كلّما أمسكت القلم بين يدي أو فتحت الحاسوب ووضعت أناملي على لوحة المفاتيح .. أتوقف لبرهة .. أُسقط القلم أو أغلق صفحة الوورد وأهرب. ممن؟ ربما الهروب من ذاكرة قاسية أو هروب من استحضار لحظات ذهول لا أريد استرجعها بالكتابة عنها. ولا متنفس لي غير الكتابة في لحظات مماثلة فأنا كاتبة المناسبات .. كاتبة المراثي .. مراثي نفسي المتهاوية.
قيل لي: لا تخلي فكرة الكتابة تخنقك. تحرري منها، ولكن حاولي أن تكون متنفسك.. وليس واجبًا. ما قيل لي صحيح. إنّ التحرر من فكرة الكتابة يُشعرني بالراحة رغم هول المشهد الذي سأنقله لكم الآن. ولأن الكتابة متنفس تأخرت في كتابة هذا النص خمسة أشهر .. لم أجد بُدّا للكتابة طيلة الفترة الماضية.. لا معنى لما أكتب إن كان واجبًا مضنيًا .. سيخرج نصًا ركيكًا فاقدًا لروح كاتبه.
وطّنت الفقد وآلامه .. خزنت المشاهد المشهد تلو الآخر في أروقة ذاكرة مثقلة. حملته بين يدي .. ما يزال جسده حارّا .. حملته أمّي معي وأبي وخالي الأصغر .. مغمضًا عينيه .. التصق رأسه بصدري .. انحنت أمي حافية القدمين والتصق ظهرها بظهره ليقع جسمه عليها. وليقع المشهد على قلبي كجبل هامد لا تزحزحه الذاكرة.
مشهد أصاب الذاكرة بشلل. توقف الزمن في تلك اللحظة. توقف ولا أدري إن توقف معه عقلي .. تلك الليلة الحالكة من ليالي سبتمبر الساخنة قبل ثلاثة أيام من عيد الأضحى. انتصف الليل. كنا بانتظاره .. توقفت السيارة عند مدخل البيت. سألنا ولا أتذكر من بادر بالسؤال ربما أختي أمي أنا .. لا أتذكر .. سألنا: ما الذي يحدث؟ أهو بخير؟ ممددًا على المقعد الخلفي للسيارة مغطّى بلحاف أخضر .. ابن خالتي بجانبه أو فوقه .. لا أذكر .. تسأله أمي .. شبيه عزيزك .. أي ما به جدك؟ لا يجيب .. يبكي ولا يجيب .. انعقد لسانه .. وبقي منعقدًا كذلك لأيام.
مغمضًا عينيه في سكون. أجاب خالي الأكبر أنه بخير .. بخير .. بخير .. بكاء ابن خالتي متواصل .. ينزلونه من فوقه .. لم يجد قوة تحمله .. يسقط أرضًا .. لم أعرف من نحمل في تلك اللحظة .. أنحمل من سقط أرضًا أو من تمدد في سكون مهيب داخل السيارة.
فهمنا أن لا شيء بخير .. أذهلني صمود خالي الأكبر .. كان يردد كلمات لم أفهمها .. أو ربما لم أسمعها حتى أقدر على فهمها .. أو ربما سمعتها وفهمتها، ولكني أتعمد محوها من ذاكرتي. تأملته وهو ممدد بغطائه الأخضر في المقعد الخلفي للسيارة.
بكيت .. فقدت القدرة على الوقوف ولكن الوقوف مستمر. لم تخذلني ركبتاي كما خذلت ابن خالتي. صمتت كل الأصوات والكل يبكي و نشيج البكاء في عقلي لا يتوقف. أرى من حولي، ولكن لا أراهم. أراني وأراه بغطائه الأخضر. سمعت نداء بأن احملوه من السيارة .. تراجع الكل .. تقدمت وتوقفت دموعي .. أمي تهذي أمامي .. كيف يمكن للمرأ استجماع نفسه المتلاشية في لحظة فقدان وانكسار؟
مع ذلك استجمعت نفسي وحملته. رأسه ملتصقا بصدري وجسمه الحار بين ذراعيّ. أمي منحنية الظهر متزنة تحمله معي .. لا أعلم من أين أتت بكل ذاك الإتزان .. حملته من غير بكاء .. حرارة جسمه تحفز تدفق الدم في شراييني المتجمدة.
أدخلناه إلى غرفته .. وضعناه على فراشه.. أسقطُ فجأة في هوة غارقة، ولكني لا أقع أستمر في السقوط دون وقوع .. أراقب ما يحدث من حولي بصمت. انهار صمود خالي الأكبر ما إن وضعناه هامدًا على فراشه .. بكى مع تحشرج لكلمات خرجت من حنجرته قالها بصعوبة أتذكر بعضها، لا كلها.
أرى من حولي ولكني لا أرى .. كل المشاهد الجنائزية بعد هذا المشهد صامتة .. أتكلم .. شفتاي تنطق ولا أسمع صدى لصوتي الهارب الحاضر.
تلاحقني فكرة الموت للمرة الثالثة كرصاصة تحاول الاستقرار في قلبي المنهك. نجحت الرصاصة منذ التاسع من سبتمبر (أيلول) إلى غاية الآن في تمزيق كل فكرة أعلن فيها أن لي صوتًا.
باءت كل محاولاتي بالفشل .. تهربت من الذاكرة لخمسة أشهر وبضعة أيام .. وها أنا أحدثكم عن الفقد .. عن الذاكرة التي يزداد تشوّهها مع كل دوامة يأتي بها القدر على أنقاض قلوبنا المنهكة. عن الفؤاد المنشطر نصفين وشظايا الوجدان المبعثرة على حواف ألم الفقد. تستمر الحياة مندفعة نحونا ولا معنى لاندفاعها.
عن النسيان الذي أناديه ولا يأتي أبدًا. عن حرارة جسمه التي لم تغادرني أبدًا. عن الحب الصامت بيني وبينه. عن دنيا لا تستحق أي انبهار لزوال ما فيها ولزوالنا .. تلك الحقيقة التي نستبعدها ونأبى، إلا أن ننساها، لكنها تحضر بشدة في كل رصاصة يطلقها القدر نحو قلوبنا الهشة.
لا حقيقة أزلية إلا الموت. ننسى الموت ولا ينسانا. نخاصم ونلبس وجوها غير وجوهنا .. نداهن ونكذب و ننسى أننا ميتون وإلى ربنا راجعون.
The post رصاصات القدر المنهكة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست