أنها صُورت من قبل وسائل الإعلام، والقوي الناعمة في المجتمعات الغربية على أنها ملحمة أسطورية نبيلة؛ مما جعل الباحثين والدارسين والساسة، بل عامة الشعوب يتغنون بها حتى الآن.
ولكي تتم عملية استحضارك وتقمصك لشخصية أحد العوام الذين من المحتمل أن يشارك في الحملات، دعني أشرح لك أبعاد وأوضاع المجتمع الذي من المفترض أنك تعيش فيه قبل هزيمة بيزنطة في معركة (ملاذكرد) (١٠٧١ م) على يد الأتراك السلاچقة، تلك القشة التي قصمت ظهر البعير، وأطلقت الطاعون الذي أوقف النمو الحضاري لبلاد الشرق الأوسط العربي.
صكوك الغفران والحج المسلح
كانت معدلات توافد الحجاج علي أرض فلسطين ضعيفة إن لم تكن معدومة في عهد الرومان، إذ إن القدس نفسها قد دُمرت على يد القائد الروماني – تايتوس – في العام (٧٠ م) فيما عرف بالدياسبورا أو الشتات في العقيدة اليهودية، ولكن بعد أن أعاد الإمبراطور – هادريان – بناءها من جديد، وتم اكتشاف الكهف الذي ولد فيه السيد المسيح في بيت لحم تحركت رحلات الحج متوجهة إليها للتبرك.
وعلى الرغم من أن الحج ليس فريضة في الديانة المسيحية، إلا أن الجذب العاطفي للأرض التي شهدت مولد وحياة المسيح كفيلة بتحريك عاطفة جموع مسيحيي أوروبا الذي يتعلقون بأهداب الدين للاحتماء من بطش الطبيعة ومجاعاتها وأوبئتها، والاستبداد الفكري الكهنوتي للكنيسة، وسياسات العزل داخل القرى من جانب الأمراء والنبلاء.
ونظرًا للتقسيم الاجتماعي الإقطاعي، والمناخ الاقتصادي الملبد بالغيوم دون خيط واحد للضوء، والتربة الفكرية المُجرفة، فإن ما كان يدور في الأذهان، هو اقتراب القيامة بعد مرور ألف عام على صلب المسيح، وكانت هناك ظواهر طبيعية وفلكية فسرها البعض أنها علامات الساعة، لذلك إرتفعت معدلات رحلات الحج في القرن الحادي عشر الميلادي، وأيضًا استخدام النغمة الأخروية والألفية بإسهاب في الكتابات الأوروبية آنذاك.
والواقع أن تأثر العامة بتلك النغمة أتاح للأمراء الوقت والمورد البشري لتمويل الحملات النظامية التي خرجت بعد حملة العامة، والتي لم تصمد في أولى معركة لها مع السلاچقة المسلمين، كذلك ساعدت ظاهرة تسليح الحجاج الحملات النظامية.
وتسليح الحجاج كان من ضمن فكرة الكنيسة للحصول على موارد إضافية للباباوات والكهنة، وعن طريق منح الغفران من الخطايا الكبرى استقطبت اهتمام الأمراء والنبلاء، فمنهم من شارك في الحملات، ومنهم من جاد بالتمويل المالي فقط. وبالنسبة لمن لايملكون المال، فالحج إلى الأرض المقدسة لطلب الغفران هناك في رحلة مليئة بالمشاق – تفي بالغرض – وكلما زادت المشاق كان الغفران أعظم.
والعجيب أن الفكرة لم ترتبط بالحملات العسكرية على الشرق فقط، بل تطورت لتصبح صكوكًا تباع وتشترى بالمال، وعرفت بصكوك الغفران التي استخدمتها الكنيسة في الحشد ضد من يشق عصا الطاعة من الملوك أو الأمراء، واستخدمت فيما بعد أيضًا لطرد المسلمين من الأندل، أو لتنصيرها، لأن وجود المسلمين في الأندلس تهديد للعمق الأوروبي، وهو ما ثار ضده مارتن لوثر في القرون التي تلتها.
وقد زادت عملية التضييق علي الحجاج من جانب السلطات الإسلامية، التي كانت في يد السلاچقة بعد طرد الفاطميين من فلسطين منذ (١٠٧١ م)، نظرًا لما يثيرونه من شغب للحصول علي رحلة محفوفة بالأهوال، ونظرًا لأن التقشف الذي كانوا يتبعونه علي مذهب الحوارييون جعل من تلك الرحلات موردًا هزيلًا قياسًا بالموارد الأسطورية للدولة العباسية آنذاك. وهو ما استغله البابا في روما وملوك وأمراء أوروبا الاستغلال الأمثل.
مفاهيم ملتبسة
قد يختلط عليك الأمر بعد ما ذكرته في عرضي لتطور فكرة الحج المسلح وصكوك الغفران فتعتقد أن الدافع كان دينيًا أكثر منه اقتصادي، وأن الصراع أيديولوچي أكثر منه صراع على موارد القوة، ولكن العكس هو الصحيح. فالدافع الاقتصادي كان المحرك، وتم توظيف الأيديولوچية كوقود لهذا المحرك. فإذا وضعنا الحجاج جانبًا، نجد أن الأمراء والنبلاء وحتى الفلاحين استقروا في الشرق بعد أن أسسوا مملكة أورشليم وإمارات صليبية، وازدهرت التجارة بين تلك الإمارات وبين العرب والمسلمين في فترات السلام، أو بمعنى أدق أوقات الهدنة. كذلك اندمج العنصر الأوروبي مع الحضارة العربية فشكل الأوروبيين نظامًا إداريًا على الطراز الإسلامي ونظام اقتصادي اقطاعي علي النسق الأوروبي، وحصلت الكنيسة من وراء صكوك الغفران على إقطاعات وسيولة نقدية ضخمة إلى جانب امتيازات ونفوذ سياسي قوي.
ولكن كان العرب المسلمين لا يزالون يحتفظون ببقايا قوة عسكرية وخبرة حربية، وموارد اقتصادية كبيرة بسبب الاتساع الجغرافي بالرغم الانقسامات السياسية، إضافة إلى عقل مستنير، فتمكنوا من مقاومة وطرد الصليبيين.
ومهما بلغت تلك البلاد من قوة، إلا أن قرون من الصراع والحرب أنهكتها، وجرفت التربة الفكرية، الأمر الذي يضع أي بلد علي منحدر الاضمحلال. فالصليبيون قضوا على مظاهر التراث الفكري لبلاد الشام ونقلوا بقيته معهم إلى أوروبا، وقضى المغول على التراث الفكري لبغداد ودمشق الذي كان يمثل أرقى ما وصل إليه الفكر البشري، وتلت تلك الكوارث طامة كبري أججت الركود العقلي والفكري وتمثلت في استعمار عثماني للوطن العربي، تمت شرعنته هو الآخر بخطاب ديني تحت شعار الخلافة العثمانية.
مملكة السماء.. حلقة وصل بين رجال الدين والساسة
من نفس منطلق الحرب المقدسة، وعلى الرغم من العداء الرهيب علي المستوى العقائدي بين اليهود والمسيحيين، إلا أن المصالح الاقتصادية والأطماع السياسية مشتركة. فاليهود كانوا يبحثون عن أرض يقيمون عليها دولة كتلك التي أقاموها في باكورة الألف الأول قبل الميلاد ، والغرب المسيحي – الذي أصبحت الولايات المتحدة الشابة مركزه ووصيفتها القارة العجوز – يريد قاعدة ثابتة تنتمي له في تلك البقعة الغنية بالنفط والموارد، وحلقة الوصل بين الشرق والغرب.
وبنفس الخطاب المتمركز حول الذات الإلهية، ولكن وفقًا لتطور وسائل التعبير منذ عصر النهضة، ادعت الحركة الصهيونية أن لها حق تاريخي في أرض فلسطين وعملت علي تحقيق ما زُعم أنه عودة بعد ألفي عام من الشتات، والذي كان اختبارًا من الرب لشعبه المختار ليس إلا.
ومن جانب الغرب وتحركاته الرسمية صدر تصريح من وزير خارجية بريطانيا آرثر چيمس بلفور للمنظمة الصهيونية، في عشرينات القرن الماضي، وبدأت الهجرة المنظمة بعد وضع فلسطين تحت الانتداب، وارتُكبت المجازر في حق مسلمي ومسيحيي فلسطين على السواء، وكان أولها مجزرة دير ياسين غرب القدس أبريل (نيسان) ١٩٤٨. وفي المرحلة الثانية، وبعد سطوع نجم واشنطن، تتعامل الولايات المتحدة، ولا تزال، مع إسرائيل أنها مسألة وجودية لها، وكانت أولى الإشارات أسرع اعتراف بقيام دولة في التاريخ بإمضاء هاري ترومان.
والأمر لا يختلف كثيرًا بين ما يفعله الساسة الغربيون الآن، وما فعله رجال الكنيسة منذ ما يربو عن ألف عام. فقد استخدم چورچ بوش مصطلح الحرب الصليبية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) ٢٠٠١ لاجتياح العراق الغني بالنفط، كما نلحظ استخدام اللحن الأخروي ونهاية العالم في أعمال الأدب والفن والسينما والمؤلفات ووسائل الإعلام بعد مرور ألف عام أخرى علي صلب المسيح ، إضافة إلي الظواهر الطبيعية والفلكية التي نشهدها من ذوبان لجليد القطبين وكثرة النيازك والتغيرات المناخية وموجات تسونامي وإنتشار الصراعات المسلحة .
والآن وبعد الإختصار الشديد في معالجة فكرة مملكة السماء ، والخطاب الديني ، والحشد العاطفي لتحقيق المطامع وإشباع الحاجات ؛ دعني أطرح عليك نفس التساؤل مجدداً ؛ هل تخيلت نفسك الآن ضمن حشود كليرمون في فرنسا تستمع للبابا في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي ..؟ وهل أحسست فخر أحد المهاجرين اليهود ينتمي لمنظمة الهاجاناه وهو يريق دم العرب (الغير يهود) بدم بارد في “دير ياسين” في أربعينيات القرن الماضي .. أو أحد مستوطني الضفة الغربية من اليهود المتطرفين قد لايتعدي عمره العشرين عاماً يجول في شوارع القدس العتيقة يبحث عن عربي للتنكيل به ..؟
وأخيراً ، إذا وصلت لتلك الحالة الذهنية وأدركت مايجول في أذهان هؤلاء .. هل يمكنك أن تدرك مايجول في ذهن شاب عربي مسلم يرتدي حزاماً ناسفاً ك”صك للغفران” طلباً للنجاة وهرباً من الواقع الأسود في بلاده ..؟ هل أدركت مانحن فيه ..؟
The post من صكوك الغفران للحزام الناسف .. ألف عام من الاستهداف appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست